حاكم خبراء ومختصون وكتاب وإعلاميون من مختلف الدولية العربية الإعلام الرسمي العربي، وشددوا على أن انتشار الإعلام الجديد تجاوز قدرة الأنظمة العربية والنظام الإعلامي العربي بالتحديد على احتواء آثار عولمة الإعلام، وذهب البعض إلى التأكيد أن الإعلام الرسمي بات عاجزا عن أداء وظيفته، بل إن هذا الإعلام بأساليبه وبرسالته التي وصفوها بأنها قديمة ومملة ومكررة، وبمحتواه وطريقته التي أصبحت خارج العصر، لم يعد قادرا على خدمة من يقف خلفه من أنظمة وحكومات.
وعد الخبراء والمختصون، خلال منتدى خصص للحديث عن الإعلام اليوم، واستضافته أول من أمس محافظة الغاط السعودية (260 كيلومترا شمال غربي الرياض)، أن الصحافة الورقية تواجه اليوم ضغطا من الصحافة الإلكترونية، وتحول هذا الضغط إلى تهديد لوجود وكينونة الصحافة الورقية، وهو الأمر الذي أجبر صحفا على إغلاق أبوابها وتوقف صدورها.
وشدد المشاركون في منتدى الأمير عبد الرحمن بن أحمد السديري للدراسات في دورته السابعة والمخصص عن «الإعلام اليوم: عالم بلا حواجز»، على أن اتساع مساحة انتقال المعلومات لتعبر الحدود الجغرافية، أسقط كل الحواجز الرقابية، وحتم تغيير الرؤى الرسمية لدور وسائل الإعلام.
وبحث المنتدى الذي احتضنه مركز «الرحمانية الثقافي» في محافظة الغاط، بمشاركة نخبة من الإعلاميين من مختلف الوطن العربي، محاور عدة، تناولت: «الإعلام والمتغيرات السياسية والإقليمية»، و«الصحافة ووسائل الإعلام الحديثة»، و«الإعلام في زمن الخصخصة»، و«الإعلام الورقي في مواجهة الإعلام الإلكتروني».
كما بحث المنتدى موضوع الرقابة الرسمية في زمن العولمة، والرقابة في عصر التطورات التكنولوجية في الإعلام، وخصص المنتدى محاضرة عن أزمة الإعلام العربي الرسمي.
وكرم المنتدى الشيخ جميل الحجيلان أول وزير إعلام سعودي، نظير جهوده في هذا المجال والمجالات الأخرى من خلال عمله سفيرا لبلاده لدى كل من ألمانيا وفرنسا، وأمينا عاما لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وفي أوراق العمل المقدمة في المنتدى، أوضح الدكتور محمد شومان أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس المصرية خلال تناوله موضوع «الإعلام والمتغيرات السياسية والإقليمية»، أنه تبين له عام 2000 فرضية وجود نظام إعلامي عربي مهدد بتحديات عولمة الإعلام وتطور تكنولوجيا الاتصال، واندماج الإعلام في الترفيه والمعلوماتية والثقافة، مع التوجه المتسارع نحو تسليع الثقافة، ونمو دور الإعلام الخاص المستقل عن الدولة، لافتا إلى أن تعدد وتنوع النظم الإعلامية العربية، سواء فيما يتعلق بأنماط ملكيتها والمضامين المقدمة ومدى تبعيتها للنظم السياسية الحاكمة في كل قطر عربي، فضلا عن مدى تطور كل منها مهنيا وتكنولوجيا، لا تمنع من التسليم بأن النظم والممارسات الإعلامية على المستوى الوطني (القطري) والعربي (القومي) تشكل فيما بينها نظاما فرعيا ضمن النظام الإقليمي العربي، ويتسم النظام الإعلامي العربي باستقلاله وتنامي قدراته المادية والمعنوية (الرمزية)، وتوسطه في الوقت ذاته دائرة الفعل السياسي والفعل الثقافي للنظام الإقليمي العربي.
وحدد شومان ستة فاعلين رئيسين في النظام الإعلامي العربي هم «الدولة، ومؤسسات القطاع الخاص، ومنظمات العمل العربي المشترك، وفعاليات المجتمع المدني، والمواطن الإعلامي أو الصحافي، والإعلام الأجنبي الناطق بالعربية، مع ملاحظة ضعف دور الفاعلين الثالث والرابع، وزيادة دور وتأثير الشركات متعددة الجنسية ووسائل الإعلام الأجنبية الناطقة باللغة العربية في النظام الإعلامي العربي نتيجة العولمة والتطورات الجيوسياسية بعد احتلال العراق واندلاع ثورات الربيع العربي».
