رواية «أريامهر نامه» تقتحم عالم إيران بكل تعقيداته

تبدأ أحداثها مع انطلاق «الربيع العربي»

الشاه محمد رضا بهلوي الذي تتبع الرواية سيرته وزوجته فرح ديبا - غلاف الرواية
الشاه محمد رضا بهلوي الذي تتبع الرواية سيرته وزوجته فرح ديبا - غلاف الرواية
TT

رواية «أريامهر نامه» تقتحم عالم إيران بكل تعقيداته

الشاه محمد رضا بهلوي الذي تتبع الرواية سيرته وزوجته فرح ديبا - غلاف الرواية
الشاه محمد رضا بهلوي الذي تتبع الرواية سيرته وزوجته فرح ديبا - غلاف الرواية

يُذكر روي بيتر كلارك، في كتابه «أدوات الكتابة: 50 استراتيجية ضرورية لكل كاتب»، أن «أفضل الكُتّاب لا يكتبون فقط بأيديهم ورؤوسهم وقلوبهم، وإنما بأقدامهم»، بمعنى أن الكتّاب الجيدين لا يجلسون في مكاتبهم ويتخيلون عالم شخصياتهم ومخططها العام لرواياتهم، بل يتركون مكاتبهم ليبحثوا عن مادة رواياتهم في الواقع وعلى الأرض وبين الناس. ورواية «أريامهر نامه» (دار الفارابي، 2017) واحدة من هذه الروايات التي لم تكتب باليد والرأس والقلب فقط، بل كتبها عقيل الموسوي، البحريني القادم من عالم طب الأسنان، بأقدامه وهو يجوب إيران طولاً بعرض، وهو ينقّب، طوال خمس سنوات، في تاريخها ويستكشف جغرافيتها، من أجل أن يكوّن مادة هذه الرواية لبنة لبنة.
كل من سيقرأ رواية «أريامهر نامه» سيجدها رواية آسرة، وثرية، وتقتحم عالما غير مألوف في الروايات العربية، عالم إيران بكل تعقيده التاريخي والجغرافي والسياسي والديني والقومي.
تبدأ الرواية مع أحداث «الربيع العربي»، وتحديداً في يناير (كانون الثاني) 2011، حيث يطالعنا شاب عربي يعيش في جزيرة متخيّلة يسميها جزيرة الأولون، وتتشابك حياته مع تداعيات هذا الربيع، إلا أنه يفصح لنا، منذ الفقرة الأولى من الرواية وهو يتابع خبر انتحار علي رضا بهلوي (الابن الأصغر لشاه إيران الأخير، الذي انتحر في 4 يناير 2011)، أنه بصدد كتابة سيرة الشاه محمد رضا بهلوي (الشاهنشاه الذي منح الرواية اسمها حين لقّب نفسه بـ«أريامهر» أي نور الآريين)، فلا يجد من طريقة للشروع في الكتابة إلا عبر التراسل بالإيميل مع عميدة الأسرة البهلوية: فرح ديبا بهلوي (الشهبانو).
لن يتضّح لنا، لأول وهلة، الغرض الذي من أجله حوّل هذا الشاب العربي اهتمامه من «الربيع العربي» إلى إيران، وسيرة الشاه محمد رضا بهلوي، ومن ورائه تاريخ الأسرة البهلوية والدولة البهلوية، ثم تطوّف بنا الرواية تطوافاً واسعاً في التاريخ الفارسي ودوله. ويبدو الشاب العربي كما لو كان مدفوعاً دفعاً بمهمة قومية سامية لإعادة تكوين هذا التاريخ حيث نراه يذهب بعيداً في الحفر عميقاً في طبقات تاريخ إيران المتطاول منذ الأخمينيين والساسانيين إلى المغول إلى الصفويين إلى القاجاريين إلى الدولة البهلوية. إنها مهمة قومية يقوم بها الإيرانيون، ولكن لماذا يكرّس شاب عربي يمتلك كل تطلعات الشباب العربي التي أعلنت عن نفسها في ميادين البلدان العربية التي مرّ بها «الربيع العربي»؟
