محيي الدين: فرص ضخمة في مجال تكنولوجيا المعلومات لتحسين اقتصادات الدول العربية

النائب الأول لمدير البنك الدولي لـ «الشرق الأوسط» : التعامل مع سوق العمل يحتاج نظرة عميقة

محيي الدين («الشرق الأوسط»)
محيي الدين («الشرق الأوسط»)
TT

محيي الدين: فرص ضخمة في مجال تكنولوجيا المعلومات لتحسين اقتصادات الدول العربية

محيي الدين («الشرق الأوسط»)
محيي الدين («الشرق الأوسط»)

\تشهد منطقة الشرق الأوسط تراجعاً في معدلات النمو خلال عام 2017، بسبب الصراعات وضعف الاستثمار وتراجع أسعار النفط وطول أمد حالة عدم اليقين. وعلى الرغم من كل المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط، فإن الدكتور محمود محيي الدين النائب الأول لمدير البنك الدولي لشؤون التنمية المستدامة يلقي الضوء في حواره مع «الشرق الأوسط» على فرص اقتصادية يمكن أن تستغلها دول المنطقة، بالاعتماد على الطاقات البشرية لديها، وبصفة خاصة الشباب، والاتجاه نحو التفوق في مجال تكنولوجيا المعلومات باعتبارها السلعة الأكثر رواجاً واحتياجاً في اقتصادات القرن الحادي والعشرين.
ويجيب الدكتور محيي الدين عن التساؤلات حول أفضل السبل لمواجهة الإجراءات الحمائية والسياسات الاقتصادية والسياسية التي تتخذها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وأشار إلى الاتجاهات الجديدة في العالم لاستغلال ما يُسمى بالتكنولوجيا المالية (FinTech) التي تُعدّ منصة تكنولوجية جديدة للتعاملات المالية، وما لها من تأثيرات على القطاع المصرفي وما تتطلبه من نظم رقابية وتأمينية.
وتتطرق نائب رئيس البنك الدولي إلى المناقشات والاجتماعات التي يعقدها البنك الدولي وصندوق النقد في اجتماعات الربيع التي بدأت الأسبوع الحالي، ومدى التقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والخطوات التي قامت بها دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وغيرها من الدول في مجال التنمية. وانتقل الحديث من كيفية حماية الطبقات الفقيرة إلى كيفية حماية أصحاب الدخول المتوسطة أيضاً، وتطبيق نظم تأمينية فعالة وتطوير ثلاثة مجالات أساسية، هي التعليم والرعاية الصحية والنقل والمواصلات، لتحريك عجلة النمو ودفع النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل.
ويشير محيي الدين إلى تحديات كبيرة تواجه المجتمع الدولي، مع تهديدات شبح المجاعة الذي يضرب عدة دول أفريقية، ويعرِّض أكثر من 20 مليون شخص لمجاعة قد تكون الأسوأ في التاريخ الحديث، إضافة إلى استمرار أزمة اللاجئين والنازحين الذين تصل أعدادهم إلى 65 مليون شخص. وإلى نص الحوار:

