الرياض تكشف عن 30 مشروعاً لإنتاج الطاقة المتجددة

توجه سعودي لتصدير مزيج الطاقة الأمثل والتقنيات المتقدمة

الرياض تكشف عن 30 مشروعاً لإنتاج الطاقة المتجددة
TT

الرياض تكشف عن 30 مشروعاً لإنتاج الطاقة المتجددة

الرياض تكشف عن 30 مشروعاً لإنتاج الطاقة المتجددة

أعلن المهندس خالد الفالح، وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي، إطلاق برنامج الملك سلمان للطاقة المتجددة، وتحديد 30 مشروعاً لإنتاج 10 غيغاواط من الطاقة المتجددة، كاشفاً عن توجه بلاده لتصدير مزيج الطاقة الأمثل والتقنيات المتقدمة.
وأضاف الفالح خلال منتدى الاستثمار في الطاقة المتجددة في العاصمة السعودية الرياض أمس، أن غالبية إنتاج الكهرباء ستكون من الطاقة الشمسية بجانب طاقة الرياح والطاقة الحرارية، وذلك في جميع المناطق، من خلال 30 مشروعاً على مدى الأعوام السبعة المقبلة، تنتهي في عام 2023، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة المتجددة يبلغ 300 مليار دولار، بطاقة بلغت 150 غيغاواط عام 2016.
ولفت الفالح إلى أن إطلاق هذه المبادرة، جاء بعد اتخاذ بلاده كل التدابير وخطوات جوهرية لازمة لتطوير صناعة طاقة متكاملة ومتنوعة، معززة بذلك مكانة المملكة المزود الأكبر - والأكثر موثوقية - للطاقة في العالم.
وقال الفالح: «في إطار (الرؤية 2030)، تمت إعادة هيكلة كثير من الأجهزة الحكومية، من بينها وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، وهو ما مكن الوزارة من إطلاق كثير من الخطوات التطويرية بسلاسة وسرعة، ضمن حزمة من المسارات المهمة، منها رسم خطة الطريق لقطاع الصناعة الوطنية وإعادة إطلاق قطاع التعدين من خلال استراتيجية جديدة للقطاع».
وأكد أن ذلك يأتي ضمن إعادة هيكلة قطاع الطاقة، وتنويع مصادر الطاقة، ويشتمل على مضاعفة إنتاج الغاز في المملكة بحلول عام 2030، مقارنة بمستواه في عام 2015، إضافة إلى إطلاق برنامج لإدراج الطاقة النووية ضمن هذا المزيج خلال الأعوام المقبلة، وصولاً إلى تحقيق مزيج الطاقة الأمثل بالمملكة بصفة مستدامة.
وذكر أن برنامج الطاقة المتجددة سيشمل تطوير 30 مشروعاً تنفذ خلال الأعوام الـ7 المقبلة لإنتاج 10 غيغاواط من الطاقة الكهربائية المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة، تضاف إلى مزيج الطاقة الكهربائية بالمملكة، لتصبح نسبة الطاقة المتجددة بحلول عام 2023 بمعدل 10 في المائة من إجمالي قدرات الطاقة الكهربائية بالسعودية.
وقال الفالح: «سيسهم هذا التوجه في تحقيق الأهداف الوطنية والالتزامات الدولية في المملكة فيما يتعلق بحماية البيئة والتغير المناخي، الذي سيمكنها من الإسهام في الجهود المستهدفة لخفض انبعاثات الاحتباس الحراري، بما يعادل 130 مليون طن سنويا من غاز ثاني أكسيد الكربون المكافئ بحلول عام 2030». وأضاف الوزير أن العمل بدأ على إعادة هيكلة قطاع الكهرباء بالمملكة، استناداً إلى 4 أسس رئيسية، أولها الإصلاحات التنظيمية، إذ تتضافر جهود الأجهزة المعنية لتهيئة قطاع الكهرباء لتكون بيئة مشجعة وجاذبة للاستثمارات تحكمها العلاقات التجارية الشفافة والعادلة، ومعايير الأداء المعلنة والملزمة لمنتج الطاقة وناقلها وموزعها على حد سواء.
وتابع أنه «في هذا الصدد، تم تعزيز استقلالية هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج كمنظم لقطاع الكهرباء بالمملكة، حيث عملت الوزارة مع الجهات ذات العلاقة على إعادة هيكلة قطاع الكهرباء، فيما تتولى هيئة تنظيم الكهرباء تعديل تعرفة استهلاك الكهرباء لجميع القطاعات بما يعكس سعر التكلفة الفعلي، كما تعمل الوزارة على تأسيس الكيانات اللازمة لاستكمال استقلال قطاع الكهرباء وإنشاء سوق تنافسية».
