الأمير محمد بن سلمان: لن ننتظر حتى تصبح المعركة مع إيران في السعودية

قال: لن ينجو متورط في الفساد وزيراً كان أو أميراً

الأمير محمد بن سلمان خلال المقابلة  أمس
الأمير محمد بن سلمان خلال المقابلة أمس
TT

الأمير محمد بن سلمان: لن ننتظر حتى تصبح المعركة مع إيران في السعودية

الأمير محمد بن سلمان خلال المقابلة  أمس
الأمير محمد بن سلمان خلال المقابلة أمس

أكد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي ولي العهد السعودي النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، أن حكومة بلاده {تسابق الزمن لتحقيق رؤية المملكة 2030}، مشيراً إلى أن 12 برنامجاً تتضمنها الرؤية قُسمت على ثلاث مراحل {ببرامج تنفيذية وأهداف واضحة}. وأعلن عن خطط لطرح مئات آلاف الوحدات السكنية بشروط ميسرة، كما كشف أن صندوق الاستثمارات السيادية سيضخ 500 مليار ريال على ثلاث سنوات في المملكة، بعد إتمام طرح أسهم شركة {أرامكو} النفطية العام المقبل. وتوعد بملاحقة المتورطين في قضايا الفساد، مؤكداً أنه «لن ينجو متورط، وزيراً كان أو أميراً».
وشدد على عدم وجود نقاط للتفاهم مع النظام الإيراني القائم على {ايديولوجية متطرفة، منصوص عليها في دستوره ووصية الخميني، بأنه يجب السيطرة على مسلمي العالم الإسلامي... نحن الهدف الرئيسي للنظام الإيراني، وهو الوصول إلى قبلة المسلمين، ولن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل نعمل على أن تكون المعركة لديهم في إيران}.
ورأى أن {الحل في سوريا معقد جداً}، والرئيس الأميركي السابق باراك أوباما {أضاع الكثير من الفرص المهمة التي كان يمكن أن تحدث تغيراً كبيراً جداً}. أما اليوم فسوريا {أصبحت قضية دولية... والدول الخمس الكبرى كلها موجودة هناك، وأي احتكاك بين هذه الدول الكبرى سيحدث أزمة أكبر بكثير من أزمة الشرق الأوسط. الوضع معقد جداً، ونحاول الخروج بأكبر قدر من المكاسب للمصالح السعودية أو لمصالح الشعب السوري أو دول المنطقة}.
ولفت إلى أن الحرب في اليمن {ليست خياراً بالنسبة إلى السعودية، بل كانت أمراً لا بد منه، وإلا كان هناك سيناريو أسوأ من ذلك}. وأضاف أن {ليس هناك من يريد الاستمرار في الحرب}، لكن {لو انتظرنا قليلاً، لأصبح الوضع أكثر تعقيداً، وكذلك الخطر على الأراضي السعودية ودول المنطقة والمعابر الدولية}. وأضاف أن القوات المسلحة السعودية {حققت إنجازاً كبيراً جداً، فعندما بدأت العمليات في اليمن كانت سيطرة الشرعية اليمنية على أراضيها صفر في المائة، أما اليوم فالشرعية تسيطر على ما بين 80 و85 في المائة من الأراضي اليمنية}.
ونفى ما يشاع عن خلافات بين السعودية والإمارات في اليمن، معتبراً أن ما يتردد {مجرد إشاعات، والأعداء يريدون خلق أكبر قدر ممكن من الإشاعات بين الحلفاء}. كما شدد على أن العلاقة بين السعودية ومصر {قوية وصلبة في أعمق جذورها... ولا تتأثر بأي شكل من الأشكال، وتاريخ السعودية ومصر دائماً هو الوقوف مع بعضهما بعضاً في كل الظروف والأشكال والأوقات، ولم يتغير}. ولفت إلى أن {العمل بدأ على مشروع الجسر بين السعودية ومصر في المكاتب وليس أمام الإعلام}، مؤكداً عدم وجود أي مشكلة بخصوص جزيرتي تيران وصنافير، {والجزر مسجلة عند مصر بأنها جزر سعودية، ومسجلة في المراكز الدولية بأنها سعودية، ولم تتنازل مصر عن أي شبر من أراضيها، أو تتنازل السعودية عن أي شبر من أراضيها}.
