عائلات ضحايا حريق لندن... أسئلة وغضب ويأس

ارتفاع حصيلة القتلى إلى 17 وماي تعد بفتح تحقيق

عائلات ضحايا حريق لندن... أسئلة وغضب ويأس
TT

عائلات ضحايا حريق لندن... أسئلة وغضب ويأس

عائلات ضحايا حريق لندن... أسئلة وغضب ويأس

واصل رجال الإطفاء، أمس، البحث عن جثث علق أصحابها في حريق «برج غرينفيل» الذي أودى بحياة 17 شخصا، مع تنامي الغضب والأسئلة بشأن أسبابه وإذا ما كانت أعمال ترميمه أسهمت في الكارثة.
وقال قائد شرطة العاصمة، ستيوارت كوندي، في تصريح إعلامي أمس: «يؤسفني أن أؤكد أن عدد الذين قتلوا وصل الآن إلى 17». ويتوقع ارتفاع حصيلة ضحايا الحريق مع بدء عملية تفتيش الهيكل المتفحم للبرج المؤلف من 24 طابقا، والذي كان يقطن فيه نحو 600 شخص عاش عدد كبير منهم أحداث رعب ليل الثلاثاء إلى الأربعاء. وأضاف كوندي أن فريقا مختصا موجودا في المكان لتأمين المبنى، حتى تتمكن فرق الإطفاء والكلاب المدربة من تفتيشه. وقال: «إنها عملية بطيئة ودقيقة».
وكشفت تقارير إعلامية بريطانية، أمس، عن هويات بعض الضحايا، كان بينهم لاجئ سوري شاب يدعى محمد الهاجلي، ويبلغ من العمر 23 عاماً. وكان الهاجلي يسكن مع شقيقه عمر في الطابق الـ13. ولم ينج من الحريق، فيما تمكن أخوه من الهرب، وهو يوجد حالياً في أحد مستشفيات لندن بحالة مستقرة.
بدورها، قالت مفوضة الإطفاء داني كوتون إن بعض أقسام المبنى لا تزال غير آمنة، وإن الانتهاء من البحث في كل طابق وشقة قد يستغرق وقتا طويلا. وأضافت لقناة «سكاي نيوز» أن «عددا غير معروف» من الأشخاص لا يزالون عالقين داخل المبنى، وأن العثور على أحياء سيكون بمثابة «معجزة». وقالت: «سنحتاج لأسابيع قبل الانتهاء من تفتيش المبنى بشكل تام، والسماح بدخوله».
وقدمت الملكة إليزابيث الثانية تعازيها لعائلات الضحايا، وقالت إن أفكارها وصلواتها مع «العائلات التي فقدت أحبتها». ولا تزال عائلات بأكملها بين المفقودين بعد الحريق الذي اجتاح المبنى وأرغم سكانه على النزول وسط دخان كثيف على الدرج الوحيد المتوفر، أو القفز من النوافذ أو حتى إلقاء أولادهم إلى الشارع.
وتزداد الأسئلة بشأن الانتشار السريع للنار التي التهمت الشقق المائة والعشرين، في مشهد قال مسؤولو جهاز الإطفاء إنه لم يسبق له مثيل. ويجري التركيز على المواد التي غلّفت بها الجدران الخارجية للمبنى الإسمنتي العائد إلى سبعينات القرن الماضي، في جزء من عملية تجديد انتهت قبل سنة وكلفت 8.7 ملايين جنيه إسترليني (11 مليون دولار).
وقالت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن هذه المواد كانت من البلاستيك وإنها تشبه تلك المستخدمة في المباني العالية في فرنسا والإمارات العربية المتحدة وأستراليا التي شهدت حرائق سريعة الانتشار.
وأكدت شركة «رايدون» التي أشرفت على عملية الترميم أن المشروع «مطابق لكل الأنظمة»، فيما عدّت شركة «هارلي فاسايدس» التي قامت بتركيب الألواح الخارجية، لـ«بي بي سي» أنه «لسنا في الوقت الحالي على علم بأي صلة بين الحريق والكسوة الخارجية للبرج».
