في فينزبري بارك... الضحايا أول المتسامحين

مؤذن ساهم بحماية المنفذ لـ«الشرق الأوسط»: العدالة ولا غيرها تعاقب الجاني

TT

في فينزبري بارك... الضحايا أول المتسامحين

بعدما سمع قرقعة ساقه اليمنى وهي تُكسر مساء أول من أمس الأحد؛ يحدق ياسين حرصي، وهو بريطاني من أصول صومالية وهو ممد على الفراش الأبيض، صوب بناته الثلاث وزوجته اللاتي وصلن غداة الحادثة إلى مستشفى لندن الملكي شرق العاصمة البريطانية.
أخذ حرصي وهو أحد ضحايا العملية الإرهابية التي ارتكبها عنصري ضد مصلين في منطقة فينزبري بارك شمال لندن، نفسا عميقا قبل أن يقول لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنه حاول قتل أكبر قدر ممكن من المتحلقين حول رجل أصابه الإعياء بعد أداء صلاة التراويح».
ولم تكن لحظات الحادثة كغيرها من اللحظات التي تمر على حياة بشر. يصف ياسين ذو الـ55 عاما ذلك بالقول: «شعرت بألم شديد وأومضت الدنيا أمامي بعدما هاجمتنا شاحنة بيضاء بعد التفافنا على أحد المصلين الخارجين من التراويح وتعب قليلا»... «لا أعتقد أنه خطط لهذا العملية، ربما شاهد الجمع وهم خارجين من المسجد وقرر بشكل عشوائي، ولا نزال ننتظر ما تفضي إليه نتائج التحقيق». ويتجلى من خلال أحاديث ميدانية أن ضحايا الحادية هم أول المتسامحين والمطالبين بعدم الاعتداء على الفاعل شريطة أن يقدم إلى المحاكمة.
وحول تعرضه لأي موقف عنصري سابق، يستنكر حرصي ذلك، ويقول: لم أشهد بنفسي أي تجربة كراهية، لكنني أسمع بها في لندن. مدينتنا مليئة بالتعددية والقانون هنا يحمي الجميع، والمجتمع اللندني متماسك.
وأكد المصاب خلال حديث مع «الشرق الأوسط» بالقول: هناك الكثير من الجرحى، أحد الشبان حالته صعبة جدا ومنذ 6 ساعات كانت تجري له عملية جراحية ويبدو أنه لا تزال مستمرة حتى الآن (الخامسة ظهرا بتوقيت لندن البارحة)، هذا الشاب دهسته الشاحنة وكان تحتها، وجسده مدمر بشكل مؤلم.. كان الله في عون زوجته ووالدته فهما يبكيان منذ الصباح.
«على بعد خطوات من منزل زعيم المعارضة البريطانية جيرمي كوربين، وفي دائرته الانتخابية فينزبري بارك، وقعت الحادثة»، بهذا يصف عويس شيخ علي مؤذن المسجد وأحد أبطال الحادثة الذين لم يسمحوا للمتجمهرين الغاضبين إثر استهدافهم بالهجوم على منفذ العملية.
«لماذا فعلت ذلك.. أولم تشعر بخوف من الناس إثر حماية مجرم في مسرح جريمة؟»، سألت «الشرق الأوسط» عويس البريطاني ذو الأصول الصومالية، فقال: ما فعله قد فعله، نحن مسلمون ونلتزم بالقانون. لكن تأخر الشرطة دفعنا إلى الخوف على حياته، وعلى حياتنا نحن أيضا فالمتجمهرين كانوا ممتعضين بدرجة كبيرة جدا، الشرطة لم تأت إلا بعد أربعين دقيقة على الأقل، ولو تأخرت قليلا لا أعلم ماذا كان سيحصل. يضيف المؤذن الذي يعمل متطوعا منذ عام 2003 بالمسجد ذاته: كان الحاضرون غاية في الغضب، طلبتهم وناشدتهم أن ابقوا بعيدا عنه، ولا تؤذوه- حتى تأخذ العدالة مجراها وتجري محاكمته نتيجة ارتكابه هذا الجرم، وتابع المؤذن: لا أريد تضخيم الحادثة، لا نعلم من يقف خلف هذا الرجل ولا نلوم إلا مرتكب الحادثة حتى تتضح حقيقة الجريمة كاملة.
وفي جولة ميدانية، أغلقت الشرطة مسرح الجريمة، وزادت سخونة الحادثة وتبعاته من سخونة الطقس الذي بلغ أمس نحو 30 درجة مئوية. جاء إلى الحي كثير من الذين لهم صلات وأقارب ليطمأنوا عليهم. الكثير من الكاميرات والمراسلين توزعوا قرب مسرح الجريمة، والكل يترقب مزيدا من المعلومات التي قد تكشف الأسباب الكامنة وراء ارتكاب الحادثة.