وقال الأمير محمد بن سلمان في الحوار، إن «القوات المسلحة السعودية حققت إنجازاً كبيراً جداً، فعندما بدأت العمليات في اليمن كانت سيطرة الشرعية اليمنية على أراضيها صفر بالمائة، أما اليوم فالشرعية تسيطر على ما بين 80 و85 بالمائة من الأراضي اليمنية، في حين أن تحالف 60 دولة بقيادة الولايات المتحدة في العراق وسوريا لمحاربة (داعش) منذ 2014 لم ينهِ الوضع حتى اليوم، أما التحالف العربي المكون من 10 دول في المنطقة، فاستطاع أن يحقق إنجازاً ضخماً في وقت أقصر من وقت حرب العمليات في العراق وسوريا».
وحول انتقال الحكومة الشرعية من مقرها المؤقت بالرياض، إلى اليمن، أوضح الأمير محمد بن سلمان أن «السلطة الشرعية دائماً تنتقل بين عدن والسعودية، وكانت فترة طويلة في عدن، وهناك تفادٍ أن يكون الرئيس اليمني ونائبه متواجدين هناك، كي يخفف خطر تصفية الشرعية اليمنية».
وشدد على أن ما يشاع عن خلافات بين السعودية والإمارات حول جماعة «الإصلاح» اليمنية ودورها في الحرب، «مجرد إشاعات، والأعداء يريدون خلق أكبر قدر ممكن من الشائعات بين الحلفاء».
ورداً على سؤال حول أن المناطق التي تحت سيطرة الحوثي مثل صنعاء أكثر أمناً واستقراراً من المناطق التي تحت سلطة الشرعية في تعز وعدن، أجاب الأمير محمد بن سلمان: «أريد مصدر معلوماتك، لأني أشك في هذه المعلومة».
وفي ما يتعلق بأن المعلومات الاستخباراتية غير فعّالة عند التحالف بدليل أن الحوثي وصالح لديهم مخزون أسلحة، قال الأمير محمد بن سلمان: «نستطيع اجتثاث الحوثي وصالح في أيام قليلة، نستطيع حشد القوات البرية لوحدها، وفي أيام قليلة نجتث الـ15 بالمائة من المناطق المتبقية تحت سيطرة الحوثي وصالح، إلا أن هذا ستكون نتيجته ضحايا بين قواتنا، ونفتح عزاء في كل مدينة سعودية، وضحايا مدنيين يمنيين بشكل عال جداً، ولذلك، النفس الطويل من صالحنا، إذ لدينا الإمداد والمعنويات العالية».
وبخصوص مقترحات متكررة من المخلوع علي صالح، وما إذا كانت سبيلاً لعزل الحوثي، أكد ولي ولي العهد السعودي أن علي صالح لديه خلاف كبير جداً من الحوثي. وتابع: «نعرف اليوم أنه (صالح) تحت سيطرة وحراسة الحوثي، وفي حال لم يكن تحت سيطرة الحوثي، فسيكون موقفه مختلفاً تماماً عن موقفه اليوم، صالح لو خرج من صنعاء إلى أي منطقة أخرى، فسيكون موقفه مختلفاً تماماً عن موقفه اليوم».
وأشار إلى محاولات سياسية قبل بدء «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، لتجنب الحرب، وأنه حصل نقاش في تلك الفترة بشرط ألا يقتربوا من عدن، لأن الأمر سيكون صعباً جداً لأي محادثات سياسية والحوثي يتمدد في اليمن في الوقت ذاته، «لكن للأسف لم يحصل الشيء المأمول، ما اضطرنا إلى الدخول في العمليات».