والأساس الثاني، وفق الفالح، هو فصل النشاطات عند إعادة هيكلة الشركة «السعودية للكهرباء» بتشكيل كيانات منفصلة للتوليد والنقل والتوزيع، تعمل باستقلالية، وتشمل فصل نشاط التوليد إلى 4 أقسام تمهيداً لتأسيسها كشركات مستقلة قبل تخصيصها، مشيراً إلى أن الشركة أعلنت مؤخراً عن إنشاء شركة لشراء الطاقة، مسؤولة عن إبرام عقود طويلة الأجل مع جميع المنتجين.
ولفت إلى أن الأساس الثالث يرتكز على إعطاء القطاع الخاص الدور الأكبر، بجذب الاستثمار المحلي والأجنبي. فيما يرتكز الأساس الرابع على الترابط الإقليمي الدولي، باعتبار أن الكهرباء لم تعد سلعة محلية، ولذلك لا يتوقف توجه المملكة في إنتاج الطاقة المتجددة على تلبية الطلب المحلي.
وكشف الفالح عن تنفيذ عقود الربط الكهربائي مع مصر خلال هذا العام، وذلك بعد توقيع مذكرة التفاهم لسوق الكهرباء العربية بداية هذا الشهر، منوهاً إلى انخفاض تكلفة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بنسبة 70 في المائة خلال الأعوام الـ10 الأخيرة. وأضاف أن إجمالي الاستثمارات العالمية بمجال الطاقة المتجددة خلال 2016 يعادل 300 مليون دولار، فيما بلغت قدرات توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة للعام نفسه 150 غيغاواط.
وتابع الفالح أنه «تحقيقاً لتوجهنا الاستراتيجي وإطلاق هذه المبادرة، وضعنا 3 مبادئ رئيسية لبرنامج الملك سلمان لإنتاج الطاقة المتجددة، تتضمن اتباع أعلى درجات الشفافية في طرح عمليات مشروعات الطاقة المتجددة، حيث أسسنا مكتباً لتطوير مشروعات الطاقة المتجددة بالوزارة في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ليكون مسؤولاً عن تنفيذ البرنامج الوطني لإنتاج الطاقة المتجددة، بمشاركة الجهات المعنية».
وأوضح أن المبدأ الثاني يستند على احتضان وتطوير صناعة الطاقة المتجددة، والصناعات ذات الصلة محليا، في حين يركز المبدأ الثالث على نقل وتوطين التقنيات المناسبة. وتابع: «نسعى لأن تكون السعودية مصدراً للتقنيات والابتكارات في هذا المجال، وأن تكون في المدى المتوسطة دولة تطور وتصنع وتصدر التقنيات المتقدمة في مجال إنتاج الطاقة المتجددة».
وأعلن الوزير عن طرح وثائق مناقصة مشروع الطاقة الشمسية في مدينة سكاكا بمنطقة الجوف شمال المملكة بطاقة 300 ميغاواط، وإطلاق مشروع طاقة الرياح بطاقة قدرها 400 ميغاواط قريبا، على أن يتم إطلاق مشروع طاقة الرياح من «دومة الجندل» بالجوف خلال الربع الرابع من العام الحالي، يتبعه مشروعات أخرى بطاقة إجمالية تبلغ 620 ميغاواط ضمن مشروعات مبادرة الملك سلمان لإنتاج الطاقة. كما كشف وزير الطاقة السعودي عن مبادرة أخرى لتأسيس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة في مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والطاقة المتجددة.



خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدُّعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، وهي السوق التي طالما اعتُبرت «نظام ظل» بعيداً عن الرقابة الصارمة.

بدأت ملامح الأزمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الأصول في العالم إلى تقييد عمليات السحب، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007 عندما بدأت صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للأزمة المالية العالمية. ورغم أن حجم سوق الائتمان الخاص حالياً يبلغ نحو تريليونَي دولار، وهو أقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار، غير أن الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.