وتفقدت رئيسة الوزراء تيريزا ماي الموقع صباحا، والتقت برجال الشرطة والإطفاء، وأعلنت أنه سيتم التحقيق في أسباب «المأساة المروعة»، ما إن يتم انتشال كل الجثث. وقالت ماي: «نحن مدينون للعائلات والأشخاص الذين فقدوا أحباءهم والبيوت التي عاشوا فيها»، فيما أعلن رجال الإطفاء أن أقساما من المبنى المنكوب التابع لمجلس البلدية المحلي والواقع غرب لندن لم تعد آمنة.
ويشرف «غرينفيل تاور» على مبان سكنية تابعة للبلدية في شمال كنزنغتون، ليس بعيدا من حي نوتنغ هيل الميسور.
من جهته، قال زعيم المعارضة جيريمي كوربن الذي زار البرج أمس بعد رئيسة الوزراء إن «هناك أسئلة صعبة للغاية يجب الإجابة عنها» بشأن سبب وكيفية انتشار الحريق. وقال للمتطوعين في إحدى الكنائس المحلية: «علينا التوصل إلى سبب ذلك. يجب أن تظهر الحقيقة، وسوف تظهر».
ويعيش في المنطقة سكان من أصول مهاجرة، ولكن كثيرا من العائلات تعيش فيها منذ سنوات وتنقل منازلها ذات الإيجار المتدني إلى أولادها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
يذكر أنه تم تجديد واجهات عدد من مباني لندن خلال السنوات الماضية بهدف عزلها وتحسين منظرها. ولكن كوستاس تسافداريدس، الأستاذ المشارك في الهندسة البنيوية في جامعة ليدز، حذر من أن «بعض المواد المستخدمة في الواجهات تزيد مخاطر الحرائق». وقال إنه «على الرغم من أنها مقاومة للحريق نظرياً، فإنها هذه المواد تكون في معظم الأحيان مقاومة للحرارة وليس للحريق.
ولكن حتى وإن كانت مقاومة للحريق، فإن الدخان واللهب ينتشر عبر الوصلات».
ويسأل الناس لماذا لم يتم تركيب أنظمة رش الماء داخل شقق «برج غرينفيل»، التي كان يمكن أن توقف انتشار اللهب، أو نظام مركزي للتنبيه من الدخان كان يمكن أن يوقظ السكان النائمين.
وانتقد بعض شهود العيان خدمة الإطفاء، التي نصحت السكان بالبقاء في الشقق واستخدام منشفة لمنع دخول الدخان وانتظار النجدة. وتمكن رجال الإطفاء من بلوغ الطابق الثاني عشر من البرج خلال الحريق.
وقال ديفيد كولنز، الرئيس السابق لـ«جمعية سكان برج غرينفيل»، إن إدارة المبنى «لم تصغ لمطالب السكان بتحسين الحماية من الحريق»، رغم أن «90 في المائة منهم وقعوا عريضة بنهاية 2015 يشتكون فيها من سوء إدارة الشركة التي تتولى صيانة المبنى». وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية: «لو أن سكان حي ميسور مثل كنزنغتون أو تشيلسي عبروا عن المخاوف نفسها، لكانت لقيت الاهتمام وحلت. ولكنها هنا لم تحل».
وروى سكان يعيشون في المنطقة كيف أشعل سكان إضاءة هواتفهم الجوالة للفت الانتباه إليهم قبل أن يختفوا داخل الشقق ويخفت صراخهم طلبا للنجدة. وقالت آدي استو (32 عاما) التي أخرجها رجال الإطفاء من شقتها القريبة: «رأيناهم يموتون». وقفز بعض من فقدوا الأمل في النجاة من النوافذ.
وسادت أجواء من الحزن إثر الحريق في بريطانيا التي كانت في حداد على ضحايا اعتداءات إرهابية. وجمع متطوعون نحو 480 ألف جنيه إسترليني عبر الإنترنت من أجل مساعدة الضحايا حتى صباح أمس، في حين تتسلم المراكز المحلية تبرعات من الملابس والطعام. وأرسل متطوعون من غلاسكو، على بعد 550 كيلومترا من لندن، شاحنة محملة بحفاضات الأطفال ومستلزمات أخرى.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended