كريس هوتون: لا يوجد توازن بين المدربين السود والبيض في إنجلترا

المدير الفني لنادي برايتون نجح في إعادة الفريق للدوري الممتاز... ويأمل أن يسير على درب بورنموث وبيرنلي

هوتون نجح في قيادة برايتون لدوري الأضواء الممتاز الموسم المقبل
هوتون نجح في قيادة برايتون لدوري الأضواء الممتاز الموسم المقبل
TT

كريس هوتون: لا يوجد توازن بين المدربين السود والبيض في إنجلترا

هوتون نجح في قيادة برايتون لدوري الأضواء الممتاز الموسم المقبل
هوتون نجح في قيادة برايتون لدوري الأضواء الممتاز الموسم المقبل

قال المدير الفني لنادي برايتون، الصاعد حديثا للدوري الإنجليزي الممتاز، كريس هوتون: إن هناك حالة من عدم التوازن «الصادم» بين عدد المديرين الفنيين السود ونظرائهم من البيض في كرة القدم الإنجليزية. وبالإضافة إلى هوتون، لا يوجد سوى مدير فني واحد من ذوي البشرة السمراء وهو كيث كيرل، الذي يقود نادي كارليسل يونايتد في دوري الدرجة الثانية.
وكان نادي برايتون قد ضمن صعوده للدوري الإنجليزي الممتاز الأسبوع الماضي، بعد عقود من الخلافات والمشكلات التي جعلت النادي بلا ملعب، ويعاني الإفلاس، وأصبح على وشك أن يفقط مكانه في دوري الدرجة الأولى. وبعد أن ضمن التأهل للدوري الممتاز يسعى المدير الفني الآيرلندي البالغ من العمر 58 عاما، للفوز بلقب دوري الدرجة الأولى يوما. وبعيدا عن الاحتفال بالصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، يتحدث هوتون في حواره الحصري عن بعض القضايا المهمة بوعي اجتماعي كبير قلما نجده في عالم كرة القدم.
يقول هوتون: «هناك حالة من عدم التوازن بشكل لا يصدق منذ فترة طويلة بين ذوي الخلفيات العرقية المختلفة الذين يلعبون كرة القدم، والذين يلعبون في كثير من الأحيان في أندية جيدة للغاية ويكون لديهم مسيرة كروية حافلة، ويصبحون قادة للفرق التي يلعبون لها وبين غيابهم عن المناصب الإدارية العليا. كان هناك بعض التغييرات وكان الأمر مشجعا على المستويين الأكاديمي والشعبي، لكنه ليس كذلك على المستويات الأعلى. وهناك مسؤولية تقع على عاتق لعبة كرة القدم لتحقيق حالة من التوازن في هذا الأمر».
لم تكن هناك مرارة في صوت هوتون، لكن الإحصائيات تثبت صدق حديثه؛ إذ إنه لا يوجد من ذوي البشرة غير البيضاء سوى اثنين فقط من بين 92 مديرا فنيا في دوريات كرة القدم الإنجليزية. وفي المقابل، فإن 25 في المائة من اللاعبين في الدوريات الأربعة في كرة القدم الإنجليزية من خلفيات سوداء وآسيوية وأقليات عرقية، لكن ذلك لا يتناسب تماما مع حقيقة أن أكثر من 97 في المائة من المديرين الفنيين من البيض.
ويتحدث المدير الفني الآيرلندي بوضوح واقتناع يتناسبان مع حجم الإنجاز الذي حققه مع برايتون ومسيرته الحافلة لاعبا خلال الفترة بين عامي 1977 و1993، والتي لعب خلالها 297 مباراة لنادي توتنهام هوتسبر وأصبح أول لاعب من ذوي البشرة السمراء يمثل منتخب آيرلندا، الذي لعب معه 53 مباراة دولية، رغم أنه ولد في شرق العاصمة البريطانية لندن. ولعب هوتون أيضا لوستهام يونايتد وبرنتفورد.
وقد تغيرت المواقف تجاه اللاعبين السود خلال تلك الفترة، لكن هوتون يتذكر ما واجهه قائلا: «لقد نشأت في بيئة كروية رأيت خلالها الكثير من الممارسات العنصرية، سواء كان ذلك في شكل إساءة من لاعبين آخرين أو من قبل مجموعة كبيرة من المشجعين في المباريات التي كانت تقام خارج ملعبنا. أتذكر أننا كنا نذهب إلى ملاعب وكانت قطاعات كبيرة من الجمهور تردد هتافات عنصرية. لم يكن الأمر جيدا، لكنه لم يكن مفاجئا بالنسبة لي، وبخاصة خلال الفترات الأولى بعد انضمامي إلى نادي توتنهام. لقد كنت اللاعب الأسود الوحيد في الفريق، ثم جاء غارث كروكس بعد ثلاث سنوات. لقد اعتدت على العبارات العنصرية داخل الملعب. لا أعني أنني تقبلت ذلك، ولكن كان يتعين عليّ التعامل مع الأمر».
