هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

6 % من سكان العالم لديهم 0.17 % من البيانات الجينية العالمية

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده، بل إلى الخصائص الجينية لكل مريض. ويعتمد هذا التوجه بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل ملايين المتغيرات الوراثية، والتنبؤ بالأمراض، والمساعدة في اختيار العلاجات الأكثر ملاءمة.

لكن مع التوسع السريع في هذه التطبيقات، يبرز سؤال جوهري: هل تعكس قواعد البيانات الجينية العالمية التنوع البشري الحقيقي، أم أن بعض شعوب العالم ما زالت غائبة عن هذه الثورة الطبية؟

نقص التنوع الجيني• «قصة مريض سعودي». وهي قصة تطرح سؤالاً مهماً... لنتخيل حالة قد تحدث في أي عيادة حديثة: رجل سعودي يبلغ من العمر 42 عاماً، يتمتع بصحة جيدة ولا يشكو من أعراض واضحة، خضع لتحليل جيني ضمن برنامج للطب الدقيق.

وبعد تحليل بياناته بواسطة نظام ذكاء اصطناعي يعتمد على ما يُعرف بدرجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores)، بدت النتيجة مطمئنة؛ إذ صُنّف ضمن فئة الخطر المنخفض للإصابة بأمراض القلب. لكن طبيبه لاحظ وجود تاريخ عائلي قوي للإصابة المبكرة بأمراض الشرايين التاجية. وعندما أُجريت فحوص إضافية، ظهرت مؤشرات خطورة لم يكشفها التقييم الجيني الأولي.

في هذه الحالة لم يكن الخلل في الخوارزمية نفسها، بل ربما في البيانات التي تعلّمت منها. فإذا كانت معظم قواعد البيانات المستخدمة لتطوير هذه النماذج تستند إلى مجموعات سكانية تختلف وراثياً عن المريض، فقد تتراجع دقة التنبؤات عند تطبيقها على مجتمعات أخرى.

3ا ينجح الدواء مع شخص ويفشل مع آخر

دراسة جديدة تعيد فتح النقاش

وازدادت أهمية هذا الموضوع بعد دراسة دولية نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «Frontiers in Medicine»، قادها الباحث اللبناني الدكتور فؤاد بيطار (Fouad Bitar) بالتعاون مع باحثين من الجامعة الأميركية في بيروت ومؤسسات أكاديمية دولية، من بينها جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University). وحللت الدراسة الاتجاهات العالمية لأبحاث درجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores) المستخدمة في الطب الدقيق. وأظهرت النتائج أن هذا المجال يشهد نمواً متسارعاً حول العالم، لكنه ما زال يعاني من تركز الأبحاث والبيانات في عدد محدود من الدول والمجموعات السكانية.

وحذَّر الباحثون من أن التوسع في استخدام هذه النماذج دون زيادة التنوع الجيني في قواعد البيانات قد يؤدي إلى تفاوت في دقة التنبؤات بين الشعوب المختلفة؛ ما يحد من قدرة الطب الدقيق على تحقيق أهدافه بصورة عادلة وشاملة. وتنسجم هذه النتائج مع تحذيرات متزايدة من علماء الجينوم بأن نجاح الذكاء الاصطناعي الطبي لا يعتمد فقط على قوة الخوارزميات، بل أيضاً على مدى تمثيل البشر الذين تتعلم منهم تلك الخوارزميات.

• من تشخيص المرض إلى اختيار الدواء. لا تقتصر أهمية الجينوم على تقدير أخطار الإصابة بالأمراض، بل تمتد إلى أحد أكثر فروع الطب الدقيق تطوراً، وهو ما يُعرف باسم «الصيدلة الجينية» (Pharmacogenomics). ويدرس هذا التخصص العلاقة بين الجينات واستجابة المرضى للأدوية. فبعض الأشخاص قد يستجيبون بصورة ممتازة لعلاج معين، في حين يحتاج آخرون إلى جرعات مختلفة أو أدوية بديلة بسبب اختلافات جينية تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الدواء. ومع التوسع في استخدام هذه التقنيات، تزداد أهمية جودة البيانات الجينية وتنوعها، خصوصاً عند تطوير علاجات مخصصة لمجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية.

2 الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

• هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟ في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة «طب الجينوم» (Genome Medicine)، وهي من أبرز المجلات الدولية المتخصصة في الطب الجيني والطب الدقيق، أظهر الباحثون أن العرب ما زالوا من أقل المجموعات السكانية تمثيلاً في قواعد البيانات الجينومية العالمية. فعلى الرغم من أن العرب يمثلون نحو 6 في المائة من سكان العالم، فإن نسبة تمثيلهم في قواعد البيانات الجينومية العالمية المتاحة للبحث العلمي لا تتجاوز نحو 0.17 في المائة.