لا يحدثنا الراوي، صراحة، عن السر وراء هذا الانتقال، إلا أن المراسلات المتبادلة بينه وبين فرح ديبا تكشف عن ضرب من ضروب «بلاغة المقموعين» التي تتوسّل بالتمثيل والإيماء والتورية وقول شيء ويُقصد منه شيء آخر. هل يريد الشاب العربي أن يكتب سيرة الدولة العربية وانتكاساتها، إلا أنه يذهب، بضرب من «بلاغة المقموعين»، إلى كتابة سيرة الشاه والدولة الإيرانية؟ هل يريد هذا الشاب العربي أن يقنعنا بأن التشابه بين التاريخين، العربي والفارسي، كبير إلى درجة أنه يمكن أن تغني كتابة سيرة الواحد منهما عن الأخرى؟ هل يريد أن يقنعنا بأن «ربيعنا العربي» لم يكن سوى ضرب من العود الأبدي الذي رأيناه في سيرة «الربيع الإيراني» قصير العمر إبان صعود نجم محمد مصدق مع مطلع خمسينات القرن العشرين، ثم الخريف الذي انتهى إليه مع الانقلاب على تجربة مصدّق وتحطم آمال الإيرانيين؟ هل يريد أن يقول إننا أمام إقليم يتشابك تاريخه وتتشابه أوضاعه من حيث الحضور الطاغي لرجال الدين، والفشل المزمن للدولة المدنية، والثروات النفطية والغازية الضخمة التي جعلت هذا الإقليم مطمع الدول الكبرى؟
لن نجد جواباً مباشراً في الرواية، وعلينا أن نكتشف الجواب في تضاعيف الرواية، وبين طبقات الأزمنة التي تشكّل حبكتها، حيث تتداخل في الرواية ثلاثة أزمنة سردية؛ زمن أول خاطف ينبعث من صميم أحداث «الربيع العربي»، حيث يتابع شاب عربي عاشق للتاريخ قصة الشاهنشاه الإيراني المهووس بتاريخ بلاده، ويسلط العربي اهتمامه على حركات إيران الوطنية المقاومة لخطط الغرب للهيمنة على السياسة والنفط، وكذلك حركاتها الإسلامية المقاومة لدولة الشاه العلمانية، ويُسقط كل ذلك على ما يجري في ثورات «الربيع العربي»، ويجري كل ذلك عبر التراسل مع فرح بهلوي آخر إمبراطورة إيرانية.
في الزمن الثاني، يتصدر شاه إيران وحياته مشهد الأحداث بدءاً من زيجاته المتكررة بحثاً عن ولي العهد ووارث العرش، ووصولاً إلى هوسه بالمجد الإيراني القديم وإصراره الغريب على استعادة أمجاد الآريين قبل الإسلام، الأخمينيين والساسانيين، وهو الهوس الذي بلغ أوجهه في تتويج نفسه ملكاً أسطورياً بلقب «أريامهر». وهذا هو محور الزمن الثالث في الرواية.
تتضافر هذه الأزمنة الثلاثة في صنع حبكة الرواية عبر انتقالات السرد السلسة بين أحداث «الربيع العربي» وحكاية شاه إيران وتاريخ النور الآري. كما أن الرواية تحفر عميقاً، وعلى طريقة دان براون، في رموز الدولة البهلوية المستعرضة في الدرع البهلوي، وعلمها، ونشيدها الإمبراطوري، التي تستوحي جميعها إرث إيران ما قبل الإسلام، الذي يحمل في طيّاته فخراً بالديانة الزرادشتية القديمة، الأمر الذي يخلق حساسية مع المؤسسة الدينية المحافظة. وتأخذ الرواية بعداً جديداً بالتقاء الشاب العربي بفرح ديبا بهلوي في باريس، حيث تنفتح ملفات حساسة، بعضها قديم مثل الحركة الشعوبية، والتشيع الإيراني، والآخر حديث مثل الانقلاب على مصدق، والماسونية الإيرانية، وصفقات شركات النفط المشبوهة.

