لقاء «ودي» بين ترمب والبابا فرنسيس

قادة حلف الناتو قرروا الانضمام إلى التحالف الدولي ضد «داعش» نزولا عند طلب واشنطن

صورة تذكارية تجمع البابا فرنسيس والرئيس الأميركي وزوجته وابنته وزوجها (أ.ف.ب)
صورة تذكارية تجمع البابا فرنسيس والرئيس الأميركي وزوجته وابنته وزوجها (أ.ف.ب)
TT

لقاء «ودي» بين ترمب والبابا فرنسيس

صورة تذكارية تجمع البابا فرنسيس والرئيس الأميركي وزوجته وابنته وزوجها (أ.ف.ب)
صورة تذكارية تجمع البابا فرنسيس والرئيس الأميركي وزوجته وابنته وزوجها (أ.ف.ب)

دعا البابا فرنسيس الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى استخدام رئاسته لنشر السلام في العالم، فيما تبادل الرجلان ابتسامات في أول لقاء مباشر بينهما في الفاتيكان صباح أمس.
واستمر اللقاء بين ترمب والبابا (80 عاما)، الذي كان من المحطات المرتقبة في جولة ترمب الأولى خارج بلاده، أقل من 30 دقيقة، وانتهى بابتسامات على وجهي الرجلين. ولاحقا قال الرئيس عن البابا: «إنه شخص مميز... لقد عقدنا لقاء رائعا».
ووصف الفاتيكان اللقاء بين الرجلين بأنه «ودي»، مؤكداً موقفهما المشترك من الإجهاض وقلقهما المشترك بشأن المسيحيين المضطهدين في الشرق الأوسط. وقال ترمب للبابا: «أشكرك. أشكرك. لن أنسى ما قلته». وقدم البابا لترمب ميدالية محفور عليها شجرة زيتون، الرمز العالمي للسلام.
وقال باللغة الإسبانية: «أقدّم هذه لك لتكون أنت أداة سلام»، فرد ترمب: «نحتاج إلى السلام».
وفي لحظة طريفة، أشار البابا إلى وزن ترمب وسأل زوجته ميلانيا: «ماذا تطعمينه؟ بوتيتسا؟» في إشارة إلى الكعكة الغنية بالسعرات الحرارية التي تتميز بها سلوفينيا، بلد ميلانيا الأصلي، كما نقلت وكالة الصحافة العالمية.
وقدم ترمب للبابا كثيرا من الهدايا، من بينها مجموعة من الطبعات الأولى لكتب ألفها مارتن لوثر كينغ، وتمثال بروزني. أما البابا، فقدّم لترمب نسخا من النصوص المهمة الثلاثة التي نشرها أثناء توليه الباباوية، ومن بينها واحدة عن البيئة يدعو فيها الدول الصناعية إلى الحد من انبعاثات الكربون لمنع التبعات الكارثية على كوكب الأرض.
ووعد ترمب بقراءة النصوص. وكان قد هدد سابقا بتجاهل اتفاق باريس حول الانبعاثات ووصف الاحتباس الحراري العالمي بأنه خدعة.
خلال العام السابق، تبادل الرجلان الانتقادات واختلفا في قضايا من بينها الهجرة والرأسمالية وكذلك البيئة. وأكّد بيان للفاتيكان «الالتزام المشترك من أجل الحياة وحرية العبادة والضمير».
ومنذ انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني)، أجاز ترمب للشركات أن ترفض تمويل نفقات منع الحمل لموظفيها، وجمد تمويل منظمات غير حكومية دولية تؤيد الإجهاض، وعين قاضيا محافظا متشددا معروفا بمواقفه المعارضة للإجهاض في المحكمة العليا. وهذا ما يحظى بتأييد الكاثوليك المحافظين الذين يشكلون نصف الناخبين الأميركيين، إضافة إلى تأييد البابا فرنسيس. فرغم وصفه بأنه «ثوري»، يبقى البابا الأرجنتيني حارسا صارما للتقاليد في المسائل الأخلاقية، وقد عارض مؤخرا الأبحاث العلمية حول الأجنّة البشرية.
وارتدت زوجة ترمب ميلانيا وابنته إيفانكا الثياب السوداء وغطاء الرأس الأسود، تماشيا مع البروتوكول التقليدي الذي لم يعد ملزما لزائرات الفاتيكان.