وبعبارة أخرى، ما زال مئات الملايين من العرب شبه غائبين عن كثير من قواعد البيانات التي تستند إليها تطبيقات الطب الدقيق والذكاء الاصطناعي الطبي.

ولا يعني ذلك أن هذه النماذج غير صالحة للاستخدام، بل إن الحاجة ما زالت قائمة إلى توسيع تمثيل المجتمعات العربية في الدراسات الجينومية العالمية، بما يضمن أعلى مستويات الدقة والعدالة العلمية

• السعودية وقطر على خريطة الجينوم العالمية. شهد العالم العربي خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال. فقد أسهم مشروع الجينوم السعودي في بناء قاعدة معرفية مهمة حول الأمراض الوراثية والطفرات الجينية المنتشرة في المملكة، كما يدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تطوير الرعاية الصحية والبحث العلمي. ويُعدّ المشروع من أكبر المبادرات الجينومية في المنطقة؛ إذ يستهدف تحليل 100 ألف عينة جينية، في حين تجاوز عدد العينات التي خضعت للتحليل والتسلسل الجيني عشرات الآلاف، وأسهم في اكتشاف آلاف الطفرات الوراثية المرتبطة بالأمراض النادرة والوراثية.وفي الوقت نفسه، نجح مشروع الجينوم القطري في إنشاء واحدة من أهم قواعد البيانات الوراثية في المنطقة. وقد استقطب ما يقارب 50 ألف مشارك، وأسهم في بناء مرجع جيني غير مسبوق للسكان العرب وفهم الخصائص الوراثية الفريدة لسكان الخليج العربي. وتشكل هذه المبادرات نماذج مهمة لما يمكن أن تحققه الاستثمارات طويلة المدى في علوم الجينوم، ليس فقط لفهم الأمراض الوراثية، بل أيضاً لتطوير طب دقيق أكثر عدالة ودقة وملاءمة لاحتياجات المجتمعات العربية.

مشاريع الدول الكبرىفي المملكة المتحدة، أصبح مشروع «البنك الحيوي البريطاني» (UK Biobank) واحداً من أهم المشاريع الجينومية في العالم؛ إذ يضم بيانات صحية ووراثية لما يقارب نصف مليون مشارك.

أما في الولايات المتحدة، فيعمل برنامج «كلّنا» (All of Us) على جمع بيانات مليون مشارك أو أكثر؛ بهدف بناء مستقبل أكثر دقة وشمولاً للطب الشخصي أو الطب الدقيق.

وقد أسهم هذان المشروعان في تسريع الأبحاث المتعلقة بالأمراض المزمنة والعلاجات الموجهة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، كما وفّرا قواعد بيانات ضخمة مكّنت الباحثين من تطوير نماذج أكثر دقةً للتنبؤ الجيني وفهم العلاقة بين الجينات والصحة والمرض.

وتُظهر هذه التجارب أن قوة الذكاء الاصطناعي في الطب لا تعتمد على الخوارزميات وحدها، بل أيضاً على حجم البيانات التي تتعلم منها ومدى تنوعها وتمثيلها للسكان. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في البيانات التي تغذّيه.

3 الجينوم السعودي يرسم مستقبل الطب الدقيق

مشروع «المليون جينوم عربي»

• الجينوم العربي. هل حان الوقت لمشروع «المليون جينوم عربي»؟ في ضوء هذه التطورات، ربما حان الوقت للتفكير في مرحلة جديدة من التعاون العلمي العربي.

فالعالم العربي يضم أكثر من 450 مليون نسمة، ويتميز بتنوع جيني واسع وخصائص وراثية فريدة، إضافة إلى انتشار بعض الأمراض الوراثية والمزمنة التي تتطلب فهماً أعمق للعوامل الجينية المرتبطة بها.

ومن هنا، يمكن أن يشكل مشروع عربي مشترك لجمع مليون جينوم عربي خطوةً استراتيجية نحو تعزيز الطب الدقيق في المنطقة، وتحسين أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، ودعم الأبحاث الدوائية والوراثية في العقود المقبلة. فكما استثمرت دول كبرى في بناء قواعدها الجينومية الوطنية، قد يكون بناء قاعدة جينومية عربية واسعة أحد أهم الاستثمارات العلمية والصحية لمستقبل الأجيال المقبلة.