* تواجه منطقة الشرق الأوسط عدة تحديات من صراعات إقليمية وحروب إلى تباطؤ النمو وضعف الاستثمار وانخفاض أسعار النفط مما أدى إلى تباطؤ في تقدم التنمية، ما تقييم البنك الدولي للأوضاع الاقتصادية في المنطقة للعام الحالي وتأثيراتها على معدلات النمو؟ وما المطلوب عمله لتحسين الأداء الاقتصادي للمنطقة؟
- تقديراتنا لمعدلات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2017 هو 2.6 في المائة، وهو معدل أقل من العام الماضي (3.5 في المائة) ومتوسط معدلات النمو في الفترة من 2013 إلى 2015 كان 2.4 في المائة، وهي الفترة التي شهدت انخفاضاً شديداً في معدلات النمو، وحدث قدر من التحسن النسبي في عام 2016 لتصل إلى 3.5 في المائة، ثم تراجُع متوقَّع لعام 2017. وتتحدث التقديرات لما بعد 2017 عن معدلات أعلى للمنطقة بصفة عامة، سواء للدول المصدِّرَة للنفط أو المستوردة، وأسباب الانخفاض والتراجع هي الصراعات وضعف الاستثمار، وتعاني الدول النفطية من تراجع أسعار النفط، مما أثَّر على الدخل القومي وعلى معدل نمو الاستثمارات الآتية إليها وهي أحد مصادر النمو.
والكلام نفسه ينطبق على الدول الأخرى، باستثناء بعض الدول التي نفذت إصلاحات، لكن الوضع الإقليمي كله يعاني إما بسبب تراجع أسعار السلع الأولية، وأهمها النفط، أو بسبب الصراعات الإقليمية وتأثيرها السلبي، سواء على تراجع التجارة أو الاستثمارات أو السياحة أو ضعف الأمن، بما يؤثر على حركة النشاط الاقتصادي بتوجيه جانب من الدخل القومي للجهد الأمني. إضافة إلى زيادة درجة المخاطر وعدم اليقين مما يتسبب في إحجام المستثمرين عن التوسع في الاستثمار القائمة أو الجديدة، ويجعل الناس في حالة ترقب وانتظار طالت عن المألوف لحسم القرارات بشأن الاستثمار.
الأجواء الراهنة لا توحي بتحسن، لكن الآمال معقودة إذا ما حدثت تهدئة للأوضاع المتوترة أمنياً، والتوصل لحلول في الملف السوري وتحسن الأوضاع في ليبيا، وانتهاء الحرب الأهلية في اليمن، سيكون تأثيره ليس فقط إيجابياً في تلك البلدان، وبصفة خاصة ما يتعلق بحفظ الأرواح. النمو إذن مرتَهَن في المنطقة بالاستقرار الأمني واستكمال الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار في إعادة التعمير والبناء.
ولا يوجد اختلاف في تشخيص أسباب تراجع معدلات النمو، إضافة إلى الوضع الاقتصادي العالمي، وتشير التقديرات المتوقعة لمعدل نمو الاقتصاد العالمي لعام 2017 في حدود 2.7 في المائة، وما زال النمو في الدول المتقدمة لا يتجاوز 1.8 في المائة، كما أن إجراءات الحمائية التجارية سيكون لها آثار سلبية.
التراجع عالمياً يرجع لأسباب تتعلق بتراجع السلع الأولية والأساسية، وتتعلق أيضاً بتراجع معدلات نمو الاستثمار، فحتى عام 2010 كان معدل نمو الاستثمار السنوي يقترب من 10 في المائة، الرقم حالياً في حدود 3.4 في المائة ولم يتحسن. والاستثمار هو المحرك الدافع لحركة النمو. أيضاً مشكلات ما نطلق عليه «ظروف عدم اليقين» حول التوجهات الاقتصادية والسياسية ينعكس على الأداء الاستثماري وكلما طالت مدة «عدم اليقين» سيكون تأثيرها سلبياً على الدول.
بالنسبة للمنطقة العربية فهناك أمور ترتبط بالأسواق العالمية، مثل النفط وأسعاره، وأي زيادة في سعره عن خمسين دولاراً تشجِّع للنظر في البدائل الأخرى، مثل التوجُّه إلى زيادة عمليات إنتاج الغاز الصخري والبدائل الأخرى.
* في ظل كل تلك العوامل، في رأيك، ما المطلوب القيام به لتحسين معدلات الأداء الاقتصادي في المنطقة؟!
- على مدى عشرات السنوات، انتفعت دول بالمنطقة من الأسعار المرتفعة للسلع الأولية من القطن إلى النفط إلى السياحة، ولذا فإن اقتصادات القرن الحادي والعشرين تتطلب حلولاً مبتكرة في ظل تغيرات في التكنولوجيا، ومنافسة عاتية تأتي ليس فقط من الدول المتقدمة، وإنما من دول لم تكن من قبل على الخريطة الاقتصادية. والسؤال المطروح، ما السلع والمنتجات والخدمات التي يمكن الاستثمار فيها، وتقدم المحفزات من باب التنويع في القاعدة الإنتاجية، مع الاستمرار في المجالات التقليدية ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي. ولا ننسى أن زيادة التكنولوجيا لها أثر محفز بزيادة الكفاءة والإنتاجية، وهذا مرحَّب به، لكن لها أثر سلبي من ناحية الإحلال محل العمل، وليس كما كان العهد مع الثورة الصناعية، بأن تحل الماكينات محل ذوي الياقات الزرقاء (العمال)، لكن استخدام تكنولوجيا المعلومات، وما يُعرَف بالتطبيقات، أصبح يوثر على جميع المجالات التي كان يحسب الناس أنهم بمأمن عن المنافسة فيها، مثل مجالات العمل الذهني الإنساني، وأصبح الذكاء الاصطناعي يحل محل أعداد من البشر كانوا يشغلون هذه الوظائف من قبل.
والتعامل مع سوق العمل وتحدياته يحتاج إلى نظرة أكثر عمقاً من مجرد برامج تدريبية وتحسين المناهج الدراسية بشكل تقليدي، فالعالم انتقل نقلة غير مسبوقة في الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات، ورغم ما يظهر من هذه العبارات من تحدٍّ وتشاؤم فإن هناك فرصةً جبارةً للدول العربية لسببن؛ الأول أن لديها تدفقاً شبابياً ضخماً، على عكس دول تعاني من الزيادة العمرية في التركيبة السكانية فيها. فالتركيبة السكانية الشبابية هي نعمة، وليست نقمة، إذا ما أحسنَّا استغلالها.