أزمة السيولة وتخبط الكبار

بدأت ملامح الضغط تظهر بوضوح عندما أعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، وضع قيود على عمليات الاسترداد من أحد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار، إثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

ومع تسارع وتيرة الذعر، شهدت كواليس كبار مديري الأصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية، حاولت شركة «بلاكستون» احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم «BCRED» إلى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية، بل وذهب كبار شركائها إلى ضخ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير أن هذه الخطوة «الإسعافية» سرعان ما فقدت أثرها وتحولت إلى مصدر قلق إضافي عندما قامت «بلاك روك» باتخاذ إجراء صادم، حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة إلى «صفر» في غضون ثلاثة أشهر فقط، معلنةً في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد إلى 9.3 في المائة.

شعار شركة «بلاكستون» في مانهاتن (رويترز)

هذا التضارب الصارخ بين محاولات «بلاكستون لشراء الوقت» بضخ السيولة، واعتراف «بلاك روك» بانهيار قيمة الأصول وشطبها تماماً، كان بمثابة «رصاصة الرحمة» التي كشفت للأسواق هشاشة التقييمات الورقية، وأكدت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في النقد، بل هي تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية، وهو ما أجبر شركات أخرى مثل «بلو أول» (Blue Owl) و«كليف ووتر» على تقييد السحب تباعاً.

نظرية «الصراصير»

لم تقتصر التحذيرات على خبراء الاستثمار، بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، على خط الأزمة ليطلق تحذيراً مدوياً وصفه المحللون بـ«توصيف اللحظة»، حيث استند إلى حكمة قديمة في الأسواق المالية قائلاً: «عندما ترى صرصاراً واحداً، فمن المرجح أن هناك الكثير غيره»؛ في إشارة واضحة إلى أن حالات الإفلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل «تريكولور» لبيع السيارات و«فيرست براندز» ليست حوادث فردية، بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.

الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» جيمي ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

ولم يتوقف «جي بي مورغان» عند حدود التحذير اللفظي، بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس، حيث بادر البنك إلى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات، وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.

هذه الخطوة من أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بأن المخاطر قد انتقلت بالفعل من «نظام الظل» لتطرق أبواب النظام المصرفي التقليدي، مما وضع ضغوطاً هائلة على مديري الأصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.

فخ قطاع البرمجيات

أحد أكثر التفاصيل إثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات إلى أن قروض البرمجيات تشكل ما يصل إلى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.

ومع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدأت الأسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.

هذا الشك أدى إلى انهيار أسعار أسهم عمالقة الائتمان مثل «كي كي آر» و«أبولو» بنسبة تتراوح بين 30 في المائة إلى 45 في المائة.

المثير للدهشة أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 9.2 في المائة في عام 2025، ومع ذلك، لم تشمل هذه النسبة بعدُ قطاع البرمجيات بشكل كامل، مما يعني أن «موجة التعثر الكبرى» لم تأتِ بعد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تسلل الأزمة للشرايين المصرفية

لم تعد الأزمة حبيسة صناديق الاستثمار، بل بدأت تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. «دويتشه بنك» أصبح المثال الحي لهذا التداخل، حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار، وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من إجمالي قروض البنك.

وتكمن الخطورة في أن هذه القروض مسجلة بـ«التكلفة المطفأة»، أي أنها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.

الفساد وسوء الاكتتاب

تؤكد شركة «بيمكو» أن الأزمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق، بل هي نتيجة «اكتتاب سيئ للغاية» مبني على افتراضات واهمة بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لن يرفع الفائدة أبداً.

والأخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخٍ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون أن «الفساد موجود في كل مكان»، مما أدى إلى انهيار الثقة تماماً، وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد (CLO) بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط، بعد أن كانت تحقق مكاسب مستقرة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ما يجعل هذه الأزمة «اجتماعية» بامتياز هو تورط المستثمرين الأفراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل آمن ومدر للدخل، لترتفع حصتهم إلى 16.6 في المائة من السوق. اليوم، هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق «مغلقة البوابات». وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التدهور سيؤدي حتماً إلى «تضيق ائتماني»؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض، وسترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في أسعار الطاقة وشبح «الركود التضخمي».


«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.