• مستقبل الطب الدقيق في العالم العربي. أصبحت البيانات الجينية اليوم جزءاً أساسياً من البنية التحتية للطب الحديث. وكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل الجينوم، ازدادت أهمية ضمان تمثيل جميع الشعوب داخل قواعد البيانات التي يستند إليها.

ولذلك؛ لم يعد التحدي تقنياً فحسب، بل أصبح علمياً واستراتيجياً أيضاً. فمستقبل الطب الدقيق في العالم العربي لن يعتمد على عدد الخوارزميات التي نستخدمها، بقدر ما يعتمد على حجم البيانات العربية التي تسهم في تدريبها.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية وقطر قد بدأتا بالفعل بناء قواعد معرفية جينومية متقدمة، فإن الخطوة التالية قد تتمثل في الانتقال من المشاريع الوطنية إلى رؤية عربية مشتركة تضمن حضور العرب في الطب الدقيق العالمي بقدر حضورهم في الواقع السكاني. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تكتسب الشعوب مكانتها العلمية بعدد مستخدمي التكنولوجيا فقط، بل بمدى حضور بياناتها في المعرفة التي تصنع مستقبل الطب.


مقالات ذات صلة

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

شمال افريقيا «نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

طالبت «نقابة صيادلة القاهرة» في مخاطبة رسمية، نهاية الأسبوع الماضي، بـ«إلزام الأطباء والمنشآت الصحية كتابة الوصفات الطبية بالاسم العلمي للدواء».

أحمد عدلي (القاهرة )
علوم فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

لطالما حيّرت العلماء قدرة بعض الطفرات الوراثية على التسبب في عيوب خلقية خطيرة رغم احتفاظ المصابين بنسخة سليمة من الجين نفسه.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

في تقدُّم مهم لبحوث الصحة النفسية، كشف العلماء عن روابط جينية قد تفسر لماذا يحدث الاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسية معاً في كثير من الأحيان.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك في المنزل... يُنصح بتجنب تخزين الأدوية في الحمام بسبب الحرارة والرطوبة أو قرب النوافذ المشمسة أو فوق خزائن المطبخ القريبة من الفرن. والأفضل حفظها في مكان بارد وجاف مثل درج في غرفة النوم أو خزانة (بيكسلز)

هل تؤثر الحرارة المرتفعة في فعالية الأدوية؟

قد تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تقليل فعالية كثير من الأدوية، بل وقد تجعل بعضها غير آمن للاستخدام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك قد يكون الارتباك أو التصرف غير المعتاد من أخطر العلامات المبكرة لضربة الشمس ويستدعي تدخلاً طبياً فورياً (بكسلز)

التغيّر المفاجئ في السلوك... علامة قد تكشف عن ضربة شمس مهدِّدة للحياة

قد تكون أبرز علامة على ضربة الشمس تغيّر السلوك أو الارتباك الذهني، ما يستدعي إسعافاً فورياً وتبريد الجسم سريعاً، لأن الحالة قد تصبح مهددة للحياة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
TT

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)

مع التوسع في تبنِّي العمل عن بُعد خلال السنوات الأخيرة، بات هذا النموذج يُنظَر إليه كأحد الحلول الواعدة للحد من الانبعاثات الكربونية، كونه يقلل من التنقل اليومي بين المنزل ومقر العمل، وما يصاحبه من استهلاك للوقود وانبعاثات غازات الدفيئة. ولكن دراسة سويسرية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.

أجرى الدراسة باحثون من جامعة لوسرن للعلوم التطبيقية والفنون في سويسرا، بهدف تقييم الأثر الحقيقي للعمل عن بُعد على البصمة الكربونية، من خلال تحليل الانبعاثات المرتبطة بالتنقل، واستخدام المساحات المنزلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات.

العمل عن بعد يقتصر على المهن التي تعتمد على الحاسوب (جامعة ريدنغ)

العمل عن بُعد

خلصت النتائج إلى أن العمل عن بُعد لا يؤدي تلقائياً إلى خفض الانبعاثات كما يُعتقد على نطاق واسع؛ إذ يمكن أن تتلاشى المكاسب البيئية الناتجة عن تقليل التنقل إذا صاحبها ارتفاع في استهلاك الطاقة والمساحات المخصصة للعمل داخل المنزل. ونُشرت النتائج في عدد 13 يوليو (تموز) الماضي من دورية «PLOS Climate».