وقال: «امتد الأمر إلى المجتمع أيضا، وكان هناك بعض الأماكن التي لا تشعر فيها بالراحة بسبب النبرة العنصرية. وفي وقت ما كان يقال عن اللاعبين السود إنه يمكنهم اللعب على أطراف الملعب؛ لأنهم يتسمون بالسرعة، لكنهم لا يصلحون لأن يكونوا قادة للفريق».
وأضاف: «تختفي بعض أشكال العنصرية مع مرور الوقت، حتى لو بقيت بعض الوصمات وبعض الأشخاص الذين يحتاجون إلى وقت أطول من أجل التغير. لكن ليس هناك شك في أن البيئة باتت أكثر انفتاحا وتقبلا لتعدد الثقافات. ويبدو أيضا أن هناك حماسا أكبر للتغيير، لكن يجب أن يتحول هذا الحماس إلى عمل على أرض الواقع. ونحن في حاجة إلى تغيير حقيقي من أجل أن يؤدي ذلك إلى أن يشغل السود مناصب أعلى».
وعندما سألت هوتون عما إذا كان يعتقد أن هناك حاجة إلى تشريعات جديدة لعلاج أوجه عدم الإنصاف بالنسبة للمدربين والإداريين السود في عالم كرة القدم، رد قائلا: «نحن في حاجة إلى دفعة أكبر».
وعما إذا كان يؤيد فكرة أن تكون هناك «حصص» معينة للمديرين الفنيين والإداريين السود، قال: «نعم، أؤيد ذلك، في دوري الدرجة الأولى (وليس في الدوري الإنجليزي الممتاز)، بحيث يكون النادي ملزما في أي منصب تدريبي أو إداري بأن يجري مقابلة شخصية مع مرشح واحد على الأقل من ذوي البشرة السمراء، أو من أصحاب الخلفيات أو العرقيات الأخرى. أنا بالتأكيد أؤمن بقوانين من نوعية قانون روني – قانون لا يعين السود وذوي العرقيات الأخرى في وظائف، لكنه يضعهم في الصورة على الأقل».
ومنذ 2003 يتم العمل في دوري كرة القدم الأميركية للمحترفين بقانون ينص على حتمية وجود رجل أسود، أو من أقلية عرقية ضمن المرشحين لتولي مهمة المدرب في أي فريق. وكان وراء هذا القانون دان روني مالك فريق بيتسبرغ ستيلرز.
وقد تبنى دوري الدرجة الأولى في إنجلترا قانونا مشابها لـ«قانون روني» عام 2015، عندما أصبح لزاما على الأندية أن تجري مقابلة شخصية مع مرشح واحد على الأقل من السود أو ذوي العرقيات الأخرى للوظائف المتعلقة بتنمية فرق الشباب وتطويرها، بشرط أن يكون لدى المتقدم رخصة التدريب من الدرجة الثانية من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. يقول هوتون: «أنا أتفق مع هذا النوع من التشريعات».
وقبل أسبوعين أقيل ماركس بيغنوت من تدريب نادي غريمسبي تاون، وبالتالي تقلص عدد المديرين الفنيين السود في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي من ثلاثة إلى اثنين فقط، هما هوتون وكيرل. ويعتقد هوتون أن التشريعات قد تكون أكثر فاعلية وتأثيرا إذا قررت النظر في مجالس إدارات الأندية التي يكاد يسيطر عليها البيض بشكل تام.
يقول هوتون «نحن في عصر الأعمال التجارية الكبيرة، وأنا متأكد من أنه سيكون هناك تشريع في المستقبل ينظم أماكن العمل. يبدو أن جميع أصحاب المصلحة في لعبتنا لديهم حماس كبير للتغيير. ويمكن رؤية ذلك في الجهات التي تبث المباريات، فنحن ننقل مباريات كرة القدم الإنجليزية إلى جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الكثير من البلدان الأفريقية. وأشعر بأن الناس في هذه اللعبة يريدون أن يروا لاعبين مختلفين وثقافات متعددة الأعراق، وهو ما يعني أن السود يكونون في مواقع ومراكز أفضل في الملعب، وهم من يجرون المقابلات الحقيقية في مجالس الإدارات؛ لأن اللعبة داخل الملعب متعددة الأعراق».