وعن سبب عدم فتح خط مع القوى غير المحسوبة على الشرعية أو على الانقلابيين في اليمن، أجاب الأمير محمد بن سلمان: «جميع الخطوط مفتوحة في اليمن، سواء القوى المحسوبة على الشرعية أو على علي عبد الله صالح، وكل يوم يتم استقطاب المزيد، والقبائل اليمنية التي قابلتها خلال الفترة الماضية في اللقاء الأخير، وجدت منهم الحماس العالي، وأنهم يكنون الكره لجماعات الحوثي، ويريدون التخلص منها بأسرع وقت، للتفرغ لبرامج تنمية اليمن».
وحول وسائل الإعلام المصرية التي تنتقد العلاقة بين السعودية ومصر، قال الأمير محمد بن سلمان: «تقصد الإعلام الإخونجي المصري، الإعلام في مصر الذي ينتقد العلاقة ما بين الرياض والقاهرة، هو الإعلام ذاته الذي ينتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي»، مشدداً على أن العلاقة السعودية - المصرية «قوية وصلبة في أعمق جذور العلاقات بين البلدين، ولا تتأثر بأي شكل من الأشكال، وتاريخ السعودية ومصر دائماً هو الوقوف مع بعضهما في كل الظروف والأشكال والأوقات، ولم يتغير، ولم يصدر أي موقف من الحكومة المصرية تجاه السعودية، والعكس صحيح، ولم يتأخر البلدان عن بعضهما في المساعدة، وهذه قناعة راسخة، وأعداء السعودية ومصر يحاولون خلق الإشاعات بشكل أو بآخر، سواء من الدعاية الإيرانية أو الإخونجية لإحداث شرخ في العلاقة بين القيادتين».
ولفت إلى أن العمل بدأ على مشروع الجسر بين السعودية ومصر في المكاتب وليس ظاهراً أمام الإعلام، وأنه سيعلن عنه في وقت حفل وضع حجر الأساس قبل عام 2020.
وتطرق إلى عدم وجود أي مشكلة بخصوص جزيرتي تيران وصنافير، لافتاً إلى أن الذي حدث قبل سنة هو ترسيم الحدود البحرية، وأن الجزر مسجلة عند مصر بأنها جزر سعودية، وأنها مسجلة في المراكز الدولية، وأنه لم تتنازل مصر عن أي شبر من أراضيها، أو تتنازل السعودية عن أي شبر من أراضيها، وأن ترسيم الحدود كان بسبب المنافع الاقتصادية التي يمكن أن تخلق بعد ترسيم الحدود، وعلى رأسها «جسر الملك سلمان»، وإمدادات النفط والغاز والطاقة والقطار والنقل، وما سوف يستهدف الميناء الذي يوضع في شمال سيناء وصادرات دول الخليج إلى أوروبا.
وأشار إلى عدم وجود نقاط للتفاهم مع النظام الإيراني. وتابع: «كيف تريد أن أتفاهم مع شخص أو نظام لديه قناعة راسخة بأنه نظامه قائم على آيديولوجية متطرفة، منصوص عليها في دستوره ووصية الخميني، بأنه يجب السيطرة على مسلمي العالم الإسلامي ونشر المذهب الجعفري والإثني عشري الخاص بهم في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى يظهر المهدي المنتظر؟».
وأضاف: «حينما تكون هناك مشاكل مع دولة أخرى، نعمل على حلها من الجوانب الاقتصادية والسياسية، لكن إيران كيف تريد أن نتفاهم معها؟ منطقهم أن المهدي المنتظر سيأتي، ويجب تحضير البيئة الخصبة لوصوله، وأن يسيطروا على العالم الإسلامي»، لافتاً إلى أن النظام الإيراني حرم شعبه لأكثر من 30 عاماً من التنمية، وأدخله في مرحلة الجوع والبنية التحتية السيئة، لتحقيق هدفه، وأنه لن يغير هدفه بين يوم وليلة، وإلا انتهت شرعيته داخل إيران.