وحسب الباحثين، يساهم تقليل التنقل اليومي فعلياً في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولكن هذه الفائدة قد تُعوِّضها انبعاثات تشغيل مكتب منزلي واستخدام الأجهزة الإلكترونية؛ خصوصاً إذا خصص الموظف غرفة مستقلة للعمل.

وتتقاطع هذه النتيجة مع بحوث سابقة رصدت ما تُعرف بـ«تأثيرات الارتداد»، كانتقال الموظفين للسكن في مناطق أبعد، أو زيادة الرحلات الترفيهية، إضافة إلى «تأثيرات غير مباشرة» تتمثل في زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتخصيص غرف مستقلة للعمل، ما يرفع استهلاك الطاقة والانبعاثات.

واعتمدت الدراسة على استبيان إلكتروني أُجري أواخر عام 2024، شمل أكثر من ألف شخص في سويسرا مارسوا العمل عن بُعد خلال الشهر السابق للاستطلاع، وجمع بيانات تفصيلية عن أيام العمل عن بُعد، ومكانه، ووجود غرفة مستقلة، ومسافات التنقل ووسائله، واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، إلى جانب ظروف السكن والخصائص الاجتماعية والديموغرافية للمشاركين.

وعلى أساس هذه البيانات، حَسَب الباحثون الانبعاثات الكربونية المكافئة في 3 مجالات رئيسية: التنقل، والمساحة السكنية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، ليقدِّروا إجمالي البصمة الكربونية لكل مشارك.

وأظهرت النتائج أن زيادة أيام العمل عن بُعد تقلل فعلاً انبعاثات التنقل، ولكن هذه المكاسب تتراجع بشكل كبير بسبب ارتفاع الانبعاثات المرتبطة باستخدام المنزل كمكان عمل؛ فالموظفون الذين خصصوا غرفة مستقلة كمكتب منزلي سجلوا انبعاثات أعلى من غيرهم، نظراً لحاجة هذه الغرفة إلى طاقة إضافية للتدفئة أو التبريد والإضاءة، فضلاً عن ارتفاع استهلاك الكهرباء المرتبط بالحواسيب والشاشات وأجهزة الاتصال والبنية الرقمية للعمل.

وبيَّنت التحليلات أن تأثير العمل عن بُعد لا يرتبط بعدد أيام العمل خارج المكتب فقط؛ بل يتأثر أيضاً بطريقة تنظيم بيئة العمل المنزلية، وأنماط التنقل، والظروف المعيشية.

فوائد ملموسة

ولتحقيق فوائد بيئية حقيقية، أوصت الدراسة بتقليل المساحات المنزلية المخصصة للعمل، أو استخدام مساحات عمل مشتركة خارج المنزل، إلى جانب عدم تخصيص غرفة كاملة للعمل إن لم يكن ذلك ضرورياً، واستخدام مساحة صغيرة متعددة الاستخدامات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والأجهزة الرقمية.

وشدد الباحثون على أن مجرد تقليل التنقل لا يكفي لتحقيق انخفاض ملموس في الانبعاثات؛ بل يجب النظر إلى دورة العمل كاملة، بما فيها استهلاك الطاقة داخل المنزل. ولفتوا إلى أن الدراسة تمثل تقييماً أولياً، استند إلى تقديرات مبسطة، ولم يتضمن مجموعة مقارنة من الموظفين العاملين بالكامل من المكاتب، ما يستدعي دراسات مستقبلية أكثر شمولاً.

ويرى الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ المصري، أن العمل عن بُعد لا يناسب جميع الوظائف؛ بل يقتصر أساساً على المهن التي تعتمد على الحاسوب، ويمكن إنجاز مهامها خارج مقر العمل. وأوضح -في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»- أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوعي الموظف بترشيد استهلاك الطاقة، في حين تستفيد الدولة من تقليل الضغط على وسائل النقل وخفض الانبعاثات، إلى جانب منح الموظفين مرونة أكبر في أداء أعمالهم.

وأضاف شعلة أن تحقيق الفائدة الحقيقية من العمل عن بُعد يتطلب ربطه بمهام واضحة وأوقات محددة، على غرار الوظائف القائمة على إنجاز الأهداف، حتى يتحول إلى وسيلة لتوفير الطاقة بدلاً من زيادة استهلاكها.

ولتحقيق أقصى استفادة، يوصي شعلة بتحديد الأهداف وساعات العمل بدقة، مع تفضيل إنجاز المهام خلال الساعات الأولى من الصباح، عندما يكون الضغط على الشبكة الكهربائية أقل، ولا تكون الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف كبيرة، مع تجنب ساعات الذروة قدر الإمكان.