وعندما سئل هوتون عما إذا كان من الممكن أن تضم مجالس إدارات الأندية أشخاصا من عرقيات مختلفة خلال السنوات العشر المقبلة، رد قائلا: «هذا هو ما أتمنى أن يحدث. ولو سألتني عما إذا كنت متفائلا أم لا، فسأقول لك إن الإحصاءات على مدى السنوات العشر إلى العشرين الماضية لا توحي بكثير من الأمل. لكن يبدو أن أصحاب المصلحة يقولون إننا في حاجة إلى دفعة أكبر في اتجاه تحقيق هذا الهدف».
ومن دون مرشحين سود لمجالس إدارات الأندية أو مديرين فنيين سود في الدوري الإنجليزي الممتاز، فستظل العنصرية قائمة بشكل يهدد كرة القدم. يقول هوتون: «نعم، وهي المعركة نفسها التي تخوضها المرأة، فنحن لا نرى عددا كافيا من النساء في مجالس إدارات الأندية. كان هناك دائما قول مأثور مفاده أن المرأة أو الشخص الأسود يجب أن يبذل مجهودا مضاعفا لكي يحصل على وظيفة يمكن أن يحصل عليها أي شخص آخر بشكل مريح».
وتتسم إدارة كرة القدم بالوحشية، كما أن إقالة المديرين الفنيين بات أمرا لا مفر منه. وقام هوتون بعمل رائع وجدير بالثناء في نيوكاسل يونايتد، وساعد الفريق على الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز قبل أن يقال من منصبه عندما كان الفريق يحتل المركز الحادي عشر في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز في ديسمبر (كانون الأول) 2010. وتولى هوتون تدريب نوريتش سيتي بعد الرحيل عن برمنغهام، قبل أن يقال مرة أخرى في أبريل (نيسان) 2014، ويظل عاطلا عن العمل لمدة ثمانية أشهر. وتولى هوتون تدريب نادي برايتون في ليلة رأس السنة لعام 2014، لكنه أمضى بعض الوقت في الحصول على دورات تدريبية في كيفية إدارة الشركات.
يقول هوتون: «كنت سعيدا بالقيام بذلك، رغم أنها أثرت قليلا على عملي هنا. لقد كانت دورة تدريبية لمدة 10 أشهر، وكان يتبقى بها ثلاثة أشهر عندما حصلت على هذه الوظيفة. لذا؛ كان هناك بعض الوقت الذي كنت أحصل فيه على تلك الدورة وأعمل مديرا فنيا، لكني كنت سعيدا في حقيقة الأمر. وكانت الدورة التدريبية تدور حول ضرورة وجود مزيد من التنوع في مجلس الإدارة، وتعلم ما يتعلق بهياكل مجلس الإدارة وكيفية عملها. لقد كانت دورة تدريبية مثيرة للاهتمام، لكنها كانت صعبة. أنا متعطش للمعرفة لأنني أحاول دائما أن أكون على أفضل علاقة ممكنة مع المديرين، علاوة على أنني لن أعمل في مهنة التدريب إلى الأبد، وقد يفتح هذا مسارا آخر في المستقبل».
وعما إذا كان قد سمح لنفسه بالاحتفال بصعود برايتون للدوري الإنجليزي الممتاز، رد هوتون قائلا: «ليس صحيحا، مشكلة المدير الفني تكمن في أنه يتعين عليه السيطرة على الأمور. وكان الأمر سيختلف لو أننا حصلنا على لقب دوري الدرجة الأولى الإنجليزي. نريد أن نفوز باللقب، لكني أتطلع إلى الحصول على فترة راحة في الصيف».
وعندما سئل ما إذا كان قد استمتع حقا بصعود برايتون للدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب 34 عاما، بعد فوزه على ويغان أثلتيك الأسبوع قبل الماضي، قال هوتون مبتسما: «نعم استمتعت. استمتعنا بوقت لطيف في هذه الغرفة. كانت عائلتي تنتظرني وكان ذلك شيئا رائعا. شاهدنا نهاية مباراة ديربي كاونتي وهدرسفيلد، وكان الأمر صعبا في البداية؛ لأننا لم نكن قد ضمنا الصعود بشكل رسمي. لكن بعد ذلك كان شيئا رائعا أن نضمن الصعود رسميا وأنا مع زوجتي وأربعة من أولادي وستة من أحفادي. معظم المديرين الفنيين يكرسون حياتهم لهذه المهمة؛ لذلك من الرائع أن تشارك الأسرة في الاحتفال ببعض النجاح الذي تحقق».
وقبل أقل من عام، لم يتمكن برايتون من الصعود بشكل مباشر إلى الدوري الإنجليزي الممتاز بفارق الأهداف قبل أن يهزم في المرحلة الفاصلة أمام شيفيلد وينزداي، الذي أنهى الموسم متخلفا عن برايتون بـ15 نقطة كاملة. وبعد ذلك بيومين، أعطى مالك النادي توني بلوم - وهو مشجع لنادي برايتون وضخ 250 مليون جنيه إسترليني في النادي - هوتون عقدا جديدا مدته أربع سنوات. يقول هوتون: «كان ذلك اعترافا من جانب توني بالمجهود الذي بذلناه - ونأمل أن يكون قراره بمثابة نداء إلى ملاك الأندية بالعمل على الاستقرار».