وشدد على أنه «ليس هناك نقاط للتفاهم مع النظام الإيراني، إذ تم تجربة هذا النظام في أكثر من مرحلة في وقت رفسنجاني واتضح أنها تمثيليات، بعد ثورة الخميني تأتي استراتيجية التوسع حتى يغضب العالم، ويحرجوا قائد السلم، حتى يكسب ثقة العالم، والسعودية من ضمنه، وكسب ثقتنا وبعد وصوله إلى بيئة جيدة، يتم إيصال قائد متطرف كي يستمر في عملية التوسع مثلما رأينا مع الرئيس السابق أحمدي نجاد في العراق وسوريا، هذا انتهى، المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ونحن الهدف الرئيسي للنظام الإيراني وهو الوصول إلى قبلة المسلمين، لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية بل نعمل على أن تكون المعركة لديهم في إيران وليس في السعودية».
وذكر الأمير محمد بن سلمان أن «الحل في سوريا معقد جداً، والرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، أضاع كثيرا من الفرص المهمة التي كانت تحدث تغيراً كبيراً جداً في سوريا، أما اليوم فسوريا أصبحت قضية دولية، وروسيا دولة عظمى أيضاً في سوريا، والدول الخمس الكبرى كلها موجودة هناك، وأي احتكاك بين هذه الدول الكبرى سيحدث أزمة أكبر بكثير من أزمة الشرق الأوسط، فالوضع معقد جداً، ونحن اليوم نحاول الخروج بأكبر قدر من المكاسب، للمصالح السعودية أو لمصالح الشعب السوري أو دول المنطقة».
وحول «برنامج التحول الوطني» وإن كان الهدف منه تطوير أداء الأجهزة الحكومية، أجاب بأنه «لهذا دخل في مؤشرات وأهداف في 24 جهة حكومية»، وقال: «سوف تُطلق الدفعة الثانية في الفترة القريبة أو الأسابيع القريبة المقبلة، وسوف تُضاف لها العديد من الجهات الأخرى التي لم تكن مشمولة في الـ24 جهة التي في برنامج التحول الوطني».
وأوضح مجيباً على سؤال حول مرور عام على «رؤية 2030» وكيف يرى تأثيرها على النمو والبطالة والدخل غير النفطي:«أعتقد أنها حققت إنجازات كثيرة جداً»، مشدداً على أن «نسبة العجز كانت أقل مما توقعه جميع المحللين سواءً في الداخل أو الخارج لعام 2015 ولعام 2016 وأيضاً لميزانية 2017».
وتناول ولي ولي العهد موضوع البطالة، وأشار إلى أن هدف «الرؤية 2030» «أن نصل إلى معدل بطالة 7 في المائة في السعودية، وبلا شك هذه البرامج سوف تجعلنا في رقم أفضل من الذي نحن فيه اليوم في 2020».
وحول أسباب إيقاف البدلات، ولماذا أعيدت، قال: «لو نلاحظ في قرار إيقاف البدلات أنه كان مؤقتا، وأنه في القرار نفسه يوجد نص يذكر أن القرارات تراجع بشكل دوري، وتمت مراجعتها بالشكل المناسب بعد ما تحسنت إيراداتنا النفطية».
وحول رده على بعض وسائل الإعلام الغربية، بأن القرار جاء بضغوط شعبية، قال نافياً: «كلام غير صحيح، العجز انخفض في الربع الأول 44 في المائة، وهذا ما يثبت حقيقة كلامنا، فالعجز ينخفض عن الذي نتوقعه، فلماذا نستمر بإجراءات تقشفية».
وعن أبرز الخطوات التي حققت تعويضاً في عجز الموازنة، أورد ثلاث خطوات: الإيرادات النفطية أهم عامل، وسبب رئيسي فيه اتفاقية النفط، والإيرادات غير النفطية، فهناك بعض الإجراءات التي اتخذت في السنتين الماضيتين، وعوائد صندوق الاستثمارات العامة، وقال: «لأول مرة صندوق الاستثمارات العامة يدخل لخزينة الدولة عشرات المليارات سنوياً، هي أعوام 2015 و2016 وعام 2017... وفي ازدياد».
وحول إذا ما انخفض سعر النفط دون حاجز الثلاثين دولارا، وهل هناك عودة للتقشف وشد الحزام إذا انخفض إلى هذا الحاجز، قال: «نتوقع ألا يكون الربع الثاني والثالث والرابع فيها عجز منخفض عن المتوقع 44 في المائة لأننا عدنا وأنفقنا من جديد»، وأضاف: «بلا شك إذا مررنا بمرحلة حرجة فسوف نرجع لإجراءات التقشف لكن الذي نعمل عليه اليوم والمبادرات الموجودة اليوم سوف تجعلنا أقوى في تلقي الصدمات، وإذا نجحت مبادراتنا فسوف نحتاج إلى أسعار نفط أقل من خمسين دولاراً، فهذا يجعلنا نتلقى صدمات قوية جداً دون أن نتخذ إجراءات فيها ربط حزام».
وقال رداً على سؤال حول حساب المواطن بأنه لن يكتمل بعد عودة البدلات: «حساب المواطن الموحد هو لتعويض المواطن عن أي ارتفاع في أسعار الطاقة أو المياه أو ما شابهها؛ حيث إنه لا يتأثر المواطنون من أصحاب الدخل المتوسط وأقل ويكون الأثر على الأجنبي أو المواطن الغني»، وأضاف: «اليوم نريد أن نعيد توجيه الدعم بحيث يكون موجها بشكل مادي للمواطن، ويستطيع أن يقرر أصحاب الدخل المتوسط أو الدخل المحدود بأن ينفق المبلغ الذي أتاه في الإنفاق نفسه الذي كان ينفقه في السابق، وهو: الطاقة أو المياه أو البنزين أو غيرها من السلع، أو يخفض استهلاكه وينفق هذا المبلغ في شيء آخر».
وعن تسجيل 12 مليون مواطن تقريباً معلوماتهم، قال: «نعتقد أن الذين يستحقون الدعم أقل من عشرة ملايين بقليل، أو يقاربون العشرة ملايين، وتعمل الجهات المختصة على تحديد الشكل النهائي»، وأضاف: «نحن نحاول أن نكون كرماء قدر الإمكان، ونحاول أن نشمل أكبر فئات ممكنة حتى لو كانت فوق المتوسط بشكل بسيط بحيث يكون له أثر قوي على المواطن السعودي».
وعن توقعه عن الزيادة في الدين العام في عامي 2017 - 2018، قال: «الدين العام كما أُعلن في برنامج التوازن المالي لن يفوق الـ 30 في المائة، ونحن نستهدف دينا عاما على الـ(GDB 30) في المائة ، وإلى الآن لم نصل إلى 30 في المائة، توجد توقعات أنه حتى في عام 2020 نكون أقل من 30 في المائة، الدين العام 30 في المائة لا يعني مشكلة، دول العالم كلها لديها الناتج الإجمالي المحلي في بعضها يصل إلى 50 في المائة، وبعضها يصل إلى 60 المائة، وبعضها يصل إلى 200 في المائة ومن ضمنها دول من G20، فلو ننظر إلى الدول الكبرى، الاقتصاديات الكبرى الخمسة نجد الدين العام فيها يفوق الـ 30 في المائة، صحياً أن يكون الاقتصاد السعودي فيه نسبة دين، ومعناه أن يوجد لدينا فرص برامج تنموية ننفق عليها أموال، نحن لدينا خياران، أن ننفق ونستمر في التنمية وفي خلق الوظائف وفي خلق الفرص وفي خلق فرص القطاع الخاص، أو نتوقف عن الإنفاق، نسبة انخفاض الدين العام لدينا بشكل بسيط جداً، وهذا يعطينا ميزة نسبية بأن نستطيع أن نرتفع إلى المعدلات الدولية ونستمر في الإنفاق».