وجرى اللقاء في مكتبة قصر الفاتيكان الفخم الذي لا يستخدمه البابا، وقد اختار بدلا من ذلك سكنا متواضعا في نزل لرجال الدين الزائرين. وبعد ذلك، قام ترمب بجولة خاصة في كنيسة سيستينا المزخرفة بجداريات من روائع مايكل أنجلو، وكاتدرائية القديس بطرس حيث المذبح البابوي تعلوه مظلة النحات برنيني.
واتصل ترمب بالرئيس الإيطالي، كما التقى لفترة وجيزة رئيس الوزراء باولو جنتيلوني، وقال خلال اللقاء: «لقد أحببنا إيطاليا كثيرا جدا... وتشرفنا بلقاء البابا». وزارت ميلانيا مستشفى أطفال، بينما التقت إيفانكا نساء من أفريقيا من ضحايا تهريب البشر، وذلك أثناء زيارتها إلى جمعية سانتيجيديو الكاثوليكية.
في فبراير (شباط) 2016 أثناء حملة ترمب التمهيدية للرئاسة، قال البابا ردا على سؤال، من غير أن يذكر ترمب، إن «شخصا يريد بناء جدران لا جسور ليس مسيحيا». واعتبر ترمب في حينه أنه من «المعيب» أن يقوم رجل دين «بالتشكيك في إيمان شخص»، من غير أن يتخلى عن مشروعه لبناء جدار على طول الحدود مع المكسيك.
وبهذا اللقاء في الفاتيكان، اعتبرت واشنطن أن الرئيس الأميركي اختتم جولته على «مراكز» الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى، بعد خطاب موجّه إلى العالم الإسلامي ألقاه في السعودية، ومحطة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية زار خلالها حائط المبكى في القدس.
وقال مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، الجنرال هربرت ريموند ماكماستر: «هذه الزيارة تاريخية فعلا... لم يسبق لأي رئيس أن زار مراكز الديانات اليهودية والمسيحية والمسلمة ومواقعها المقدسة في رحلة واحدة. ما يحاول الرئيس ترمب القيام به هو توحيد الشعوب من جميع الديانات حول رؤية مشتركة تقوم على السلام والتقدم والازدهار».
وحولت الجولة الأنظار عن الضغوط الداخلية التي يتعرض لها ترمب في بلاده بسبب الاتهامات الموجهة له بالتواطؤ مع روسيا. ومع وصول شعبيته إلى أدنى مستوياتها، فإن ترمب يأمل في أن يتحسن وضعه بعد أن التقى البابا الذي يحظى بشعبية واسعة.
ووصل فريق ترمب إلى بروكسل بعد ظهر أمس، لعقد اجتماعات مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، قبل أن يعود إلى إيطاليا للمشاركة في قمة مجموعة السبع التي ستعقد في صقلية يومي الجمعة والسبت.
وحطت الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في قاعدة ميلسبروك العسكرية قادمة من روما، واستقبل ملك بلجيكا فيليب وزوجته الملكة ماتيلد الرئيس الأميركي مساء، قبل عقد اجتماع عمل مع رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال.
وزيارة ترمب التي تستغرق نحو 30 ساعة في بروكسل ستتيح له الاجتماع على انفراد مع عدة قادة أوروبيين. ويلتقي صباح اليوم رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ثم يتناول الغداء مع الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون.
وبعد الظهر، يزور ترمب المقر الجديد للحلف الأطلسي في ضاحية بروكسل الشمالية؛ حيث ينتظره رؤساء الدول والحكومات الـ27 الأعضاء في الحلف، ثم تقام مأدبة عشاء. وبعد انتقادات ترمب المتكررة للحلف الذي اعتبر أنه هيئة «عفا عليها الزمن» يترقب أعضاء الحلف هذه القمة؛ لأنها ستكون مناسبة يؤكد خلالها الرئيس الأميركي التزام بلاده الثابت لضمان الأمن الأوروبي والأطلسي.
على صعيد متصل، صرح مصدر دبلوماسي، أمس، بأن حلف شمال الأطلسي سينضم إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، في تلبية لدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف بأن يزيد من دوره في محاربة التنظيم المتطرف.
وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن «سفراء الدول الأعضاء في الحلف اتخذوا القرار للتو... ولكن لا يزال يتعين أن يصادق قادة دول الحلف على القرار رسمياً غداً».
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» من داخل مقر الحلف الأطلسي، قال رادوفان جافوشيك، سفير سلوفاكيا لدى مقر الناتو، إن «لقاءات القمة ستكون مهمة، فهي أول مشاركة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وستكون فرصة جيدة لتوجيه رسالة تعبر عن وحدة الصف في الحلف». وتابع أن الدول الأعضاء جاهزة للتعاون والشراكة، وأعتقد أن التركيز في القمة سيكون على القضايا الداخلية للحلف، إلى جانب بحث ما يحدث في محيط الحلف، كالوضع في أوكرانيا ومنطقة جنوب المتوسط، لافتاً إلى أن القمة «فرصة لإثبات اهتمامنا للدول الجارة والصديقة». وحول مكافحة الإرهاب، قال السفير السلوفاكي إنه سبق أن «أعلن الناتو أنه يساهم بشكل غير مباشر في التحالف الدولي عبر مشاركة عدد من الدول الأعضاء في الحلف ضمن التحالف الدولي ضد (داعش)، كما سبق أن أعلن الناتو عن دعمه لمهمة التحالف الدولي».
واستعدت بروكسل للقمة بتكثيف الإجراءات الأمنية بالقرب من مقر الناتو، وفي محيط مقار مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث سيلتقي الرئيس ترمب مع قياداتها.
ومن وجهة نظر كثير من المراقبين، فإن تقوية العلاقات بين الجانبين الأوروبي والأميركي سيكون له انعكاس إيجابي على تعزيز الروابط بين دول الناتو. وخلال مؤتمر صحافي بمقر الحلف الأطلسي في بروكسل عشية انعقاد قمة قادة الحلف، قال ستولتنبرغ إنها قمة قصيرة ولكن ستكون مكثفة ومهمة.
ومن المقرر أن يناقش زعماء الحلف موضوعين رئيسيين هما كيفية تعزيز المساهمة في عمل التحالف الدولي ضد «داعش»، واستعراض الجهود المبذولة من قبل الدول الأعضاء لزيادة موازناتها واستثماراتها الدفاعية والعسكرية لتصل إلى 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
ورداً على سؤال يتعلق بموضوع التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وما إذا كان الأمر سيؤثر على تبادل المعلومات الاستخباراتية، اعتبر ستولتنبرغ أن الأمر يتعلق بشأن داخلي أميركي، معلناً «استمرار الحلف في تبادل المعلومات مع واشنطن».
على صعيد متصل، يترقب قادة مجموعة السبع، الجمعة، في تاورمينا بصقلية موقف الرئيس الأميركي من اتفاق باريس حول المناخ.
ويتساءل قادة مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي ما إذا كان ترمب سينسحب فعلا من اتفاق باريس للتغير المناخي، الذي تعد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أبرز داعميه بشأن الحد من انبعاثات الغازات السامة. وقالت الثلاثاء، في إشارة واضحة إلى ترمب الذي كان اعتبر أن التغير المناخي «خدعة» صينية: «لا أزال أحاول إقناع المشككين» بخطورة هذه المسألة.
ويرجح أن تركز جهود إبقاء الولايات المتحدة في اتفاقية باريس على إقناعه بأن الطاقة المتجددة قادرة على التوافق مع أجندته الداعمة للنمو الاقتصادي، بدلا من التعامل مع شكوكه حيال المسألة بشكل مباشر.
وكان ترمب أعلن أنه لن يتخذ أي قرار بشأن التغير المناخي إلى حين ما بعد قمة مجموعة السبع.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.