لم تتسن لي فرصة معرفة غابرييل غارسيا ماركيز، أعظم الكتاب الكولومبيين، لكن لطالما راودتني الرغبة في ذلك. ومع ذلك، يمكن العثور على آثار خطوات قدميه في أراكاتاكا، مدينة صغيرة تقع على ساحل الكاريبي، حيث جرى منذ 7 سنوات بناء متحف له.
في حقيقة الأمر، هذا المتحف ليس سوى منزله. ومنح هذا المتحف للزائرين فرصة الاطلاع على نحو مباشر على حياة ماركيز وعالمه الخاص.
وتبعاً لما ذكره خبراء، يزدان المنزل بذكريات ماركيز حسبما وردت في مؤلفاته، خاصة سيرته الذاتية بعنوان «العيش كي تحكي الحكاية». وكذلك أعظم أعماله والتي ترجمت إلى 36 لغة على الأقل: «مائة عام من العزلة». ويعد هذا العمل الأدبي مزيجاً من الخبرات الشخصية لماركيز، وسحرَ وعبق الحياة في هذا الجزء الحار والجميل من كولومبيا، الأمر الذي اجتذب أعداداً كبيرة من السياح إلى هذه القرية الخفية التي كثيراً ما أشار إليها في أعماله باسم ماكوندو.
من جانبه، أوضح رافائيل داريو جيمينيز، مدير متحف غارسيا ماركيز، أن كثيراً من السائحين يقولون إنهم لدى وصولهم إلى أراكاتاكا شعروا وكأنهم موجودون بالفعل داخل قرية ماكوندو الخيالية. ويعزز الطقس الاستوائي الذي تصل درجات الحرارة فيه إلى 35 درجة، هذا الشعور.
جدير بالذكر أن المتحف جرى بناؤه على نفس الأرض التي كان عليها المنزل الفعلي الذي ولد وترعرع داخله غارسيا ماركيز، والذي كان أصدقاؤه ومحبوه يدعونه غابو كنوع من التدليل. وقد حرصت والدته، لويزا سانتياغا، على تقديم نصائحها للقائمين على بناء المتحف.
واللافت أن المتحف يعمد إلى إعادة بناء أماكن لعبت دوراً مهماً في طفولة الكاتب، وكانت لها انعكاسات على كتاباته، مثل مكتب الكولونيل نيكولاس ماركيز وورشة بلاتيريا، حيث جرى صنع الأرقام التي تشير إلى الأسماك من الذهب، الأمر الذي ألهب خيال القراء. وكذلك غرفة الطعام والمطبخ المجهزان بأطباق وفضيات تنتمي لزمن صبا غابو.
وأشار داريو إلى أن المساحة التي يعيش فيها أبناء مجموعة «وايون» من الهنود الحمر هي الوحيدة المنتمية إلى البناء الأصلي للمنزل، والذي جرى الحفاظ عليه منذ عهد أجداد غابو حتى يومنا هذا. اللافت أن كل زاوية من المتحف بها مكان مميز جرت الإشارة إليه في أحد أعمال الروائي الحائز على جائزة نوبل. وهنا تحديداً يمكن للمرء تفهم مدى ثراء العناصر المختلفة المكونة للحياة الكاريبية وطفولة وخيال ماركيز وحياته، والتي شكلت علامات مميزة لكتاباته، ورفعت أعماله إلى مصاف أهم الكتابات الأدبية عالمياً.
اللافت أن المكان بأسره مفعم بالسحر، من أشعة الشمس المشرقة والنسيم العليل والمساحة المفتوحة التي كانت مصدر الإلهام في بعض أشهر عبارات غابو، التي كثر الاستشهاد بها. العجيب أن غابو نفسه لم يزر متحفه قط؛ لأنه عندما زار أراكاتاكا كان المتحف لا يزال تحت الإنشاء. وبحلول وقت إنجاز المتحف، كان الكاتب قد توفي. ومع هذا، فإن التصميم العام للمتحف نال موافقته. وقال داريو إن غابو اطلع على تصميمات المنزل وقال: «منزل طفولتي كان شبيهاً بذلك».
وأشار داريو إلى أنه يتذكر أنه لدى رؤية غابو للأرض التي كان عليها المنزل الذي قضى به سنوات طفولته وصباه، تملكه شعور كبير بالإثارة. وعندما انهمرت الدموع من عينيه، أخبرته زوجته ميرسيدس أنه ليس على استعداد بعد لزيارة المتحف. وقالت الزوجة إن المتحف يثير داخل زوجها «مشاعر تعيده إلى طفولته».
من ناحية أخرى، غلّفت هالة من الغموض زيارات غابو لأراكاتاكا. وقال البعض إنه عندما كان غابو يزور كولومبيا، خاصة كارتاغينا التي تعد واحدة من أجمل المناطق المطلة على الكاريبي، كان يسارع إلى التوجه إلى مسقط رأسه للمشاركة في حفلات. وبمرور الوقت، تحولت هذه القصة إلى جزء من الأساطير التي تدور حول الكاتب.
ومع أن دخول المتحف مجاناً، فإنه يستقبل 5 آلاف زائر فقط سنوياً، بسبب موقعه النائي. ويتدفق الكولومبيون على المتحف لزيارته على نحو خاص في أعياد الفصح والميلاد، والتي تتزامن مع عطلات رسمية.
إلا أن ثمة تغييراً بدأ في الوقت الراهن، مع تعرف أعداد أكبر من السياح الأوروبيين والأميركيين على هذا المكان الساحر المفعم بالشجن.
من جانبه، لا يعد غابرييل غارسيا ماركيز أعظم كاتب كولومبي على الإطلاق فحسب، وإنما أيضاً أحد أهم كُتاب أميركا اللاتينية على المستوى العالمي. وقد خلدت موهبته في أكثر من 20 كتاباً تتنوع بين روايات ومقالات صحافية وقصص قصيرة، بل وأفلام أيضاً. وتتناول أعماله في العادة قصص حب مذهلة، وتصف البيئة التي نشأ فيها ماركيز والتراث الأميركي اللاتيني المحيط به.
9:11 دقيقه
{عزلة} ماركيز تعود للحياة في كولومبيا
https://aawsat.com/home/article/898986/%D8%B9%D8%B2%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%B2-%D8%AA%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%88%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%A7
{عزلة} ماركيز تعود للحياة في كولومبيا
تحويل منزله في الساحل الكاريبي إلى متحف يكشف خفايا حياته
تمثال من الشمع لماركيز في المتحف (غيتي) - منزل الكاتب الراحل يتحول إلى متحف ولا تزال مقتنياته هناك - المتحف يعيد بناء أماكن لعبت دوراً مهماً في طفولة الكاتب - مع أن الدخول مجاني لا يزور المتحف إلا نحو 5 آلاف زائر سنويا
- لندن: لويزا بوليدو
- لندن: لويزا بوليدو
{عزلة} ماركيز تعود للحياة في كولومبيا
تمثال من الشمع لماركيز في المتحف (غيتي) - منزل الكاتب الراحل يتحول إلى متحف ولا تزال مقتنياته هناك - المتحف يعيد بناء أماكن لعبت دوراً مهماً في طفولة الكاتب - مع أن الدخول مجاني لا يزور المتحف إلا نحو 5 آلاف زائر سنويا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