وعن رؤيته لمستقبل صندوق الاستثمارات العامة خلال الثلاث سنوات المقبلة، قال: «صندوق الاستثمارات العامة هو أحد أهم ركائز (رؤية 2030)، عندنا فرص عدة لتنمية حجم صندوق الاستثمارات العامة، أولاً عبر الأصول غير المستغلة، وتم إدخال أصول كثيرة جداً لصندوق الاستثمارات العامة، وهذه سوف تنعكس على حجم الصندوق وعلى أرباحه. وثانياً: سمعنا أن بعض الاحتياطيات التي لا تحتاجها مالية الدولة حولت لصندوق الاستثمارات العامة، مائة مليار ريال يمكن قبل بضعة أشهر، أيضاً هناك إعادة لهيكلة شركات صندوق الاستثمارات العامة حيث إن أداءها ونموها وأرباحها تكون أفضل من السابق، كل هذه سترفع من حجم صندوق الاستثمارات العامة، وعلى رأس هذا يأتي طرح شركة (أرامكو السعودية)».
وأضاف أن برامج الرؤية «ستحفز عمل القطاع الخاص بشكل قوي جداً، وستزيد المبيعات للقطاع الخاص بشكل قوي جداً، إذا انفقت مئات المليارات في فترة قصيرة من الزمن، هذه بلاشك سيكون أثرها إيجابياً جداً على القطاع الخاص. أضرب لك مثالاً. في السابق كنا نعتمد على الإنفاق الرأسمالي الحكومي فقط، اليوم سيكون عندنا في السنوات المقبلة إنفاق رأسمالي حكومي مرتفع، هذا أولاً. ثانياً: سيكون هناك إنفاق من الاحتياطيات التي ذكرت في برنامج التوازن المالي، 200 مليار ريال لتنمية القطاع الخاص، هذا إنفاق غير الإنفاق الرأسمالي الذي تعودنا عليه. ثالثاً، وهو مهم، صندوق الاستثمارات العامة سينفق داخل السعودية بعد طرح أرامكو ما يزيد على 500 مليار ريال سعودي، فقط في 3 سنوات. لك أن تتخيل هذا الإنفاق في الصناعة العسكرية أو في صناعة السيارات أو صناعة الترفيه أو صناعة السياحة أو غيرها من الصناعات، ما هو أثره على جميع القطاع الخاص. وهذا سيحفز وبشكل قوي جداً مبيعاتهم في كل القطاعات، سواءً في التجزئة أو النقل أو قطاع الخدمات إلى أخره».
ورأى أن الطرح سيساعد الصندوق في استهداف قطاعات كثيرة داخل السعودية وخارجها، ومن أهمها قطاع التعدين، «وبحسب مسح السبعينات الذي أعيدت دراسته في السنة الماضية، أعتقد أن هناك فرصا في التعدين بحجم تريليون و300 مليار دولار، حجم قيمة المعادن الموجودة في السعودية، فقط الذهب منها يزيد على 240 مليار دولار أميركي، فهذا يحتاج إلى استثمار ضخم جداً، ودائماً المستثمر الأجنبي والمحلي من الصعب أن يخاطر في قطاع جديد مثل التعدين، وهنا يجب أن يكون الاستثمار من خلال صندوق الاستثمارات العامة، وسيوفر جزء من السيولة من أرامكو القدرة للصندوق على أن يستثمر في هذا القطاع الجديد الذي لم يستغل إلى اليوم سوى أقل فقط من 3 في المائة، وعندنا هدف آخر مهم جدا وهو هدف المحتوى المحلي».
واستطرد: «اليوم حجم مشتريات السعودية، خارج السعودية، على بضائع أو سلع أو أنشطة، أو إلى آخره، يصل إلى 230 مليار دولار أميركي، والهدف حسب (رؤية المملكة 2030) أن يكون نصف هذا الإنفاق داخل المملكة. وعندما نأخذ أهم بنود المحتوى المحلي، 230 مليار دولار، فأهم بند هو التصنيع العسكري، الذي يتراوح بين 50 و70 مليار دولار سنوياً، يزيد أحياناً ويقل أحياناً، فنحن ثالث أكبر بلد في العالم ينفق على التسليح العسكري (99 في المائة منه خارج المملكة)، وهذه فرصة ضخمة جداً لخلق صناعات كبيرة داخل المملكة، وخلق وظائف، وخلق تنمية، وما يميّز هذا الأمر أن القرار بيد الحكومة 100 في المائة، فالحكومة اليوم اتخذت قراراً تشترط فيه ربط أي صناعة لها بمحتوى محلي، بمعنى: أنا لا أشتري منك إلا إن كنت تعطيني محتوى محلياً، وهناك أنواع للصناعات: صناعات التقنية، وهي ليست عالية الحساسية. وفي هذه الحالة، الدول الأخرى لا يكون عندها حرج من أنها تنقل لك 100 في المائة داخل السعودية، مثل السلاح الخفيف، أو الذخائر، أو ما يندرج تحتها، أو قطع الغيار، أو الهياكل، إلى آخره. ويوجد صناعات تكون التقنية فيها متوسطة، فبعض الدول يصبح لديها حساسية معينة، فنحاول أن نخرج من الصفقة بنسبة معينة للمحتوى المحلي، وأحياناً ننجح في أن نصل إلى 70 في المائة للمحتوى المحلي، وأحيانا 50 في المائة، وأحيانا 20 في المائة. كما يوجد صناعات معقدة ترفض الدول أن تنقل فيها التقنية إلى السعودية، وهنا نشترط أن المواد الرئيسية تكون من خلال السعودية، فيكون الأثر بشكل غير مباشر على المحتوى المحلي داخل السعودية، لكن الشرط الموجود لدى الجهات المختصة في السعودية اليوم أنه لا صفقة سلاح من دون محتوى محلي، الهدف منه نقل الصناعة 100 في المائة، وإن لم ننجح، فلا بد أن ننتهي في آخر المطاف في 2030 على 50 في المائة محتوى محلي، ومعنى ذلك أن من 50 في المائة (70 مليار دولار)، مشيراً إلى أنه هنالك مجموعة من صفقات التسليح ستعلن في الفترة المقبلة.
وأضاف أن ثاني بند هو صناعة السيارات، حيث تبلغ تقريباً مشتريات السيارات من قبل السعوديين سنوياً ما يصل إلى 30 مليار دولار، وأن العنصر الإيجابي أيضاً أن 13 مليار دولار من هذه المشتريات هي مشتريات للحكومة السعودية «فنستطيع أن نبدأ في المرحلة الأولى بأن نجعل توفير احتياجات الحكومة السعودية من خلال شركات التصنيع السعودية التي تسهم فيها الحكومة السعودية، وهذا الأمر سيوصلنا لنسبة 40 – 43 في المائة في 2030 من صناعة السيارات».
وحول تطوير الموانئ، أوضح أن تطوير المباني، أو المشاركة في مدن صناعية على البحر الأحمر، يعد فرصة أخرى للعمل عليها، وهي صادرات السعودية ودول الخليج لأوروبا، 40 في المائة من صادرات السعودية ودول الخليج إلى أوروبا، خصوصاً أن دول الخليج تمر من الخليج العربي إلى مضيق هرمز إلى بحر العرب إلى باب المندب إلى البحر الأحمر إلى قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط، وهذه تستغرق مدة، وفيها تكلفة ومخاطرة أمنية، بينما نستطيع أن نوفر لهم ممراً من خلال السعودية مباشرة لجسر الملك سلمان الذي أعلن عنه العام الماضي، إلى سيناء، مما يقلل الوقت والتكلفة، وتكون فيها الضمانات الأمنية أعلى بكثير من هذه المناطق التي تمر بها. واعتبر أن «هذا سيخلق كثيراً من الصناعات والأعمال داخل السعودية، من ربط طرق، وربط شبكات الكهرباء، وربط أنابيب الغاز والنفط، وربط السكك الحديدية إلى شمال سيناء. والفرصة الثالثة التي نستهدفها في (اللوجيستك) هي الطيران». وتناول أسباب غياب الطيران السعودي، مبيناً أنه غياب للاستراتيجية، وقال: «لا توجد استراتيجية أو رؤية، فقد كان التوجه عشوائياً حتى وصلنا للمرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بينما لو وضع هدف ووضعت خطط للوصول إلى هذا الهدف سيكون هناك تحقيق لنتائج» إيجابية.
