تقول النكتة الفرنسية الشائعة، إنّ سباق السيارات الشهير «باريس - داكار» كان يدخل الأراضي العربية اعتباراً من مرسيليا، على الساحل الجنوبي للبلاد. إن ميناءها الواسع ووقوعها في قلب الضفة الشمالية للبحر المتوسط جعل منها ثاني أكبر المدن الفرنسية من حيث الأهمية والكثافة السكانية. ويوجد واحد من كل 4 مقيمين في هذه المدينة يدين بالإسلام. لذلك فإن للشهر الفضيل أجواءه ونكهاته وتقاليده التي لا تخفى على أعين زوارها والسياح فيها.
* حضور عربي
* يتجمع المهاجرون الجزائريون والمغاربة والتونسيون والأتراك والسنغاليون في أحياء وسط المدينة، وبالتحديد في منطقة القلب منها «لا كانبير». وهو الحي الذي خرج منه رياضيون رفعوا سمعة فرنسا عالياً في المسابقات العالمية، ومنهم بطل كرة القدم زين الدين زيدان. وعلى الرغم من أنّ مدناً فرنسية أخرى مثل ليون وليل وباريس تجمع جاليات إسلامية كبيرة، فإنّها تبقى غير منظورة بالقياس لمرسيليا. ففي تلك المدن أحياء تزدحم بالمهاجرين. أما هنا فإن كل ناحية في المدينة تشير إلى الحضور العربي، سواء في أسماء المطاعم أو لهجة الكلام أو الموسيقى المنبعثة من الشرفات أو المنائر الطالعة من عدد من المساجد الموزعة هنا وهناك. ولأنّ تلك المساجد لا تستوعب الأعداد الكبيرة من المصلين، بات من المعهود أن تفيض بهم الأرصفة والشوارع، أيام الجمع والمواسم الدينية.
وحين يحل رمضان، تتحول أحياء وسط المدينة وأسواقها الشعبية إلى خلية من الحركة الدائبة بين أفراد الجالية التي يقدر عددها بربع مليون مسلم، أي ربع سكان المدينة تقريباً. وحتى لو لم يقصد الزائر أحياء العرب حول الميناء، فإن مظاهر الشهر الكريم تبدو واضحة في سوق «لا كابوسين»، من القلوب النابضة في المدينة، حيث ترى دكاكين المواد الغذائية والبهارات والحبوب والتمور والحناء والشموع والعطريات والبخور والمسابح ولوازم الصلاة، إلى جانب المقاهي الشرقية ومحلات الحلاقة التي يدفع فيها الزبون مبلغا يقل كثيراً عن مثيلاتها في الأحياء المرفهة.
* مسلمو مرسيليا والمسجد الكبير
* وحكاية مسلمي مرسيليا مع المسجد الكبير الذي كانوا ينتظرونه، تستحق أن تروى. ولا بد في البداية من التوضيح بأن هناك قرابة 60 مسجداً أو قاعة للصلاة في مختلف أطراف المدينة. وإلى جانب هذه الأماكن المحددة فإن المسلمين يصلون في مرائب السيارات وفي الساحات العامة وفي قاعات مرتجلة وفي الشوارع، كما أسلفنا. ورمضان يُحيى في المساجد كما هو معمول في جميع الدول الإسلامية، فكيف يعيش مسلمو المدينة تقاليد صلاة الجماعة؟
بدأ مشروع تشييد مسجد كبير في مرسيليا منذ سنوات تزيد على العشر. لكن الحلم لم ير النور حتى اليوم. ويروي محمد موسوي، رئيس اتحاد مساجد فرنسا، أنّ الاتفاق تم بالفعل على المشروع بين بلدية مرسيليا والمجلس الجهوي، أي الإقليمي، للديانة الإسلامية. وبناء عليه تشكلت جمعية بهدف أن تحصل من البلدية على قطعة أرض بعقد إيجار بصيغة خاصة. وكان الاتفاق أن تكون مدة العقد 50 سنة. أي أن يجري تشييد المسجد على تلك الأرض ولو أنها مؤجرة وليست ملكاً للجمعية أو للجالية. ومع انتهاء المدة المقررة يعاد النظر في تجديد الاتفاق، وفي حال لم يحصل التجديد تصبح الأرض والبناء معاً ملكاً للبلدية.