الأمر الآخر أن هناك اهتماماً كبيراً وقديماً بتعلُّم الهندسة والعلوم التطبيقية التكنولوجية الحديثة في الجامعات والمعاهد العربية، ولذا نجد أفضل المختصين في مجال تكنولوجيا المعلومات في أميركا هم العرب.
* تنعقد اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي الأسبوع الحالي للمرة الأولى في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهناك مخاوف من توجهات ترمب الحمائية وإعادة مراجعة اتفاقات تجارية، إضافة إلى تفاقم مشكلات جيوسياسية، كيف يرى البنك الدولي تأثير توجهات إدارة ترمب السياسية والاقتصادية؟
- ينعكس هذا في الأجندة، في اجتماعات الربيع للصندوق والبنك، ووفقاً للاتفاقات المؤسسة للبنك الدولي، فإننا لا نعلق على سياسات دولة بعينها، أو إدارة بعينها، وهذا يمنعنا من التعليق على التوجه، ولكن لا يمنعنا من مناقشة آثاره، وظروف عدم اليقين لها تأثير على اتخاذ القرار الاستثماري وحركة التجارة والاقتصاد.
هذا التوجه ناحية الحمائية واتخاذ تدابير مانعة لحركة التجارة والاستثمار ومن قبلهما حركة البشر، يطرح سؤالاً حول أفضل السبل التي ينبغي لدول المنطقة التعامل من خلالها مع هذه التغيرات، وما نراه أن المجالات الأساسية لسلع وخدمات تقدمها الدول العربية وتتمتع فيها بميزة نسبية تجد السوق مفتوحة لها، وعدد من تلك المنتجات باستثمارات أجنبية محلية، مما يساعد أيضاً في عملية الاستثمار في تلك السلع التي تدخل إلى الأسواق.
الأثر الأخطر هو في تشكيل السياسة الاقتصادية، وعلينا أن ندرس أن من يقوم بقرارات حمائية هي دول لا ترى أن كل فئاتها المجتمعية استفادت من الانفتاح من خلال العولمة، تجارةً واستثماراً ونقلاً للتكنولوجيا.
في المقابل نجد أن دولاً نامية ذات أسواق صاعدة مهتمة بهذا الاتجاه هي الدول التي ترى أن لديها استفادة مثل دول جنوب شرقي آسيا، ودول عربية وأفريقية التي ترى أن الانفتاح شيء جيد لزيادة حجم صادراتها واستثماراتها، وبالتالي السؤال عن السياسات الاقتصادية الجديدة التي يجب على البلدان العربية - كل حسب توجهه، ومعطيات اقتصاده السياسي - أن يقوم بها وما يمكن أن يتم من تدابير خاصة.
أولاً في التعامل الاحتوائي للآثار يمكن أن نؤكد على ضمان توافر نظم التضامن الاجتماعي ومرونة العمل بها لحماية الفقراء، والحديث الآن امتد لأصحاب الدخول المتوسطة، وكل فئات الدخل لها الحق في الحصول على معلومات منضبطة، ومعرفة التوجه الاقتصادي بوضوح، فتأخذ قراراتها في تدوير أصولها وتوجيه استثماراتها.
أما أصحاب الدخول الأدنى والفقراء، فقد تم التعارف على ما يمكن تقديمه لهم من نظم دعم عينية ونقدية وبعض السلع الأساسية. والتحدي هو كيفية مساندة الطبقة الوسطي في مواجهة هذه التحديات مع التغييرات التي حدثت في عدة بلدان، مع الإجراءات الإصلاحية، وتغير أسعار الصرف والتضخم وزيادة معدلات البطالة.
ويناقش البنك الدولي في اجتماعات الربيع إجراءات نظم الضمان الاجتماعي المختلفة، ففي حالة فقدان شخص لعمله لظروف مرتبطة بالقطاع الذي يعمل به، تشير تجارب بعض الدول (مثل دول شمال أوروبا) إلى نظم تستطيع أن تغطي أجر هذا العامل بمقدار 90 في المائة، وتمتد الفترة إلى أربع سنوات إلى أن يجد عملاً آخر، في إطار نظام مرن وآمن، وفيه إلزام شديد لا يعرف التهاون في تحصيل الضرائب والتأمينات الاجتماعية على كل مشغّل.
وواحدة من المشكلات التي شهدتها بعض القطاعات الرائجة في البلاد العربية، مثل السياحة، هي أن أغلب العاملين لم يكن مؤمَّناً عليهم فكيف نتوقع من الدولة المساندة والمساعدة في حال عدم وجود تأمينات؟! والآن مع عودة مرتقبة للنشاط الاقتصادي لهذه القطاعات مطلوب شيئان: أولاً الاطمئنان على وجود نظام تأميني فعال، وثانياً أن يتم فتح حساب داخل إحدى مؤسسات النظام المالي الرسمي.
ولحماية الطبقات المتوسطة، يجب النظر إلى المجالات التي ينفق أبناء الطبقة الوسطي أموالهم فيها، وهي ثلاثة مجالات أساسية: التعليم والرعاية الصحية والنقل. ولذا يجب العمل لإيجاد تعليم جيد وإنشاء مدارس نموذجية وربطها بتكنولوجيا المعلومات. وفي قطاع الرعاية الصحية وتكلفة العلاج نجد أن عدم وجود نظم متكاملة للرعاية الصحية تعد من المشكلات الكبرى التي تواجه كل أبناء الطبقة الوسطي وبعض الأغنياء. ومن أفضل النظم في التأمين الصحي الشامل النظام الياباني، واستطاعت بعض الدول تطبيقه بشكل جيد خلال فترة وجيزة من الزمن، مثل تايلاند، لما له من مزايا حول شمولية التأمين لكل الفئات وحصر للاحتمالات المختلفة للأمراض الوبائية وغير الوبائية، وربط النظام بالوحدات الصحية المختلفة ووضع نظم للتمويل مستدامة سواء من الدولة أو جهة التشغيل أو المنتفع بالتأمين، وربط ذلك كله بنظام شامل وتفاصيل هذا النظام موجودة على موقع البنك الدولي.
البند الثالث، وهو ما يُنفَق على النقل والمواصلات. ما نفتقده في الدول العربية هو نظم النقل الجماعي اللائقة مبنية على منافسة لوسائل مختلفة للنقل، والأمر يتعلق بالاستثمار في البنية الأساسية المرتبطة بالنقل الجماعي الآدمي، ولدينا تجارب في دول أميركا اللاتينية تم عمل عدد من المشاريع وفيتنام بها نموذج بديع لحافلات مربوطة بتكنولوجيا المعلومات.