وشدد على أن تطور تكنولوجيا الاتصال والإنترنت وانتشار الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي قد تجاوزت قدرة الأنظمة العربية والنظام الإعلامي العربي على احتواء آثار عولمة الإعلام؛ ومن ثم تعرض النظام الإعلامي العربي لتحولين مهمين، الأول: نجاح الشباب العربي في الدعوة للثورة، والحشد الافتراضي والانتقال به إلى أرض الواقع الفعلي، وبرز المواطن الإعلامي العربي (المواطن الشبكي) كفاعل ضمن الفاعلين في النظام الإعلامي العربي، يتسم بدرجة أكبر من الاستقلال والقدرة على الدمج بين الفعل الاتصالي الافتراضي والواقعي.
والثاني: تنامي حضور وتأثير الإعلام الناطق بالعربية كفاعل جديد، وهو ما يدعم التوجه نحو نهاية النظام الإعلامي العربي، في سياق الاتجاه أيضا نحو أفول النظام الإقليمي العربي. وهنا، تتضح حساسية الفضاء الإعلامي، وسرعة استجابته للتحولات في النظام الإقليمي العربي، وربما إسهامه في الأحداث، والإسراع بهذا التحول.
من جانبه، استعرض الدكتور أسامة بن عبد الرحمن النصار رئيس قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، خلال حديثه عن الصحافة ووسائل الإعلام الحديثة (الإعلام الجديد) أبرز المراحل التي شهدتها الصحافة، منذ عصر الطباعة وإلى وقتنا الحالي، الذي أسهمت فيه التقنية والإنترنت على وجه الخصوص، ووسائل التواصل الاجتماعي، سعيا منها للتعرف على أبرز المتغيرات والتأثيرات التي طالت هذه المهنة وأساليب العمل فيها، سواء كان على صعيد المؤسسة أم الصحافي الممارس لهذه المهنة، موضحا أن ثورة الاتصال والمعلومات التي اجتاحت المشهد الإعلامي منذ عقد ونيف؛ أدت إلى تغير واضح في علاقة المتلقي للمعلومات بمصدر المعلومة ومرسلها، وأصبح في مقدور المتلقي التفاعل مع المعلومة والتأثير فيها، بعدما أصبح الاتصال في اتجاهين بدلا من اتجاه واحد، كما كان في الماضي، الذي رسخه الإعلام التقليدي، وهذا التغير أسهم بدوره في تغيير علاقة الصحافة بالجمهور، وأسهم كذلك في دفع المؤسسات الإعلامية إلى تبني طرق جديدة لمواكبة هذا التحول في المشهد الإعلامي بصفة عامة.
وزاد النصار بالقول: «شكل هذا التحول تحديا كبيرا لكثير من المؤسسات الإعلامية ومهنة الصحافة بشكل عام، التي كان من الواجب عليها مواكبة هذا التحول؛ فمنها من استطاع وحافظ على مكانته الإعلامية والمهنية والاقتصادية التي نشأ عليها، ومنها من أدرك أن موجة التحول حتمت عليه الدخول مع شركاء جدد لديهم القدرة على التعايش مع الواقع الحالي وتلبية حاجات الجمهور في هذا العصر الرقمي، ومنها من استسلم، ومنها من لا يزال يرى أنه بمنأى عن هذا التحول وأبعاده».
وتطرق النصار إلى أبرز التأثيرات التي أحدثها الإعلام الجديد أو المعاصر على الصحافة، وقراءة تأثيراتها المحتملة على الواقع الإعلامي الحالي.
وتساءل صالح القلاب عضو مجلس الأعيان الأردني ووزير الإعلام الأردني السابق خلال حديثه عن الإعلام في زمن الخصخصة: هل انتهى الإعلام الرسمي بعد أن بات غير قادر على القيام بوظيفته، وبعد أن أصبح يغرد في واد والناس المعنيون يتابعون همومهم ويواجهون إشكالاتهم ومشكلاتهم وهم يعيشون في واد آخر؟ موضحا في هذا الصدد: «لا أتحدث لا عن الوسائل ولا عن (التقنيات)» لا القديمة ولا المتطورة ولا عن الكفاءات الإعلامية البشرية وإنما عن «المحتوى».. إن المقصود هو الرسالة التي تبثها الوسيلة الإعلامية الرسمية الحكومية ومدى تأثيرها على «المتلقي»، هذا إن كان قد بقي هناك متلقون لما يبثه الإعلام الرسمي الحكومي.
ورأى القلاب أن الإعلام الرسمي (الحكومي) بأساليبه وبرسالته القديمة المملة والمكررة، وبمحتواه، عموما، وطريقته التي أصبحت خارج إطار العصر، لم يعد قادرا على خدمة الذين يقفون خلفه من أنظمة وحكومات، في ظل كل هذا الانفجار الإلكتروني، وفي ظل هذه الثورة الإعلامية المعاصرة؛ بل إنه غدا قاصرا عن إيصال وجهة نظر هذه الأنظمة والحكومات إلى المعنيين المستهدفين، كما بات موئلا للبطالة المقنعة، وأصبح يشكل عبئا ثقيلا على أصحابه، بعدما أصبح «الرويموت كنترول» وسيلة سهلة للهروب منه والبحث وبسرعة عن البديل الموثوق والمحايد أو شبه المحايد الذي يركز في المجالات السياسية على الحقائق، ويبتعد بقدر الإمكان عن الترويج الممل.