ويرى أن هذا النموذج يحقق فوائد متوازنة للعامل، عبر توفير الوقت والجهد وتكاليف التنقل؛ وللبيئة، من خلال خفض الانبعاثات والازدحام المروري؛ وللدولة، عبر تقليل الضغط على شبكات الطاقة والمواصلات.

وأشار إلى أن مزايا العمل عن بُعد يمكن أن تمتد إلى التعليم؛ خصوصاً في المقررات النظرية، لما يوفره من خفض لتكاليف التشغيل والنقل، وإتاحة فرص أكبر للطلاب، ولا سيما في المناطق النائية، شريطة تطبيقه وفق معايير تضمن جودة العملية التعليمية.


الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية
TT

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

لحظة تلو الأخرى، يرسخ الذكاء الاصطناعي سريعاً وجوده بصفته جزءاً من البنية التحتية اليومية - لكن في بعض الأماكن فقط؛ فهو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية ورموز البرمجيات، ويُستخدم في فرز طلبات التوظيف، ودعم أنظمة التوصية. كما يجري دمجه، على نحو متزايد، في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتمويل والإدارة العامة. واليوم، ترفع قيادات الصناعة شعار «الذكاء الاصطناعي للجميع»، في حين تسارع الحكومات إلى نشر استراتيجيات وطنية، وبناء قدراتها السيادية بمجال الحوسبة.

غير أن التجربة على امتداد العقد الماضي، من خلال العمل على مشروعات الشمول الرقمي ومحو الأمية الرقمية في مناطق تمتد من أوروبا إلى أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا، تكشف عن نمط متكرر: فكل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية»، تصل إلى واقع قائم بالفعل على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية، كما كتبت دانيكا رادوفانوفيتش في مجلة «سبكترم» الصادرة عن جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية.

إن الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي ليست استثناءً، بل إنها تُفاقم هذه الانقسامات القائمة على صعيد الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تستكشف بعض الدول سبل المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي، دون الدخول مباشرة في سباق النماذج المتقدمة، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين. وتكشف التطورات الأخيرة في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، عن حجم الفرص والتحديات في آن واحد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن الدول التي تظل مجرد مستهلكة له، لا منتجة، تخاطر بفقدان فرص بناء منظومات ابتكار محلية، وتعزيز قدرات القطاع العام، وضمان تمثيل لغاتها وثقافاتها وأولوياتها المجتمعية داخل هذه الأنظمة. وبذلك، تتحول الفجوة على صعيد الذكاء الاصطناعي، إلى فجوة على صلة بالفرص الاقتصادية والنفوذ التكنولوجي.

تمركز القدرات وتفاوت المهارات

• تمركز قدرات الذكاء الاصطناعي. تشير تحليلات حديثة صادرة عن جامعة ستانفورد في تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى أن الولايات المتحدة وحدها تضم أكثر من 5000 مركز بيانات، أي ما يزيد على عشرة أضعاف أي دولة أخرى. ومع تزايد اعتماد أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على المنصات السحابية، بدلاً من البنية التحتية المحلية، يتحول هذا التركز إلى تركّز في التبعية كذلك. وحسب بيانات البنك الدولي، استحوذت الولايات المتحدة عام 2023 على نحو 87 في المائة من مجمل صادرات خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات عالمياً.

وفيما يخص معظم الدول، يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري إسناده خارجياً، ليس فقط من الناحية التكنولوجية، بل كذلك من الناحيتين التجارية والجيوسياسية، بما يضعه خارج نطاق سيطرتها. وينتج من ذلك نظام بيئي يتركز فيه تشغيل المحركات الحاسوبية، التي تدعم الأنظمة العالمية، في أيدي عدد محدود من الدول والشركات.

أضف إلى ذلك، أن الأنظمة التي يجري تدريبها وتوحيد معاييرها وإدارتها ضمن بيئات مؤسسية ولغوية محدودة، قد تجابه صعوبة في خدمة جمهور عالمي حقيقي.

• تفاوت عميق في المهارات والمعرفة بالذكاء الاصطناعي. حتى في الأماكن التي تتوافر فيها خدمات الاتصال والوصول إلى الحوسبة السحابية، لا يتمتع الجميع بالقدرة نفسها على الاستفادة منها. وعلى سبيل المثال، عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يمتلك سوى نحو 40 في المائة من البالغين مهارات تتجاوز المستوى الأساسي في حل المشكلات الرقمية، في حين تظل الكفاءات المتقدمة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي متركزة بين العاملين ذوي التعليم العالي، والقطاعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا.