هذه البنود الثلاثة تحتاج إلى مشاركة بين الحكومات والمجتمع والحكومات والقطاع الخاص، والميزة أن الحلول التي تم تطبيقها ما نجح منها معروف، وما فشل منها معروف، وهي مجال مهم للاستثمارات العامة والخاصة وتحرك عجلة النمو وتحرك النشاط الاقتصادي وتخلق فرص عمل. وأؤكد أن الحل الأفضل دائما لزيادة الدخول من خلال زيادة الإنتاجية وفرض العمل المرتبطة بالاستثمار والنمو.
من جانب آخر، لدينا محافظات وعواصم في بعض الدول العربية يفوق عدد سكانها 5 ملايين نسمة، وهذا يعني أنها سوق دولة وليست سوق محافظة، وتعني الحاجة لنوع من التمويل للمحليات يتجاوز الطريقة التقليدية التي تمول المحليات في أغلب الدول العربية. لدينا في البنك الدولي دليل للتمويل على مستوى الحكومات المحلية، ونظم ضرائبية للمحليات مثل الضريبة العقارية على سبيل المثال التي تختلف قيمتها من مكان لمكان ومن حي لآخر وهي تنعكس على خدمات النظافة والأمن والترفيه ودور رعاية الأطفال وكبار السن والمدارس وغيرها، وأغلب النظم لإدارة المحليات في الدول العربية لديها مصادر دخل من جهتين: ما تحوِّله لها النظم المركزية الحكومية من أموال، وما تحصله من إتاوات التي تفرضها الجهات المحلية على محال والأنشطة التجارية، وهي عملية غير منضبطة وليس بها استدامة وليست اقتصادية.
ويجب أن تكون الضريبة العقارية تنفق في حدود الحي والمحافظة وليس إلى الموازنة العامة، وهذا جيد لأن كفاءة التحصيل تكون كبيرة، إضافة إلى أن المواطن يجد المردود أمامه. وهناك نحو 18 مصدراً للإيرادات المحلية، إضافة للضريبة العقارية يمكن النظر فيها من إيجار الأماكن، وحسن استخدام الأصول غير المستغلة، وإدارة المحفظة المالية للوحدة المحلية. وتطبيق هذه النظم لها تأثيران: أولهما تأثير مالي والآخر مجتمعي إيجابي، فيما يتعلق بانتخابات المحليات والمشاركة، وتقليل العبء على الموازنة العامة، وتحسين الخدمات التي يعاني المواطن من تراجعها. وعندما تزداد معدلات النمو في دولة ما، ولا يشعر المواطن بها، فهذا يرجع إلى بعض الخدمات الرئيسية لا تصل إليه، ولا يمكن توفيرها إلا من خلال أنظمة جيدة تبدأ من المركز وتنتهي عند المحليات.
وهناك دول كثيرة مرت بهذه التجربة، ونماذج من موازنات محلية لدول طبقتها، ويمكن للدول العربية أن تطلب من مراكز البنك الدولي تعريفهم بهذه التجارب؛ وأحد الأدوار التي يمكن أن يساعد البنك الدولي فيها تقديم العون الفني، واستقدام خبراء من هذه الدول.
* ما الجديد الذي تناقشه اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، وما أكثر المشكلات الملحَّة التي تبحثها المؤسسات الدولية؟
- هناك اجتماعات دورية للجنة التنمية التي يجتمع فيها كل محافظي البنك لمناقشة عمل البنك في الفترة المقبلة، واستهداف زيادة نشاط البنك، وما يرتبط به من اجتذاب رؤوس أموال، ومناقشة ورقة النظرة المستقبلية لعمل البنك الدولي، وهناك مناقشات مهمة حول تطبيق برامج 2030 للتنمية المستدامة والنظر في تجارب عدد من الدول العربية التي قامت بتنفيذ برامج للتنمية المستدامة مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، والمغرب، وغيرها، وتشجيع دول عربية في سبيلها لتنفيذ برامج التنمية المستدامة بالتركيز على ثلاث موضوعات، مثل هيكل المعلومات المطلوب، ووسائل التمويل سواء عامة أو خاصة محلية أو خارجية، ودور المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية في تطبيق البرامج. ويتحدث وزراء وخبراء في جلسات مختلفة بمشاركة عربية والأمم المتحدة وعدد من المؤسسات المالية، إضافة إلى جلسات حول التمويل لدى الدول الأكثر فقراً، والدول التي لا تشرف على سواحل وبحار، ولقاء مهم ما بين البنك الدولي والأمم المتحدة عن موضوع تهديدات المجاعة، وهي من المشكلات التي تُعدُّ مشكلة ملحَّة في الوقت الحاضر، فلدينا في عدد من الدول النامية وأغلبها دول أفريقية، هناك أكثر من 20 مليونَ شخص مهددٍ بالمجاعة، والآن لدينا مشكلة ضخمة خاصة بالتمويل الذي تحتاج إليه الدول. وقد أصدر الأمين العام للأمم المتحدة استغاثة لمساعدة أربع دول، هي: نيجيريا والصومال وجنوب الصومال واليمن، وأضفنا لها الدول المجاورة لهذه الدول الأربع، مثل أوغندا وإثيوبيا وكينيا، التي تتأثر عندما يحدث نزوج ولجوء والاحتياجات المالية لهذه البلدان ضخمة، وآخر تقدير للاحتياجات المالية إلى نهاية عام 2017 هو 6 مليارات دولار.
كل دولة من الدول المهددة بشبح المجاعة جرت إقامة مؤتمرات تنتهي بالتزام من المشاركين بدفع معونة ومساندة لها، وتعهد البنك الدولي بنحو 1.6 مليار دولار نصفُهُم من مؤسسة التنمية الدولية، لكن المطلوب جهد لإنقاذ هذه الدول، لأنه ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة فإن العالم - وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة وتقديرات البنك الدولي - سيشهد ما يمكن أن يكون أسوأ مجاعة في التاريخ الحديث بشكل أسوأ من المجاعات التي حدثت في أفريقيا والصومال في ثمانينات القرن الماضي. وما يعقِّد المشكلة أن المجاعة السابقة كانت مرتبطة بتغير المناخ وشح المياه (كلها مشكلات طبيعية)، والآن المشكلة يضاف إليها الصراع والحروب الأهلية، مما يعقد من وصول المعونة وتأمين أفراد الإغاثة واحتمالات سرقة المعونات وبيعها في الأسواق السوداء. المشكلة مضاعفة عما كانت من قبل. هناك أيضاً مناقشات حول موضوع المهجرين، وقد خفت الحديث عن أزمة المهاجرين وكأن الموضوع انتهى، لكن المشكلة باقية وملحَّة وهناك 65 مليون شخص مهجرٍ ونازح ولاجئ خارج الأوطان.