كما تحدث عن مشروع القدية، وعن ردود أفعال الناس بأنهم يريدون سكن، وقال: «لدينا جبهات كثيرة نعمل عليها، ولا نستطيع إذا حققت جهة معينة إنجازاً أن نوقفها، لأن في ذلك تأخير في الجهة الثانية، فذلك سيعطل عمل الحكومة كلها، والمفروض أن كل الجهات تدعم وتحفز وتحقق إنجازاً، والجهة التي تتأخر تتم مراجعة التأخير وأسبابه، وكيف نعمل عليه، هذا جانب، والجانب الآخر، الذي ينفق على صندوق الاستثمارات العامة ليس الدولة، هي من الأصول المملوكة للصندوق التي كانت غير مستغلة، كانت في الماضي تعطينا أرباح 1 في المائة، وعلى أحسن الأحوال 2.5 في المائة، وفيه سندات وصناديق خارج السعودية. اليوم، الذي نفعله نحول هذه المبالغ للسعودية، ونستثمر في قطاعات تعطي ربحية أفضل من 2.5 في المائة، أو 1 في المائة، وتنمي قطاعات رئيسية مهمة عندنا، وتسهم في المحتوى المحلي في جانب الترفية، فهذا في نهاية المطاف سوف يخلق أرباحاً تذهب للصندوق، والصندوق سيحولها إلى خزينة الدولة، فيصبح وضع الدولة أقوى لأنها تغطي مصاريف أكثر (إسكان وغيرها) من المصاريف التي تحتاجها الدولة، إضافة إلى خلق وظائف كثيرة تسهم في حل كثير من الإشكاليات لدى المواطنين السعودية، غير أنها تسهم في تنمية القطاع الخاص.
وحول الثلاثة حلول في برنامج الإسكان، قال: «نحن متفائلون، ونتوقع أن الأوضاع بالنسبة لنا ستكون إيجابية أكثر مما كنا نظن، سوف يكون هناك مئات الآلاف من الوحدات المجانية في برنامج الإسكان، أيضاً سيكون هناك أكثر من مليون وحدة ميسرة للمواطنين السعوديين بالإقراض، الأول من دون مقابل مئات الآلاف، ولا يوجد رقم معين، وسوف يتضح الرقم النهائي وقت إطلاق برنامج الإسكان، ولكن بلا شك سوف يكون هناك أكثر من مليون وحدة ببيع ميسر، أو بإقراض من صندوق التنمية العقاري، الذي يسهم في الإقراض، وأيضاً البيع الميسر سيسهم فيها صندوق الاستثمارات العامة في الإسكان».
وعما إن كان صندوق التنمية العقاري سيعود لدوره السابق في ضخ الأموال، قال: «بلا شك هو أحد العوامل المحركة الرئيسية لتنمية قطاع الإسكان، فـلدينا 3 أنواع من الإسكان، مجاني بمئات الآلاف، لا أستطيع أن أعطيك الرقم النهائي، وإسكان مدعم من صندوق التنمية العقاري، وإسكان من المستثمر الرئيسي، وهو الحكومة تبيعه بشكل ميسر وبسعر مخفض للمواطن السعودي، وهذا إقراض طويل الأمد جدا،ً بحيث تكون ربحيته على الصندوق لا تتجاوز 3 في المائة، بينما المواطن يستطيع أن يمتلك ثاني يوم ويسدد على سنوات طويلة دون أن تؤثر على دخله الرئيسي، ناهيك بالوحدات المجانية بأكبر حجم ممكن سوف نقدمها للمواطنين الذين لا يستطيعون أن يغطوا تكاليف برامج الإسكان». وتوقع إطلاق المشروع خلال 6 أشهر، وقال: «لا أتوقع أنه من أول البرامج التي سوف تُطلق لأنه معقد جداً، وفيه إنفاق عال جداً، أتوقع أنه سوف يُطلق في الربع الثالث من 2017».



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.