«لا تطفئ الشمس»... محاولة للإمساك بزمن الرومانسية بواقعية صادمة

معالجة درامية تكشف تدهور القيم المجتمعية في ظل «البرجوازية الجديدة»

أبطال مسلسل «لا تطفئ الشمس»
أبطال مسلسل «لا تطفئ الشمس»
TT

«لا تطفئ الشمس»... محاولة للإمساك بزمن الرومانسية بواقعية صادمة

أبطال مسلسل «لا تطفئ الشمس»
أبطال مسلسل «لا تطفئ الشمس»

انتظر الملايين من المشاهدين عبر العالم العربي مسلسل «لا تطفئ الشمس»، باعتباره مأخوذا عن رواية مهمة للأديب الكبير إحسان عبد القدوس التي صدرت عام 1961، وتحوّلت لفيلم من أهم أفلام السينما المصرية أنتجه عمر الشريف وأحمد رمزي، ولم يتمكن من أداء دور البطولة فيه عمر الشريف بسبب فيلم «لورانس العرب». القصة في حد ذاتها دراما اجتماعية تعالج مصائر الكثير من الشخصيات، وتتحدث عن معاني الحب بين الأشقاء أو بين الأزواج، وأيضا تتحدث عن الخيانة وتجسد حياة أسرة من الطبقة البرجوازية ونظرتهم لطبقة العمال «البروليتاريا»، وهي تصلح أن تعالج درامياً مئات المرات في سياقات وأزمنة مختلفة، فقد تحوّلت لمسلسل درامي في الستينات لعب بطولته كرم مطاوع وصلاح السعدني وزوزو ماضي.
بالطبع، لم يفلت المسلسل الذي كتب السيناريو والحوار له السيناريست تامر حبيب وأخرجه محمد شاكر خضير، من المقارنة بينه وبين الأعمال السابقة، وكذلك أيضا أداء الممثلين. فمنذ أن عرض وبدأت الانتقادات تنال منه.
أغفل الكثيرون السياق الزمني الذي كانت تدور فيه العلاقات قبل أكثر من نصف قرن؛ فلم تعد العلاقات الأسرية حاليا تشبه العلاقات في الخمسينات والستينات، بل أصبحت أكثر فتورا وبرودة. لم تعد هناك سيطرة للأخ الأكبر كما جسدته الرواية، لم تعد الأسر تهتم بالحفاظ على العادات والتقاليد خشية من أقاويل الناس، لكن ظهرت الفوارق الطبقية بقوة بين العائلات الثرية التي تقطن الفيلات والقصور بداخل «كومباوند» تساوي أسعارها ملايين الجنيهات ونمط وأسلوب حياتهم يختلف تماما عن عامة المصريين.
تامر حبيب اسم تنصاع وراءه الجماهير، وبخاصة أنه صاحب الكثير من الأعمال الناجحة في السينما والدراما، وهو من أبرع كتاب السيناريو تحديدا فيما يتعلق بالأعمال التي تدور في إطار رومانسي، ونذكر منها: «سهر الليالي» و«حب البنات»، ودرامياً: مسلسلي «طريقي» و«غراند أوتيل» اللذين حققا نجاحا جماهيريا كبيرا.
يقدم حبيب معالجة درامية لرواية «لا تطفئ الشمس»، في سياق اجتماعي معاصر مختلف عن سياق الرواية التي تدور حول عائلة ارستقراطية محافظة، فقدت عائلها، وتولت الأم رعايتها، وهي امرأة حازمة.
في هذا العمل قدم حبيب «أسرة إقبال» التي تلعب دورها الفنانة القديرة ميرفت أمين، من دون أن تظهر بهذا الحزم، بل هي امرأة عاشت حياتها مع رجل لا تحبه ولم تتزوج حبها الأول، وما أن مات وقبل مرور سنة على وفاته ظهر لها حبها الأول ليطاردها، وهي تفكر في ذلك ليلا ونهارا ولا نراها تعير أبناءها أي اهتمام سوى اهتماما سطحيا بسيطا؛ فهي تنتظر أن يأتي إليها أبناؤها لنقاش مشكلة يمرون بها.
ومن خلال متابعة المسلسل يتسرب إلى المشاهد أحيانا الملل من توقع الأحداث، كما أن إيقاع المسلسل يفتقر للتشويق طوال العشر حلقات الأولى، وبالتالي كان يجب أن يحاول السيناريو إدهاش المشاهد أو مفاجأته بتغيير غير متوقع في الأحداث التي يسردها، أو على الأقل يمتعه. صحيح أن هناك اختلافات عن الرواية الأصلية، لكنها ليست على قدر كبير من التشويق، بل قدمت معالجة للشخصيات غير مكتملة النضج وبه بعض التضارب. ويأتي الحوار بين الشخصيات في بعض الأحيان بجمل مكررة أو الجمل وعكسها في اللحظة نفسها، وفي أغلب المشاهد لا يوجد حوار متكامل نفهم من خلاله ما يجب أن نفهمه من المشهد، بل سنجد أن بعض الممثلين وعلى رأسهم الفنانة ميرفت أمين، تجسد ما بين السطور بأدائها فهي تمثل في صمتها ما كان يجب أن يقوله السيناريو والحوار، كذلك الفنان المتمكن فتحي عبد الوهاب الذي يلعب دور الموسيقار الذي تحبه «آية» التي تلعب دورها جميلة عوض وكانت تلعب