ولدينا عدد من الأنشطة حول التكنولوجيا المالية Financial Technology (FinTech,) ومدى تأثير هذه التكنولوجيا على كفاءة الوساطة المالي وكفاءة البنوك إيجابياً برفع الكفاءة، وسلبياً بإحلال تلك التكنولوجيا محل البنوك.
*هل يمكن أن تشرح أكثر، ما خصائص التكنولوجيا المالية وتأثيراتها على قطاع المصارف والبنوك؟
- البنوك منذ نشأتها كانت دائماً سبَّاقة في استخدام المستحدث من التكنولوجيا في عملها سواء في جمع المدخرات أو الإقراض، ووفرت في عدد العاملين، الجديد أن التكنولوجيا كأداة بدأت تتحرك لتحل محل المصارف، والحديث الآن يدور حول الرصيد أو المنصة لتربط ما بين مواطن أميركي وآخر برازيلي وآخر صيني، يتواصلون بهذه التكنولوجيا غير القابلة للاختراق، للتأكد من الهوية المضمونة لكل فرد للإقراض والاقتراض. وستكون التعاملات مباشر عبر ساحة أو منصة للتواصل المباشر، وهي ميزة لمقدم ومستهلك القرض، لكنها تشكل خطراً على القطاع المصرفي والحديث حول التكنولوجيا المالية يشير إلى ضرورة أن يطور القطاع المصرفي من الخدمات التي يقدمها ويرفع الكفاءة ويقلل الهامش ما بين الإيداع والإقراض.
الجديد أيضاً ما يُعرَف بحشد التمويل، وهو مبني على أن هذه القرية العالمية أصبحت متواصلة بنظام حماية لنقل الأموال، معقدٍ غير قابلٍ للاختراق، وكل من ينتقد عملة «البيت كوين» فعليه أن يعرف أن البنك حافظ للسجلات بين المتعاملين، فإذا أدت التكنولوجيا مهمة حفظ السجلات وقامت بمعرفة العميل ورقمه القومي الاجتماعي، سيكون هناك كمّ تفصيلي كبير من المعلومات والبيانات، وهي توضَع في نظام مؤمّن غير قابل للاختراق.
وبدأ تطبيق التكنولوجيا المالية بتوسع شديد في كاليفورنيا، والآن أصبح في الساحل الشرقي في نيويورك، التي تعد معقل المصارف والمؤسسات المالية و«وول ستريت». ويتطلب الأمر أربعة عناصر أساسية لتعظيم الفوائد من هذا النظام التكنولوجي المالي، وتجنب سوء الاستغلال... الأول: نظام للرقابة حتى يضمن أمان هذا النظام، ثانياً: أن تكون حقوق المستهلكين مصونة، سواء للمودع أو المقترض. وثالثاً: التوسع في الثقافة التمويلية والاهتمام بالثقافة المالية، وأن يسعى كل طالب عندما يحصل على بطاقة الهوية إلى أن يفتح حساباً بالبنك حتى يبني ثقافته المالية من خلال التعامل. رابعاً: المنافسة بين الجهات لأن مَن لديه حقوق ابتكارية في هذا المجال يمكن أن ينال حقوقاً احتكاريةً مبكِّرَة.
ونناقش التكنولوجيا المالية من مستويين؛ فهي وسيلة للشمول والدمج المالي، لكن هناك تحديات رقابية وتأمينية واستهلاكية مهمة لحماية المستهلك. نناقش أيضاً خلال اجتماعات الربيع، مستقبل المدن والاستثمار في البنية الأساسية للمدن الجديدة والقائمة لتتوافق مع الكثافة السكانية والزيادة الديموغرافية.
* تم إطلاق أهداف التنمية المستدامة 2030 في عام 2015 التي شملت 17 هدفاً عاماً (من أهمها القضاء على الفقر والجوع وتوفير الرعاية الصحية والتعليم والمياه والطاقة وتحقيق المساواة بين الجنسين) و169 هدفاً فرعياً، إضافة إلى 230 مؤشراً لمتابعة مدى تنفيذ أهداف التنمية. هل يمكن تقييم مدى التقدم في تنفيذ تلك الأهداف خلال العامين الماضيين؟
- إحدى المناقشات التي ستدور خلال اجتماعات الربيع للصندوق والبنك تتناول أهداف التنمية المستدامة وسيتم إعلان مدى تقدُّم كل الدول الأعضاء، بما في ذلك الدول العربية في تنفيذ تلك الأهداف بناء على مؤشرات التنمية، ونتابع ما حدث من خطوات ونسعى لتقديم المساعدة الفنية للدول التي بدأت في التنفيذ، ونشجع الدول الأخرى لتقوم بتنفيذ أهداف التنمية سواء مع البنك الدولي أو مع مؤسسات مختلفة.
وبصفة عامة، من المبكر تقييم ما تم إنجازه خلال عامين، لكن المؤشرات تشير إلى أن بعض الدول أخذت خطوات وقد قمتُ بكتابة فصل عن التنمية في الدول العربية، في كتاب أصدره البنك الدولي. وكان أداء الدول العربية في أهداف التنمية المستدامة محبطاً في دول، وجيداً في دول أخرى، في مجالات مثل التعليم الأساسي، والآن هناك تركيز دولي وتقييم على جودة وكفاءة التعليم وليس عدد المدارس وعدد الطلبة. وأيضاً في مجال الرعاية الصحية ولم يعد التقييم حول عدد مستشفيات والأجهزة الطبية وإنما نوعية العلاج الطبي وكفاءته وتكلفته. وهناك تحديات كبيرة مطلوب تضافر الجهود في تنفيذ أهداف التنمية.
وقد تحقق بعض النجاح في المنطقة العربية في توفير مياه الشرب، لكن هناك مشكلة كبيرة في توصيل الصرف الصحي حتى في دول تعد عالية الدخول. وفيما يتعلق بمؤشر التعليم والمشاركة في السوق والمشاركة السياسية، حدث تقدُّم في مؤشر التعليم، لكن مؤشر المشاركة في السوق والاقتصاد ليست على القدر المأمول، ومؤشر المشاركة السياسية به تبايُن شديد.
وعندما نتكلم عن تراجع المشاركة الاقتصادية للمرأة نشير إلى أنه نوع من الغباء السياسي وغبن في الحقوق، فالحق يُعطى حتى لو بتكلفة، فماذا إذا كان إعطاء الحق يزيد من الإنتاجية، ويزيد من ديناميكية الاقتصاد؛ فهو في النهاية غبن وإهدار لحقوق المرأة وغباء اقتصادي.



هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
TT

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة، وذلك بعد أن كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تراجع في الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، نتيجةً لانخفاض القطاع السكني. فالتراجع المسجّل خلال الربع الأول من عام 2026، جاء كمؤشر على إعادة تصحيح طبيعية للأسعار، تسهم في تعزيز كفاءة السوق ومواءمتها مع مستويات الطلب الفعلي.

وفي الوقت الذي يقود فيه القطاع السكني هذا التحول، تواصل القطاعات الأخرى إظهار قدر من التماسك، ما يعزز من صورة سوق عقارية أكثر نضجاً وقدرة على الاستقرار في مواجهة المتغيرات الاقتصادية. ويؤكد مختصون في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، أهمية هذا التراجع في رفع نسبة تملك المسكن الأول للمواطن، مع إتاحة العقارات بأسعار متوازنة في السوق المحلية، موضحين أن العرض يستمر في الارتفاع أمام الطلب، متوقعين في الوقت ذاته أن تشهد المنظومة تراجعاً خلال الفترة المقبلة.

تأثيرات قرارات ولي العهد

وأوضح المختص في الشأن العقاري رئيس «مجموعة أماكن الدولية» خالد الجاسر، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرارات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على القطاع، وأسهمت في هذا الانخفاض، ما يعكس مرحلة تصحيح وتنظيم.

وكشف عن أبرز تأثيرات قرارات ولي العهد في ضبط أسعار الأراضي البيضاء والحد من الاحتكار، ورفع كفاءة السوق وتقليل المضاربات، والتوجيه نحو التملك الحقيقي بدلاً من الاستثمار العشوائي، بالإضافة إلى تشديد بعض السياسات التمويلية للحد من التضخم العقاري، وأشار إلى أهمية مشاريع الإسكان الحكومية والخاصة، التي أسهمت في رفع عدد الوحدات المتاحة، وفرض رسوم الأراضي البيضاء، ما أسهم في تقليل تخزينها دون تطوير، إلى جانب زيادة تكلفة التمويل العقاري، ما يقلل من الطلب. وبيّن الجاسر أن التوجه الحكومي في الانخفاض كان «مقصوداً جزئياً» لدعم المواطن، ومن أهم تلك المحفزات: برامج مثل «سكني» التي تقدم دعماً مباشراً، وتسهيلات التمويل المدعوم من الدولة، وزيادة الخيارات بأسعار تنافسية، وأيضاً ضبط السوق لمنع تضخم الأسعار غير المبرر.

نمو متوازن

ويرى أن الأسعار أصبحت أقرب للقيمة الحقيقية، وأقساط أقل نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، وأن هناك فرصاً أكبر لامتلاك أول مسكن مع تقليل المخاطر المالية طويلة المدى.

وتوقع رئيس «مجموعة أماكن الدولية» أن تميل الأسعار إلى الاستقرار في الفترة المقبلة مع نمو متوازن وليس ارتفاعات حادة، وكذلك استمرار المشاريع الكبرى (مثل مشروع نيوم وغيره)، ما يدعم الطلب، وأن السوق ستتجه نحو الجودة بدل الكمية. وأكد الجاسر أن هذا الانخفاض في المؤشر العقاري سينعكس على معدل التضخم في السعودية.

الحد من ارتفاع الأسعار

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي يعد إشارة إلى دخول السوق مرحلة أكثر توازناً، خصوصاً في القطاع السكني الذي قاد التراجع بنسبة 3.6 في المائة. وواصل المبيض أن هذه المؤشرات لا تعني ضعفاً عاماً في السوق، بقدر ما تعكس إعادة تموضع للأسعار بعد موجات ارتفاع سابقة، بينما يظل القطاع التجاري والزراعي في مسار مختلف وأكثر تماسكاً.

الأراضي السكنية

وشهد القطاع السكني انخفاضاً سنوياً بنسبة 3.6 في المائة في الربع الأول. وتعود أسباب هذا التراجع إلى انخفاض أسعار مكونات رئيسية في هذه المنظومة، وهي:

- الأراضي السكنية: سجَّلت انخفاضاً بنسبة 3.9 في المائة.

- الفلل: شهدت التراجع الأكبر في هذا القطاع بنسبة 6.1 في المائة.

- الشقق: انخفضت أسعارها بنسبة 1.1 في المائة.

الأدوار السكنية: خالفت الاتجاه العام للقطاع وسجَّلت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة.

العقارات التجارية والزراعية

في المقابل، أظهرت العقارات التجارية والزراعية صموداً ونمواً خلال الفترة نفسها. وسجَّل القطاع التجاري ارتفاعاً إيجابياً بنسبة 3.4 في المائة، مدعوماً بارتفاع أسعار قطع الأراضي التجارية 3.6 في المائة، والعمائر 2.6 في المائة، في حين تراجعت أسعار المعارض والمحلات 3.5 في المائة. أما القطاع الزراعي، فحافظ على وتيرة نمو قوية بلغت 11.8 في المائة، متأثراً بشكل مباشر بارتفاع أسعار الأراضي الزراعية بنفس النسبة.

المناطق الإدارية

أظهرت المناطق الإدارية تبايناً كبيراً في مستويات الأسعار، حيث حقَّقت المنطقة الشرقية أعلى ارتفاع في الأسعار بنسبة 6.9 في المائة، تلتها نجران 3.5 في المائة، ثم تبوك وعسير.

وبالنسبة إلى المناطق المنخفضة، سجَّلت الباحة أكبر تراجع بنسبة 9.2 في المائة، تلتها حائل 8.0 في المائة، والحدود الشمالية 6.6 في المائة. وفي المدن الكبرى، سجلت منطقة الرياض انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة، بينما كان التراجع في مكة المكرمة طفيفاً بنسبة 0.7 في المائة. وعلى أساس ربع سنوي مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، سجَّل المؤشر العام انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.


مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
TT

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، حيث تستقبل دول من بينها ماليزيا وأستراليا، الإمدادات حتى بعد أن مددت بكين القيود المفروضة الشهر الماضي إلى أبريل (نيسان)، وذلك وفقاً لبيانات الشحن والتجار.

كان خفض الصادرات في أبريل أعمق مما كان عليه في مارس (آذار)، وفقاً لشركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، حيث بلغ إجمالي شحنات الديزل ووقود الطائرات والبنزين إلى وجهات أخرى غير هونغ كونغ 320 ألف طن متري في الأسبوعين الأولين من هذا الشهر؛ أي سدس مستويات العام الماضي فقط.

ولطالما فرضت الصين، رابع أكبر مُصدّر للوقود النظيف في آسيا، قيوداً على صادراتها من الوقود عبر نظام الحصص. وجاءت هذه القيود عقب اندلاع الحرب مع إيران، في وقتٍ خفّضت فيه مصافي التكرير في آسيا والشرق الأوسط إنتاجها بسبب صعوبة تأمين النفط الخام، مما زاد من شحّ الإمدادات في أسواق الوقود.

ووفقاً لبيانات شركة «فورتيكسا»، شملت شحنات الصين في أبريل 234 ألف طن مُجمّعة إلى فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وأستراليا والفلبين، بالإضافة إلى 82 ألف طن إلى جنوب آسيا عبر سنغافورة.

في الوقت نفسه، حافظت مصافي التكرير على مستويات شحن عالية إلى هونغ كونغ، مستفيدةً من هوامش الربح التي ارتفعت نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفقاً لتجار وبيانات الشحن.

وفي منتصف مارس، أصدرت بكين قراراً بحظر صادرات الوقود لإعطاء الأولوية لإمداداتها المحلية، حسبما أفادت به مصادر في ذلك الوقت. وتستثني القيود، التي لم تعلنها الصين رسمياً، هونغ كونغ وماكاو، بالإضافة إلى تزويد الطائرات بالوقود للرحلات الدولية وبيع وقود السفن للشاحنين في الرحلات الدولية.

صادرات مارس

وأفادت مصادر بأن الصين مدَّدت قيودها إلى أبريل لتعويض خفض الإنتاج في مصافي التكرير المملوكة للدولة بشكل رئيسي، مع استثناءات لكميات صغيرة للمشترين الإقليميين الذين طلبوا المساعدة لتخفيف نقص الوقود. وبينما سارعت مصافي التكرير في شحن بعض البضائع قبل صدور أمر مارس، تخضع صادرات أبريل لتدقيق أشد، وفقاً لتجار ومحللين.

وقال مدير تجارة الوقود في شركة مملوكة للدولة لوكالة «رويترز»، رافضاً الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن بكين ستتولى «ترتيب جميع الشحنات» في أبريل باستثناء تلك المتجهة إلى هونغ كونغ، مما سيؤدي إلى انخفاض حاد في الصادرات مقارنةً بشهر مارس.

وفي مارس، بلغت صادرات أنواع الوقود الثلاثة إلى أسواق تشمل سنغافورة وماليزيا والفلبين وأستراليا وفيتنام وبنغلاديش 436 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 20 في المائة عن 551 ألف برميل يومياً في فبراير (شباط)، وفقاً لشركة «فورتيكسا».

وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» انخفاض الصادرات من خارج هونغ كونغ بمقدار الثلث لتصل إلى 250 ألف برميل يومياً في مارس، مقارنةً بـ375 ألف برميل يومياً في فبراير. ولا تتطابق بيانات جهات التتبع دائماً بسبب اختلافات محتملة في التصنيف.

وقال المحلل زمير يوسف، من شركة «كيبلر»: «ظلت التدفقات إلى ماليزيا وفيتنام قريبة من مستويات ما قبل الحظر، مما يشير إلى أن بكين تتخذ قرارات تخصيص مدروسة بدلاً من فرض قيود شاملة». ويتسق هذا مع استعداد وزارة الخارجية المعلن للتعاون مع دول جنوب شرق آسيا المجاورة في مجال أمن الطاقة.

وأظهرت حساباتٌ مبنيةٌ على بياناتٍ جمركيةٍ نُشرت يوم السبت، أن صادرات شهر مارس من الديزل والبنزين ووقود الطائرات مجتمعةً -بما في ذلك إلى هونغ كونغ- كانت ثابتةً مقارنةً بشهر فبراير، لكنها انخفضت بنسبة الربع عن العام السابق لتصل إلى 2.58 مليون طن، حيث تراجع البنزين بنسبة 68 في المائة خلال الشهر، وانخفض وقود الطائرات بنسبة 13.1 في المائة. بينما حافظ الديزل على استقراره. وتشمل الأرقام الجمركية شحنات البضائع والمبيعات من المستودعات الجمركية لتزويد الطائرات بالوقود وتزويد السفن بالوقود.