وبالعودة إلى المستشفى الملكي، لم تعرف رقية إسماعيل زوجة المصاب ياسين حرصي بالحادثة حتى تلقت اتصالا من صديق زوجها، الذي أخبرها بأن هناك هجوما قرب المسجد الذي يصلي فيه ياسين: «وخلال لحظات شاهدنا الحادثة على شبكات التواصل الاجتماعي». وتقول لـ«الشرق الأوسط»: لم نره إلا في الصباح، لم يكن مفقودا كنا نعلم أنه في المستشفى، لكنه طلبنا حرصا على سلامتنا بعدم مغادرة المنزل حتى تتضح الأمور أكثر وأكثر.
وتشدد رقية على وصف الجريمة بأنها «جريمة كراهية إرهابية... ليست ضد المسلمين وحسب؛ بل ضد لندن التي تتميز عن بقية مدن العالم بمدى التعايش الذي تشهده، ونحن كمجتمع لا بد أن نتحد، مسلمين ومن جميع الأعراق ونتحدى كل ما يهدد وحدتنا وتعايشنا وتسامحنا. نحن كمسلمين يحضنا ديننا على حماية بعضنا، وعندما أتحدث عن بعضنا فأنا أقصد الجميع».
وتتابع: «لا بد أن نعامل شبابنا وأبنائنا على أنهم جميعا سواسية، ونزرع في أبنائنا».
من ناحيتها، تقول آمال ابنة المصاب حرصي: «كنت غاضبة جدا وخائفة في الوقت نفسه على والدي، المشاعر مختلطة بالنسبة لي أختي فاطمة وعائشة، سعيدون بأن والدنا على قيد الحياة، حزينون على ما أصابه وأصاب الآخرين». مضيفة: «لا بد لنا أن نتجاوز هذه اللحظات في بلدنا ونتماسك سوية ضد كل ما يفرقنا، الإرهاب بكل أشكاله يجب أن يغادر هذه المدينة العالية التسامح».
* الصحافي المساعد
وسط ضجيج حادثة الدهس في فينزبري بارك بلندن، لعب رجل دوراً مهماً في تسهيل مهمة لم يعتد ممارسوها أن تكون بهذه السهولة. عبده خليفة، يتكئ على 62 عاماً من العمر قضى نصفها في العاصمة البريطانية، ليرشد الصحافيين إلى شهود العيان والضحايا والأبطال، وكل من ارتبط بالحادثة.
كان خليفة يتحدث بأكثر من لغة، أبهرت صحافياً ألمانياً كان يستمع إلى إنجليزيته الركيكة. وفور ما التقى «الشرق الأوسط»، بدأ يتحدث عربية ركيكة أيضاً، لكنته كانت أشبه بالمرشد الذي يعرف الجميع.
تناول خليفة ورقة وقلماً وبدأ يتصل ويسجل الأرقام والأسماء، وبعض المعلومات التي تفيد المراسلين في تغطية الحادثة.
وكان من اللافت التفاف المتجمهرين قرب مسرح الحادثة حول خليفة لمعرفة أخبار الذين أصيبوا، وحتى أولئك الذين لم يصبهم شيء.
يقول خليفة: «عشت أكثر من ثلاثة عقود في لندن، ولا يسمح العرف الاجتماعي لأهالي هذه المدينة الرائعة ولا القانون بأن يعتدي أحد على أحد. الجريمة التي حدثت أمس لا بد أن نعرف أنها استثناء، ولو ترى الدهشة التي أصابتنا جميعا لعرفت أنها بالفعل استثناء».
اقترب أحد أفراد الجالية الصومالية من خليفة وهمس في أذنه بأنه اطمئن على أحد المصابين. أخذ يقول بصوت عال: «هذا أحد إخوتنا بخير، الحمد لله»، طلب من أول سيارة «تاكسي» التوقف، جمع أصدقاءه ووزع رقمه على مراسلي الصحف، وقال لهم: «سأرسل لكم بانتظام أي معلومات وأرقام أخرى تقع عليها يدي».
رافقت «الشرق الأوسط» خليفة في المستشفى، وكان جريئاً في التوسل، ثم رفع درجة الجرأة بضرورة أن يرى أحد المصابين داخل مستشفى لندن الملكي. كان حيوياً لا يخرج من الباب إلا ليقود أحد الذين جاءوا لعيادة أحد المصابين المتعددين في المستشفى ذاته.
وصفه كبير المراسلين في صحيفة «الديلي ميل» بأنه الصحافي المساعد في الحادثة، وكان بالفعل كذلك.
 


مقالات ذات صلة

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

شؤون إقليمية الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» ونواب الحزب خلال احتجاج داخل البرلمان التركي للمطالبة بالحق في استخدام اللغة الكردية بصفتها لغة أم (حساب الحزب في إكس)

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

أعطى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش إشارة على البدء بمناقشة اللوائح القانونية لـ«عملية السلام» بعد شهر رمضان وسط اعتراضات كردية على غياب قضايا جوهرية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended