قواعد أوروبية لتنظيم عمل 40 ألف شركة أمن خاصة ضمن مشاركتها في مكافحة الإرهاب

دول أعضاء تعتمد على عناصرها في مواجهة التهديدات

شركات الأمن الخاصة تتنامى في أوروبا («الشرق الأوسط»)
شركات الأمن الخاصة تتنامى في أوروبا («الشرق الأوسط»)
TT

قواعد أوروبية لتنظيم عمل 40 ألف شركة أمن خاصة ضمن مشاركتها في مكافحة الإرهاب

شركات الأمن الخاصة تتنامى في أوروبا («الشرق الأوسط»)
شركات الأمن الخاصة تتنامى في أوروبا («الشرق الأوسط»)

يجب على شركات الأمن الخاصة، احترام الحد الأدنى من متطلبات المساءلة، وفحص الموظفين، والإبلاغ عن سوء السلوك، والبقاء بعيدا عن المهام القتالية، هذا ما أكد عليه أعضاء البرلمان الأوروبي في لجنة الشؤون الخارجية، واللجنة الفرعية المكلفة بملف الأمن والدفاع.
وقال البرلمان الأوروبي في بروكسل أمس، إن اجتماع أعضاء اللجنة، انتهى إلى قرار، يتضمن دعوة إلى وضع قواعد على نطاق الاتحاد الأوروبي بشأن شركات الأمن الخاصة، ويجب أن يقتصر استخدام عناصر شركات القطاع الخاص على الدعم اللوجيستي وحماية المنشآت، واقترح الأعضاء وضع قائمة مفتوحة للشركات الخاصة التي تمتثل لمعايير الاتحاد الأوروبي بشأن الشفافية، والسجلات الجنائية، والقدرة المالية والتراخيص، والتحقق الصارم من الموظفين بالالتزام بمدونة السلوك الدولية، كما يمكن أن يتبع ذلك قواعد خاصة لمؤسسات الاتحاد الأوروبي التي تستخدم شركات أمن خاصة لحماية موظفيها على غرار ممارسات الأمم المتحدة وحلف الناتو.
وقال البرلماني هيلد فوتمانز إن 70 في المائة من مواطني الاتحاد يرون أن الأمن والدفاع يجب أن يكونا أولوية للاتحاد الأوروبي ولا بد من معايير أوروبية للشركات الأمن الخاصة لتعزيز الشفافية والرقابة الديمقراطية.
وجرى الموافقة في تصويت على نتائج الاجتماع بموافقة 50 صوتا ورفض 6 نواب وامتناع واحد فقط عن التصويت، على أن يطرح الأمر على جلسة عامة للبرلمان في الشهر المقبل.
وحسب مصادر رسمية في البرلمان الأوروبي هناك 40 ألف شركة خاصة للأمن يعمل فيها واحد ونصف مليون شخص، ويقدمون خدمات تتراوح ما بين الدعم اللوجيستي في إدارة السجون، أو توفير الحماية وحراسة الوفود والبعثات الأوروبية في دول أخرى. وفي الوقت نفسه أشار البرلمان الأوروبي إلى أن بعض الشركات الأمنية الخاصة التي تستخدمها الدول الأعضاء لتجنب القيود المفروضة على استخدام القوات العسكرية، تواجه اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان بل وتسببت في بعض الإصابات وقد كشف ذلك عن ثغرات في المساءلة مما يشكل تهديدا لأهداف السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وأوضح البرلمان الأوروبي أنه يجري العمل حاليا في مجال تنظيم شركات الأمن الخاصة في كثير من المحافل الدولية، بهدف تحديد كيفية تطبيق القانون الدولي على الشركات الخاصة بالأمن، ومدونة قواعد السلوك الدولية لمقدمي خدمات الأمن الخاص.
ولا يوجد لدى الاتحاد الأوروبي قواعد موحدة بشأن شركات الأمن الخاصة في حين أن ممارسات الدول الأعضاء بشأن استخدام هذه الشركات تختلف اختلافا كبيرا.