تدفقات هونغ كونغ مستقرة

وأظهرت بياناتٌ من مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية وشركة «فورتيكسا» أن الشحنات الصينية من كيروسين الطائرات والديزل إلى هونغ كونغ لم تشهد تغييراً يُذكر، حيث بلغت 166 ألف برميل يومياً في مارس.

وقال تجارٌ إن مصافي التكرير التي حافظت على تدفقات هونغ كونغ مرتفعةً، حققت هوامش ربحٍ تصديريةً قوية.

واستقرت هوامش معالجة الديزل ووقود الطائرات في آسيا عند مستويات تزيد على ضعف وثلاثة أضعاف مستويات ما قبل النزاع، حيث بلغت نحو 45 دولار و56.50 دولار للبرميل على التوالي، في 20 أبريل، بعد أن سجلت مستويات قياسية في نهاية مارس.


إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية في وقت سابق من هذا العام. وتتجاوب هذه الخطوة مع الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا بعدم دستورية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب بُعيد بدء رئاسته الثانية وبموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية بغية «جعل أميركا غنيّة مجدداً». ويتوقع أن تُتاح استردادات بقيمة 127 مليار دولار في المرحلة الأولى، علماً بأن الاستردادات يمكن أن تصل إلى أكثر من 166 مليار دولار في وقت لاحق.

وعلى الرغم من أن المستهلكين لن يتلقوا شيكات استرداد مباشرة، فإن البعض قد يسترد أمواله من خلال شركات التوصيل مثل «فيديكس»، بالإضافة إلى الدعاوى القضائية الجماعية الجارية التي تستهدف كبرى متاجر التجزئة، مثل «كوستكو» و«راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز». وأمرت المحكمة العليا بأكثرية ستة أصوات مقابل ثلاثة أصوات في 20 فبراير (شباط) الماضي بأن الرئيس ترمب قد تجاوز صلاحيات الكونغرس في تحديد الضرائب عندما فرض معدلات ضريبية جديدة على واردات المنتجات من كل دول العالم تقريباً، مُشيرة إلى العجز التجاري الأميركي بصفته حالة طوارئ وطنية. وقرر قاضٍ في محكمة التجارة الدولية الأميركية لاحقاً أن الشركات الخاضعة لهذه الرسوم الجمركية يحق لها استردادها. وخلص تقرير صادر عن مؤسسة الضرائب في فبراير أيضاً إلى أن الرسوم هذه تُعادل زيادة ضريبية قدرها ألف دولار لكل أسرة. وتقتصر أهلية المرحلة الأولى على المستوردين الذين دفعوا هذا النوع من الرسوم الجمركية، على أن يكون المتقدم هو المستورد المسجل أو وسيط الجمارك المرخص الذي قدم البيان الجمركي.

• 330 ألف مستورد

وأفادت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في ملفات المحكمة بأن أكثر من 330 ألف مستورد دفعوا زهاء 166 مليار دولار أميركي رسوماً على 53 مليون شحنة. مع ذلك، لا تستوفي كل هذه المدفوعات شروط استرداد المرحلة الأولى. ومن 330 ألف مستورد دفعوا الرسوم، لم يُكمل سوى 56497 مستورداً التسجيل في نظام الدفع الإلكتروني التابع لهيئة الجمارك وحماية الحدود حتى 14 أبريل (نيسان) الماضي، مما يجعلهم مؤهلين لاسترداد رسوم جمركية بقيمة إجمالية قدرها 127 مليار دولار، شاملة الفوائد. وسيتم التعامل مع باقي المستوردين والشحنات في مراحل لاحقة. وتعهدت «فيديكس»، التي كانت تجمع الرسوم مباشرة من المستهلكين، بإعادة المبالغ المستردة إلى العملاء الذين دفعوها. وأفادت في بيان بأن «هدفنا واضح: إذا تم إصدار أي مبالغ مستردة لـ(فيديكس)، فسنرد رسوم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية المدفوعة إلى الشاحنين والمستهلكين الذين تحملوا هذه الرسوم».

وكانت الشركة توقفت عن تحصيل الرسوم بعد يومين من قرار المحكمة العليا. وكانت شركة «كوستكو» رفعت دعوى قضائية فيدرالية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طعنت فيها بكل رسوم قانون سلطات الطوارئ بوصفها غير قانونية، مطالبة بإصدار أمر برد كامل المبالغ المدفوعة، بما فيها الفوائد. والتزمت الشركة بتحويل أي مبالغ مستردة تتلقاها مباشرة إلى أصحابها.

ونقلت صحيفة «بيوجت ساوند بيزنس جورنال» عن الرئيس التنفيذي لـ«كوستكو» رون فاكريس قوله: «كما فعلنا في السابق، عندما نجحت الطعون القانونية في استرداد الرسوم التي تم تمريرها بشكل أو بآخر إلى أعضائنا، فإن التزامنا هو إيجاد أفضل طريقة لإعادة هذه القيمة من خلال خفض الأسعار». ورفعت شركات كبرى أخرى دعاوى قضائية مماثلة، بما في ذلك شركات تصنيع النظارات «راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز».

وتُقدر إدارة الجمارك وحماية الحدود أن تستمر عمليات استرداد الرسوم من 60 إلى 90 يوماً من تاريخ قبول الإقرار. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الشريكة في شركة «آيس ميلر» ميغان سوبينو توقعها «حدوث بعض المشاكل» على غرار «أي برنامج إلكتروني». وقالت: «تُعدّ الدقة بالغة الأهمية أيضاً، إذ يمكن رفض الطلبات في حال وجود خطأ في التنسيق أو البيانات، كما أن معلومات الحساب المصرفي غير الصحيحة ستؤدي إلى تأخير أو منع الدفع».