ويضيف: «قبل المجيء إلى هنا لم أكن أعرف مالك النادي، لكن الآن أجرينا الكثير من المحادثات والكثير من التعاملات. إنه يدير النادي بشكل معقول للغاية. بالطبع كان هناك نفقات ضخمة على الملعب الجديد وملاعب التدريب المتميزة، لكنه ينفق أمواله بحكمة. في الموسم الماضي شعرنا بشيء من الإحباط نتيجة فشلنا في الصعود، لكن في غضون بضعة أيام كنت أفكر فيما سأفعله في الموسم المقبل، وسألت نفسي: ماذا نحتاج؟ ومن اللاعب القادر على تقديم الإضافة للفريق؟ لقد تعاملنا مع الأمر بذكاء».
وكان بلوم قد وعد بدعم تشكيلة برايتون عقب ترقيه للدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه أشار إلى أنه سيقاوم إغراء إنفاق الكثير من المال على الانتقالات.
وسيعطي الترقي للدوري الممتاز دفعة مالية ضخمة لبرايتون. لكن بلوم قال إنه سيلتزم بسياسة معقولة في الإنفاق. وقال بلوم: «حجم المال في الدوري الممتاز يجعل الأمور متعادلة إلى حد ما... يجب أن ندعم الفريق... هذا غير قابل للنقاش. لكننا لا نتطلع لإنفاق الكثير من المال... سنفعل الأمور بطريقة تدريجية. نمتلك لاعبين جيدين بالفعل... ونرغب في دعم التشكيلة من هذه النقطة».
لقد أضفى هوتون لمسة إنسانية على إدارته للفريق، وقد ظهر ذلك جليا عندما توفي والد أفضل لاعب في الفريق، أنطوني نوكيرت، حيث ألغى هوتون التدريب وسافر هو وجميع اللاعبين إلى فرنسا للمشاركة في الجنازة. يقول المدير الفني الآيرلندي: «أنا لا أقول إننا لم نكن لنفعل الشيء نفسه مع أي لاعب آخر، لكن أنطوني لاعب محبوب للغاية من جميع لاعبي الفريق. إنه لاعب جيد للغاية بالنسبة لنا، وكان الجميع يريد أن يكون إلى جانبه في هذه المحنة. إنه شاب عاطفي تماما، وكنا نعرف مدى علاقته القريبة بوالده».
وهل كان نوكيرت يتوقع أن يسافر جميع لاعبي الفريق إلى منزله في ليرز بالقرب من مدينة ليل الفرنسية؟ يقول هوتون: «كان يعتقد أنني فقط وقائد الفريق برونو سنسافر إلى منزله. وعندما رأى جميع لاعبي الفريق كان متأثرا للغاية، وكنت أشعر بالسعادة. لقد رأيت ما يعنيه ذلك لأنطوني وأسرته وأصدقائه في تلك المنطقة المتواضعة ذات الطبقة العاملة».
ويعزز هذا التواضع الاعتقاد بأن برايتون قادر على تقديم أداء جيد في الدوري الإنجليزي الممتاز. يقول هوتون: «بيرنلي وبورنموث مثالان جيدان للغاية بالنسبة لنا. آمل أن يقدم فريقنا أداء جيدا، لكنني أعي تماما صعوبة الدوري الإنجليزي الممتاز وقوته؛ لذا نحن في حاجة إلى الاستمرار في العمل القوي الذي نقوم به. وسيكون من الرائع أيضا أن ندعم الفريق ببعض اللاعبين الجدد».
وعندما سئل عن المدير الفني الذي يرغب في مقابلته ومناقشة الأمور الفنية والتكتيكية والإدارية معه، توقف هوتون لبرهة ثم قال: «بوكتينيو»، المدير الفني لنادي توتنهام هوتسبر، مشيرا إلى إعجابه بالنجاح الذي حققه والفلسفة التي يتبناها مع الفريق.
ولا يزال هوتون عضوا في حزب العمال البريطاني، لكن حتى مع اقتراب الانتخابات المزمع انعقادها في يونيو (حزيران) المقبل، يركز هوتون بشكل أكبر على كرة القدم. ويقول: «بالتأكيد لم أعد مهتما بالسياسة بالشكل الذي كنت عليه في الماضي، لكن لا يزال هناك الكثير من الاهتمام، ودائما ما تعني القضايا الاجتماعية الكثير بالنسبة لي».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.