وبالتزامن مع ذلك، تتسابق الحكومات لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وغالباً ما تبدأ من المراحل التعليمية العليا. وقد أفادت منظمة «يونيسكو» بوجود جهود متزايدة عالمياً لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، في حين لا يزال دعم ثقافة الذكاء الاصطناعي في صفوف التعليم الابتدائي والإعدادي، وكذلك تدريب المعلمين على الجوانب الأخلاقية المرتبطة به، متفاوتاً بين الدول.

بوجه عام، يعدّ الأفراد الذين يتمتعون بتعليم قوي، ومهارات رقمية متقدمة، واتصال مستقر بالإنترنت، الأكثر قدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بصفته أداة لتعزيز قدراتهم. وتُظهر بيانات حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن المشاركة في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة بشكل واضح تبعاً للمستوى التعليمي؛ إذ أفاد 36 في المائة من الحاصلين على تعليم جامعي بمشاركتهم في تدريب متعلق بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، مقابل 18 في المائة فقط من أصحاب شهادة التعليم الثانوي.

اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي

• الاستثمار والحوكمة: ضعف الدول النامية. تظل سلطة تحديد الأجندة الأساسية محصورة في يد مجموعة ضيقة من الفاعلين داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، بجانب عدد محدود من الدول المتقدمة تكنولوجياً. في المقابل، تبقى معظم الدول الأخرى في حالة سعي دائم للحاق بالركب، مع حرصها المستمر على تكييف النماذج والمعايير وقوالب «الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة» المستوردة مع سياقاتها المحلية، في ظل محدودية قدرتها على تقييم المفاضلات أو طرح بدائل مستقلة.

وفي دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا، تُنتج المجتمعات بيانات على نطاق واسع. ومع ذلك، لا تزال تملك حضوراً محدوداً في تحديد كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حوكمتها أو نشرها. كما أن لغاتها ممثلة بشكل ضعيف في بيانات التدريب، في حين تعاني مؤسساتها من نقص الموارد داخل المنتديات التنظيمية. ونادراً ما تنعكس تجاربها في مجموعات البيانات المرجعية. وفيما يتعلق بالكثير من دول الجنوب العالمي، يظل الانخراط في مجال الذكاء الاصطناعي قائماً بصورة أساسية على تكييف أنظمة مستوردة، لا على التأثير في تصميمها أو إدارتها أو توجيهها.

في جنوب أفريقيا، أطلقت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية مشروع سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، في أبريل (نيسان) هذا العام، تضمن مقترحات لإنشاء مؤسسات رقابية جديدة. غير أن المشروع سُحب بعد أيام قليلة، عقب اكتشاف صحافي أن ستة على الأقل من المراجع الأكاديمية الواردة فيه لا وجود لها، ويُرجح أنها نتاج هلوسات أفرزها الذكاء الاصطناعي. ووصف الوزير الواقعة بأنها «خطأ غير مقبول».

ويسلط هذا الحادث الضوء على الفجوة بين طموحات حوكمة الذكاء الاصطناعي والقدرات المؤسسية اللازمة لتنفيذها، رغم أن اللجنة الجديدة التي جرى تشكيلها لاحقاً قد تمثل فرصة للاستفادة من خصوصية موقع جنوب أفريقيا.

أما إندونيسيا، فتقدم نموذجاً لمحاولة واعية، وإن كانت مقيدة، لتعزيز دور القطاع العام. وفي هذا الإطار، عملت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، التي تقود تنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، على تطوير أدوات عملية تستهدف المجتمعات الأقل حظاً، بدلاً من التركيز على القدرات المتقدمة، من بينها تطبيق يستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية وتقنيات التعلم الآلي، لمساعدة الصيادين التقليديين في تحديد مواقع تجمعات الأسماك، ونماذج لغوية متعددة اللغات مدربة على اللغة الإندونيسية ولغات محلية مثل الجاوية والسوندية، إضافة إلى روبوتات محادثة تُستخدم في الخدمات الحكومية.

وفي أغسطس (آب) عام 2025، أصدرت وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي، تستهدف تدريب 100 ألف عامل سنوياً على المهارات المرتبطة بهذا المجال.