* تعقيدات بناء المسجد
* بعد سنوات من التفكير والأخذ والرد، لم تستطع الجمعية أن تبدأ مشروع بناء المسجد باعتبار أنّها لا تتوفر على المال الكافي، وعندما رأى مسؤولو البلدية أن البناء لم يبدأ بعد مرور 5 سنوات تقريباً، وهو ما ينص عليه الاتفاق، وضعت حداً للمشروع لأن الجمعية لم تحترم بنداً من بنود الاتفاق. لكن الجمعية وجدت ثغرة في القانون تتمثل في أن السنوات الخمس لم تمرّ كاملة، باعتبار أنّه كانت هناك محاكم وقضايا رفعت ضد مشروع المسجد من قبل اليمين المتطرف في المدينة. وقد أوقفت المحكمة بناء المشروع حتى يتم التداول به، أي أنّه تأخر 3 سنوات. مع ذلك، أصرت البلدية على استرجاع الأرض لأن الجمعية غير قادرة أصلاً على دفع الإيجار، فكيف لها أن تبني مسجداً يكلف 22 مليون يورو مع ملحقاته الثقافية؟
يضيف موسوي، رئيس اتحاد مساجد فرنسا: «لقد شاركت في تحديد معالم هذا المشروع عام 2005. وقدّرنا آنذاك تكلفته بنحو من 5 ملايين يورو فقط، ولكن جرت تعديلات وتغييرات، واستحدثت أشياء كثيرة حتى وصلت تكلفة المشروع إلى 22 مليونا. وأظن أنّ هذا المبلغ كبير جداً بالنسبة لمسلمي مرسيليا، كما أن هناك جمعيات كثيرة كانت غير مقتنعة بضرورة بناء مسجد ضخم بهذا الحجم، وتفضل بناء مساجد صغيرة أو متوسطة في أحياء متعددة. ومنذ ذلك الوقت غُضّ النظر عن المشروع، مع العلم أنّ الجالية بنت مساجد أخرى في المدينة بتكلفة قليلة (3 أو 4 ملايين يورو)، أصبحت مفتوحة للمصلين، حالياً، لأن احتياجات الجالية متعددة ولا ينبغي بالتالي أن نضع كل إمكانات مسلمي مرسيليا في مشروع واحد».
* شهر العودة للتقاليد
* وعودة إلى مظاهر شهر الصيام، فإن وقوع رمضان في موسم بداية الصيف الفرنسي يجعل من موعد الإفطار متأخراً نسبياً، أي لغاية مغيب الشمس قبل العاشرة مساء بربع ساعة. وبسبب تزامن الأيام الأولى للصيام مع موجة حرارة تجتاح البلاد، صار من المعهود رؤية أعداد كبيرة من المسلمين يرتادون الحدائق العامة بحثاً عن نسمة هواء لا تتوفر في الشقق المزدحمة، يستلقون في ظل شجرة وينتظرون أن تنكسر حدة الشمس ويحل المساء. خلال ذلك تكون النساء مشغولات بتسوق حاجيات المائدة الرمضانية، والدوران على المتاجر الصغيرة ومحلات بيع اللحوم التي ترفع على واجهاتها لافتة «حلال». ويخبرنا الحاج عبد الله الذي يدير محلاً للبقالة والفواكه أن كل بضاعة تأتي من بلد مختلف: الزيتون من تونس، والفواكه المجففة وراحة الحلقوم من تركيا، والحلاوة من المغرب، والتمور من الجزائر، وكانت صفائح المشمش المجفف أو قمر الدين تأتي من سوريا، هذا عدا الكثير من المنتجات الشرقية التي باتت تصنع محلياً في مرسيليا وضواحيها، كالعصائر وأنواع الخبز العربي والحلويات المغربية.
خلال هذا الشهر، تتوزع حفلات الإفطار على الكثير من الجمعيات التي تنشط في أوساط الجاليات الإسلامية، وعادة ما يدعى إليها ممثلو العقائد الأخرى وتتلى فيها الكلمات التي تشجع على التسامح ونبذ العنف الطائفي. كما تصدر تلك الجمعيات إمساكيات لمواعيد الإفطار والإمساك والصلوات الخمس حسب التوقيت المحلي للمدينة، وتنشئ مواقع إلكترونية للغرض نفسه. وحتى أولئك الشباب الذين ولدوا في فرنسا وجرفتهم موجة العيش على الطريقة الغربية فإن حلول شهر رمضان هو مناسبة للعودة إلى تقاليد العائلة وارتداء الجلاليب وحضور الصلاة والتزام فريضة الصيام التي تحظى باحترام والتزام كبيرين. وتقول سيدة تعمل في حمام للنساء إن المشاجرات العادية بينهن تتوقف في رمضان بقدرة قادر، وينتشر الوئام بين الجاليات، سواء أكان أبناؤها من تركيا أو المغرب العربي الكبير أو أفريقيا السوداء أو مصر.
* «موسم» متحف الفنون الحديثة
* جاء افتتاح متحف كبير على البحر، للفنون الحديثة في المدينة، يحمل الاسم العربي «موسم»، لينعش النشاط الثقافي للشباب المتحدر من الهجرة ويرفع من افتخاره بفنون الوطن الأم. لكن الصورة ليست وردية على طول الخط، فقد تسبب الحضور العربي والإسلامي الكثيف، في إثارة النعرات العنصرية وصعود أنصار اليمين المتطرف وبلوغهم مواقع مهمة في بعض بلديات جنوب فرنسا وشمالها. ويشعر هؤلاء بالغيظ من انتشار معالم شهر الصيام ويرون أن فرنسا أحق بأبنائها الأصلاء. والسؤال هو: من هو الأصيل ومن هو الغريب في مدينة مفتوحة على البحر، استقبل ميناؤها الملايين خلال عصور مضت وما زال يستقبل؟