هذا الدور في الفيلم سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، هناك الكثير من التفاصيل التي كان من المفروض أن تتحدث عنها الشخصيات، لكن السيناريو آثر أن يلغي وجودها. أما عن الانتقادات التي تهاجم دس الألفاظ البذيئة في العمل، فهي كما يقال دوما إنما هي انعكاس للواقع، لسنا الآن في الزمن الذي يقول فيه الشاب للفتاة التي يريد التعرف إليها «سعيدة يا هانم»، بل أصبحت الألفاظ التي يتحدث بها كثير من الشباب غاية في البذاءة؛ لذا من الطبيعي أن تعكس الدراما ذلك وإذا كان المجتمع مصدوما حقا منها دراميا فعليه أن يقضي عليها واقعيا.
لعل أروع ما في «لا تطفئ الشمس»، هي الموسيقى التصويرية الهادئة التي جاءت لتخلق الحالة الرومانسية للعمل ككل، فهي في كثير من الأحيان كانت تضيف لأداء الممثلين. نجح المخرج في اختيار أماكن التصوير التي تعكس حياة الطبقة الثرية الآن في مصر، لكن كانت مشاهد معاقرتهم للخمور مقحمة بشكل كبير.
يلعب دور «أحمد زهدي» في الرواية الفنان الموهوب محمد ممدوح، الذي قدم الدور ببراعة شديدة وإن كان تمثيله الممتع يعكر صفوه أن مخارج الألفاظ غير واضحة، وأيضا أثبت الفنان الشاب أحمد مالك الذي يقوم بدور «ممدوح» والذي قدمه أحمد رمزي، أن الموهبة تفرض نفسها بغض النظر عن موقف قطاع كبير من الجماهير من سلوكياته في واقعة الاستهزاء بمجندي الأمن المركزي في ميدان التحرير، لكنه قدم دور عمره في هذا العمل؛ انفعالات صادقة مفعمة بالمشاعر، بينما لم تبهرنا أمينة خليل في شخصية «نبيلة» التي جسدتها ليلى طاهر، أو جميلة عوض في دور «آية»، بل خفت أداؤهما أمام أداء الفنانة ريهام عبد الغفور بدور «فيفي» الشخصية العنيفة التي تتوارى وراء ستار العمل والعلم هربا من مشاعرها الأنثوية، كما تألقت شيرين رضا في شخصية «رشا» السيدة الثرية التي تعيش حياتها طولا وعرضا.
بينما كانت مفاجأة المسلسل، هي الفنانة عارفة عبد الرسول في دور الخادمة «بسيمة»، وهي شخصية لم تكن موجودة في الفيلم وتحل محل الطباخ، لكن تامر حبيب كتب دورها ببراعة تغلبها براعة هذه الفنانة في تجسيد الشخصية، فهي الشخص الذي يحتوي هذه الأسرة المشتتة والمفككة داخليا. ويلعب الفنان زكي فطين عبد الوهاب دور «الخال» شقيق ميرفت أمين باقتدار، فهو رمز للأرستقراطية أو «البرجوازية الجديدة» التي ترفض الاحتكاك بالطبقة الفقيرة، وهي في هذا العمل «أسرة حبيبة» التي تقطن حي عابدين الشعبي بوسط القاهرة وجسدتها بمهارة أيضا مي الغيطي، وجسد بامتياز دور شقيقها الأكبر المحافظ على الأصول والتقاليد الفنان الواعد خالد كمال الذي شارك هذا العام في مسلسلات عدة بأدوار مختلفة تكشف احترافيته وتبشر بصعود نجمه خلال السنوات المقبلة.
تلاعب المخرج باحترافية بمشاعر الجماهير حينما أوهم الجمهور بموت «آدم» أو أحمد مالك في العمل بعد يأسه من ارتباطه بـ«حبيبة» الفتاة الفقيرة نتيجة رفض خاله وأسرته ومعارضتهما، وكان الأمر حديث مواقع التواصل الاجتماعي، لأيام عدة؛ إذ نجح المخرج في جعل الجماهير تترقب ما إذا كان حيا أم مات غرقا في النيل، لكن آدم ظهر حيا ويعمل في ورشة الأسطى عدوي شقيق حبيبته، وحينما علمت الأم بوجوده على قيد الحياة ومحاولته العودة لبيت الأسرة، رفضت عودته إلى المنزل وطردته منه، بعد أن عاشت طوال 3 أشهر حزينة عليه، وكان هذا المشهد من أبرع المشاهد التي أمتعت بها الفنانة ميرفت أمين جمهور المسلسل. ولكن يبقى التحدي أمام صناع العمل في الحفاظ على حالة التشويق التي ظهرت في الثلاث حلقات الماضية حتى نهاية العمل.
على أي حال، المعالجات الدرامية دائما ما تكون لها عيوبها وإيجابياتها، ولعل أبرز الإيجابيات في معالجة «لا تطفئ الشمس»، هي تجسيد حالة التدهور في القيم والعلاقات الاجتماعية التي أصابت المجتمع المصري خلال النصف قرن الأخير، فهي تدق ناقوس الخطر نحو تدهور قيمي كبير وتفكك مجتمعي وأسري في ظل صعود «البرجوازية الجديدة».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».