* كاتب بحريني



قائمة جزئية بالفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

تيموثي شالاميه يحمل جائزة أفضل ممثل في فيلم سينمائي موسيقي أو كوميدي عن فيلم «مارتي سوبريم» (ا.ب)
تيموثي شالاميه يحمل جائزة أفضل ممثل في فيلم سينمائي موسيقي أو كوميدي عن فيلم «مارتي سوبريم» (ا.ب)
TT

قائمة جزئية بالفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

تيموثي شالاميه يحمل جائزة أفضل ممثل في فيلم سينمائي موسيقي أو كوميدي عن فيلم «مارتي سوبريم» (ا.ب)
تيموثي شالاميه يحمل جائزة أفضل ممثل في فيلم سينمائي موسيقي أو كوميدي عن فيلم «مارتي سوبريم» (ا.ب)

انطلق حفل توزيع جوائز «غولدن غلوب» في دورتها الثالثة والثمانين في بيفرلي هيلز، كاليفورنيا، وتقدمه للعام الثاني على التوالي الممثلة الكوميدية نيكي غلاسر.

الممثلة الأمريكية تايانا تايلور تحمل جائزة أفضل ممثلة مساعدة في فيلم سينمائي عن دورها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر» (ا.ف.ب)

وذهبت أول جائزة في الليلة إلى تيانا تايلور، التي فازت بجائزة أفضل ممثلة مساعدة في فيلم سينمائي عن دورها في «وان باتل أفتر أناذر»، وهو الفيلم الذي تصدر قائمة الترشيحات، بتسعة ترشيحات، يليه فيلم «سينتيمينتال فاليو» بثمانية ترشيحات.

الممثلة الكوميدية نيكي غلاسر قدمت حفل توزيع جوائز غولدن غلوب السنوي للعام الثاني على التوالي (رويترز)

ويجري بث حفل توزيع الجوائز على شبكة «سي بي إس وهو متاح للبث عبر «باراماونت بلس».

ستيلان سكارسجارد حصد جائزة أفضل ممثل مساعد في فيلم سينمائي عن فيلم «سينتيمينتال فاليو» (ا.ب)

قائمة جزئية بالفائزين:

أفضل ممثلة في فيلم سينمائي- موسيقي أو كوميدي روز بيرن، «إف آي هاد ليجز، آيد كيك يو».

أفضل ممثل في فيلم سينمائي - موسيقي أو كوميدي تيموثي شالامي، «مارتي سوبريم».

أفضل ممثلة مساعدة في فيلم سينمائي تيانا تايلور، «وان باتل أفتر أناذر».

أفضل ممثل مساعد في فيلم سينمائي ستيلان سكارسجارد، «سينتيمينتال فاليو».

أفضل سيناريو لفيلم سينمائي بول توماس أندرسون، «وان باتل أفتر أناذر».

أفضل ممثل في مسلسل تلفزيوني - دراما نوح وايلي، «ذا بيت».

أفضل ممثلة في مسلسل تلفزيوني- موسيقي أو كوميدي جين سمارت، «هاكس».

أفضل ممثل مساعد في مسلسل تلفزيوني أوين كوبر، «أدوليسنس».

أفضل ممثل في مسلسل تلفزيوني - موسيقي أو كوميدي سيث روجن، «ذا ستوديو».

أفضل بودكاست «غود هانغ ويذ إيمي بولر».

أفضل أغنية أصلية في فيلم سينمائي «غولدن» من فيلم «كيبوب ديمون هانترز».

أفضل موسيقى تصويرية أصلية في فيلم سينمائي لودفيج جورانسون، «سينرز».


مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».