في الواقع، فإن الخيار ليس مجرد الاختيار بين «قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي» و«متلقٍ سلبي»؛ فالتعاون الإقليمي يكتسب أهمية متزايدة. وفي عام 2024، اعتمد وزراء أفارقة استراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي وميثاقاً رقمياً أفريقياً. واستكشف المشاركون في قمة الذكاء الاصطناعي العالمية لأفريقيا، التي عُقدت في كيغالي في أبريل 2025، كيف يمكن للتنسيق الإقليمي، ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغات المحلية، والجامعات الحكومية، وأنظمة المصادر المفتوحة، أن تُقلل من الاعتماد، على المدى الطويل، على أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة بالخارج.

• طريقة مختلفة للتفكير في فجوة الذكاء الاصطناعي. لا يعني أي من هذا أن على الناس إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي أو التخلي عنه، ولا أن تركّز الحوسبة السحابية أو رأس المال الاستثماري أمر سيئ بطبيعته، وإنما ينبغي لنا عندما نتحدث عن «ثورة الذكاء الاصطناعي»، أن نتساءل كذلك: من يستطيع تشكيلها، ومن يستطيع التكيف معها فقط؟

فيما مضى ركزت النقاشات حول الفجوة الرقمية على الأجهزة والاتصال، ثم توسعت لاحقاً لتشمل المهارات والنتائج. إلا أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تُضيف بعداً آخر: التفاوتات المتعلقة بمن يستطيع المشاركة بفاعلية في تحديد غاية الذكاء الاصطناعي، والمشاكل التي يُفترض أن يحلها، والأولويات الاجتماعية التي يخدمها في نهاية المطاف.

وفيما يتعلق بالمهندسين وصناع السياسات، يطرح هذا الأمر تساؤلات صعبة، لكنها ضرورية: هل يجب عليهم أن يصمموا أنظمة وبنى تحتية للذكاء الاصطناعي تُوسّع نطاق المشاركة في تشكيل التغيير التكنولوجي، بدلاً من تضييقه؟ وكذلك وعندما تُطلق الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي أو تُدمجه في الخدمات العامة، فما القيود واللغات والواقع المؤسسي الذي تضعه في الحسبان؟

من جهتهم، يصور الكثير من المراقبين الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بوصفه منافسة، لكن في واقع الأمر لا تقتصر المنافسة التكنولوجية على السرعة فحسب، بل تتعلق كذلك بمن يستطيع التأثير على مسار التغيير.

اليوم، ينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى العالم. ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل سيضمن خبراء التكنولوجيا وصناع السياسات المسؤولون عنه، توسع رقعة المشاركة الفعّالة في صياغة المستقبل؟

كل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية» تقود إلى واقع قائم على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية


فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب
TT

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

لطالما حيّرت العلماء قدرة بعض الطفرات الوراثية على التسبب في عيوب خلقية خطيرة رغم احتفاظ المصابين بنسخة سليمة من الجين نفسه. واليوم توصل باحثون أميركيون إلى تفسير جديد قد يغيّر فهمنا لكثير من الأمراض الوراثية، مفاده أن المشكلة لا تكمن دائماً في الشفرة الجينية ذاتها، بل في الطريقة التي يُطوى بها الحمض النووي داخل الخلايا.

جين محوري لنمو القلب

وكشف باحثون من معاهد غلادستون في الولايات المتحدة، عن أن جيناً محورياً في نمو القلب يُعرف باسم TBX5 يعمل كمهندس معماري ينظم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) DNA داخل الخلايا القلبية. وأظهرت الدراسة التي نُشرت في دورية Science في 23 يوليو (تموز) 2026 أن فقدان نسخة واحدة فقط من هذا الجين يكفي لإحداث اضطراب واسع في تنظيم الحمض النووي؛ ما يؤثر في نشاط عدد كبير من الجينات الضرورية لتطور القلب بصورة طبيعية.

وتقدم النتائج تفسيراً جديداً لأحد أكثر العيوب الخلقية شيوعاً، وهو مرض القلب الخلقي الذي يصيب نحو طفل واحد من كل مائة مولود حول العالم.

• ما وراء الشفرة الوراثية. غالباً ما يُنظر إلى الحمض النووي بوصفه مخطط الحياة أو دليل التعليمات الخاص بالجسم. لكن هذا الدليل لا يقتصر على محتواه الوراثي فحسب، بل يعتمد أيضاً على الطريقة التي يُطوى بها داخل نواة الخلية. فلو جرى فَرد الحمض النووي الموجود في خلية واحدة بالكامل لبلغ طوله نحو مترين. لذلك؛ يجب ضغطه وتنظيمه بدقة شديدة داخل حيز مجهري. غير أن هذا التنظيم ليس مجرد وسيلة لتوفير المساحة، بل إنه يحدد أيضاً أي الجينات يمكن تشغيلها وأيها يبقى خاملاً.