وفي أواخر العام الماضي قال وزير الداخلية البلجيكية جان جامبون، إن حراس الأمن في البلاد سيكون مسموحا لهم في القريب ممارسة بعض مهام الشرطة، ومنها المشاركة في عمليات توقيف الأشخاص للتأكد من هويتهم أو تفتيش حقائبهم، وأيضا للتأكد من حمل بعض الأشخاص لأي نوع من الأسلحة، وذلك في إطار قواعد جديدة تتعلق بقانون عمل شركات الأمن الخاصة، وأقرتها الحكومة، وكانت نقاشات قد جرت في برلمان بروكسل حول كيفية إيجاد حلول لمواجهة التخفيف من أعباء رجال الشرطة في أعقاب تفجيرات بروكسل التي وقعت في مارس (آذار) من العام الماضي وأسفرت عن مقتل 32 شخصا وإصابة 300 آخرين واستهدفت مطار ومحطة للقطارات الداخلية في العاصمة البلجيكية.
وأوضح وزير الداخلية البلجيكي في تصريحات نشرتها وسائل الإعلام وقتها أن القواعد الجديدة بشأن عمل شركات الأمن الخاص لن يكون الغرض منها تحقيق وفورات في عمل الشرطة وإنما ستساهم في زيادة عمليات التأمين ولن يتراجع دور الشرطة بل على العكس سوف يزداد الجهد الذي تبذله حاليا، منوها إلى أن القاعدة الأساسية هي أن القطاع الخاص سيتم استخدامه في قطاع الأمن ولكن القبض على الأشخاص أو تفريغ وتحليل محتويات كاميرات المراقبة ستظل حكرا على أفراد الشرطة فقط، وأضاف أن حراس الأمن سيكون مسموحا لهم تولي بعض مهام رجال الشرطة مثل المشاركة في تفتيش بعض المباني بغرض البحث عن أشياء مشبوهة أو أسلحة أو متفجرات أو مواد خطرة أخرى ولكن لن يشاركوا في عمليات المداهمة لاعتقال المطلوبين أمنيا.
ولمح الوزير إلى إمكانية أن يشارك حراس الأمن في بعض المهام منها مثلا تفتيش السيارات أو التحري من هوية الأشخاص أو تفتيش الحقائب في المناطق غير المسموح الدخول فيها للمواطنين العاديين كما سيسمح لرجل الأمن بحمل السلاح في بعض المناطق إذا جرى تكليف البعض منهم بمراقبة منطقة قريبة من السفارات أو المراكز الحيوية أو تفتيش الأمتعة والسيارات قبل الوصول إلى مناطق بالقرب من أماكن عسكرية أو محطات نووية وغيرها، ولكن إذا استدعى الأمر إلقاء القبض على أحد، لن يتولى حراس الأمن هذه المهمة بل سيتصلون برجال الشرطة على الفور، وخلص الوزير إلى أن القواعد الجديدة ترمى إلى التخفيف من الأعباء التي يتحملها رجال الشرطة. ورحبت رابطة مديري مؤسسات الأمن الخاصة بهذا الأمر، واعتبرتها خطوة على طريق تحسين متكامل للأمن وحسب ما جاء على لسان مسؤول الرابطة داني فان دورمال الذي أضاف أن المهنية العالية في العمل الأمني أظهرت أن شركات الأمن أصبحت شريكا موثوقا به في العمل الأمني، واعترفت الحكومة أخيرا بذلك بينما كانت القواعد القديمة في القانون المعمول به حاليا الذي صدر في عام 1990 تشير إلى وجود بعض الشكوك بشأن قدرة عمل شركات الأمن الخاصة. وكانت وسائل إعلام محلية قد نشرت بعض التفاصيل في خطة وزير الداخلية بالنسبة لقطاع حراس الأمن وقالت إنها تتضمن سلسلة من التغييرات بالنسبة للحراس الأمنيين. وأضافت أنه وبدءاً بتدريب هؤلاء الحراس الأمنيين، فسيكون أكثر مراقبة وأكثر دقة.
وسيصبح الولوج إلى المهنة أكثر صرامة. ويتعين على شركات الحراسة الأمنية أن تصبح أكثر انتقائية بالنسبة للمترشحين لديها... وبالتالي سيكون باستطاعة الحراس الأمنيين منع دخول الأشخاص في بعض الأماكن. ولكن ليس هذا كل شيء، إذ سيكون لديهم إمكانية إجراء عمليات مراقبة للهويات. ولا مجال هنا لمنحهم هذه السلطة في كل الحالات. وإنما يعتمد ذلك مرة أخرى على مستوى التهديد المتعلق بحدث ما أو بالسياق الإرهابي. وهناك جانب مهم آخر لهذا الإصلاح، وهو تسليح الحراس الأمنيين. إذ سيكون باستطاعتهم حمل السلاح في المناطق العسكرية وفي البرلمان الأوروبي، وكذلك في السفارات.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...