وتوضح الدراسة الجديدة أن جين TBX5 يؤدي دوراً أساسياً في بناء هذا التنظيم المعقد؛ إذ ينسق الروابط بين الجينات والعناصر التنظيمية التي تتحكم في نشاطها. ويقول البروفسور بينوا برونو، مدير معهد غلادستون لأمراض القلب والأوعية الدموية وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن جين TBX5 ليس سوى مثال واحد لفئة واسعة من الجينات التي تؤدي خسارة نسخة واحدة منها إلى عيوب خلقية. وما يثير الحماس في نتائجنا أنها تشير إلى أن كثيراً من هذه الاضطرابات قد تنشأ للسبب نفسه، أي طيّ خاطئ لدليل التعليمات ثلاثي الأبعاد داخل الخلية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للحمض النووي. ولاختبار هذه الفرضية استخدم الباحثون خلايا جذعية بشرية تحتوي على نسختين سليمتين من الجين، أو نسخة واحدة، أو لا تحتوي عليه إطلاقاً ثم حفزوها لتتحول خلايا عضلة قلبية. وبالاستعانة بتقنيات متطورة لرسم الخرائط ثلاثية الأبعاد للحمض النووي، تمكن الفريق من تتبع كيفية تنظيم المادة الوراثية داخل آلاف الخلايا الفردية. كما استعانوا بنماذج حاسوبية متقدمة لتحليل ملايين البيانات الناتجة عن التجارب.

وأظهرت النتائج أن فقدان الجين TBX5 يؤدي إلى انهيار واسع في تنظيم الجينوم على مختلف المستويات من البنى الوراثية الكبيرة وصولاً إلى الحلقات الدقيقة التي تربط الجينات بالعناصر المسؤولة عن تشغيلها.

واكتشف الباحثون أن الجين يعمل بمثابة نظام تحديد مواقع جزيئي molecular GPS يوجه بروتيناً يُعرف باسم «كوهيسين» Cohesin إلى مواقع محددة على الحمض النووي لتشكيل هذه الحلقات التنظيمية. وعندما تنخفض مستويات الجين يفشل الحمض النووي في تكوين الروابط اللازمة فتتعطل الجينات الحيوية المسؤولة عن نمو القلب.

واللافت، أن وجود نصف الكمية الطبيعية فقط من البروتين كان كافياً لإحداث اضطراب كبير في البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي.

رؤية جديدة للأمراض الوراثية

• لماذا تختلف الحالات المرضية؟ كما كشفت الدراسة عن أن تأثير فقدان الجين لا يكون متماثلاً في جميع خلايا القلب. فقد لاحظ الباحثون اختلافات واضحة بين الخلايا الأذينية والبطينية، بل وحتى بين خلايا تنتمي إلى النوع نفسه. ويرى العلماء أن هذه النتيجة قد تفسر سبب ظهور عيوب قلبية مختلفة لدى أشخاص يحملون الطفرة الوراثية ذاتها.

• رؤية جديدة للأمراض الوراثية. ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على العيوب الخلقية في القلب، بل تمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات النمائية. فالكثير من هذه الأمراض يرتبط بحالة تُعرف بـ«قصور الجرعة الجينية» Haploinsufficiency، حيث لا يمتلك الفرد سوى نسخة وظيفية واحدة من جين معين. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذه الاضطرابات قد لا تنجم فقط عن تغير نشاط بعض الجينات، بل لأن انخفاض مستويات بروتينات رئيسية يؤدي إلى اضطراب التنظيم ثلاثي الأبعاد للحمض النووي داخل الخلية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكشف عن آلية جديدة تماماً لحدوث الأمراض الوراثية.

وبدلاً من النظر إلى الاضطرابات الوراثية بصفتها مجرد خلل في تسلسل الحمض النووي، قد يتجه العلماء إلى التركيز على كيفية طيّ الجينوم وتنظيمه داخل الخلايا. ومن شأن فهم هذه التغيرات البنيوية أن يمهد الطريق لتطوير أساليب جديدة لتشخيص الاضطرابات النمائية والوقاية منها وربما تصحيحها قبل أن تُحدث أضراراً دائمة.

ومع استمرار الباحثين في استكشاف الكيفية التي يسهم بها الجين TBX5 في تشكيل البنية المعمارية للجينوم خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم أحد أكثر الأسئلة جوهرية في علم الأحياء هي كيف تسهم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي في تحديد صحة الإنسان قبل الولادة بوقت طويل.