ولفت وزير الإعلام الأردني السابق إلى أن هروب الناس من الإعلام الرسمي والحكومي قد بدأ مبكرا حتى قبل انفجار هذه الثورة الإعلامية الجديدة، وحتى قبل ثورة تقنيات الإعلام والمعلومات التي غدت تفاجئ سكان الكرة الأرضية في كل يوم بجديد مختلف، يفرض نفسه بسهولة، معتبرا أن هناك شبه إجماع حتى لدى كبار المسؤولين على أن هذا الإعلام (الرسمي) هو تبديد للثروة، وهو يشكل عبئا ثقيلا على الأجهزة الإعلامية المعنية، ويحول دون تطويرها وجعلها تواكب مسيرة الإعلام الناجح؛ سواء بالنسبة للتطور التقني أو بالنسبة للكفاءات البشرية الفنية والصحافية، أو كذلك بالنسبة للمحتوى والرسائل الرسمية التي توجهها الحكومات إلى شعوبها.
وشدد قائلا: «ربما من غير الممكن التفاؤل كثيرا بإقناع الحكومات في التخلي عن قنواتها الإعلامية، التي ترى أنها لا تزال ضرورية في اطلاع شعوبها على إنجازاتها العظيمة، لكن ما يجب أن تعرفه هذه الحكومات هو أن المواطن حتى المواطن العادي يلتفت إلى الإنجازات التي تتحدث عن نفسها، التي تنقلها إليه وسائل الإعلام المحايدة وشبه المحايدة، وأنه يعد كل ما يصل عبر وسائل الإعلام الحكومية هو مجرد ترويج وتلميع لهذه الحكومات، وهو مجرد ادعاءات ودعايات لدغدغة عواطفهم والضحك على عقولهم». مستطردا «لذلك، فإنه لا بد من الخصخصة أو شبه الخصخصة على الأقل ولا بد من عدم إضاعة الوقت وإضاعة الأموال وإضاعة الجهود في العزف على رباب لم تعد ألحانه تطرب الناس».
وعقب الجلسة الأولى، ألقى الدكتور عبد الرحمن الشبيلي الباحث والمؤرخ وأستاذ الإعلام ومدير عام التلفزيون السعودي السابق، محاضرة عن أزمة الإعلام العربي الرسمي قال فيها: «إذا كان هناك اقتناع بأن وسائل الإعلام الرسمية في سائر أنحاء الوطن العربي لا تحقق طموحات المجتمع، وأن هناك عزوفا عن الإعلام الحكومي من قبل شرائح مختلفة من العامة والنخب على حد سواء، وأن الإعلام المحلي بقي دوما محل انتقاد العلماء الشرعيين، وأن وسائل الإعلام الخارجية صارت تنافس الوسائل الوطنية، وأن الصحافة المحلية بقيت تراوح مكانها الذي لم تتخطه منذ عقود، وأن الناس يتجهون إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل استقاء الخبر بفورية؛ إذا صح ذلك كله أو معظمه على مستوى العالم العربي جله أو بعضه، فإن الإعلام الرسمي فيه يعيش أزمة لا ينبغي لها أن تدوم، وإنه يمر بإشكالية يجب البحث عن حلول لها، وما هذه الورقة إلا خواطر - للعرض لا للفرض - تتتبع الأسباب وتجتهد في طرح بعض الحلول، بعيدا عن الأشخاص والعهود».
وأشار الشبيلي إلى أن معظم تلك الأجهزة الرسمية تمارس عملها اليوم بعقلية الماضي، مرتدية ثوب الحاضر وتقنيته، وبالتالي فإن التطور الحقيقي لن يتحقق إلا بتجديد الفكر وتغيير الأساليب وتحريك مياهه الراكدة، وذلك إلى جانب تحديث الأجهزة وإقامة المنشآت، وعندما يستشعر العنوان وجود أزمة فإنه يعني التسليم بوجود خلل وقصور، والقبول في الوقت نفسه بما يحتويه هذا الإعلام الرسمي من إيجابيات، مشددا بالقول: «لقد أثبتت نماذج معاشة أن التأثير لا يتأتى بالضرورة مع المقرات الزاهية أو بتحديث المعدات، وأن تضخيم الكوادر لم يعد المعادلة الأهم في التفوق، بل لعله يصبح أحيانا عبئا على عمليات التطوير، كما أن كثرة التلويح بخصوصية المجتمع وثوابته، أو المبالغة في تقدير العناصر الإيجابية في المجتمع أو في إعلام أي دولة، تشكلان أحيانا أعذارا للإبقاء على الحالة الراهنة وأسبابا للإحجام عن التغيير، ولتخدير العزائم عن التفكير في الإصلاح».
وفي ورقته التي تناول فيها الإعلام الورقي في مواجهة الإعلام الإلكتروني، أكد الدكتور علي العنزي أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود أن الصحافة الورقية تواجه ضغطا قويا من الصحافة الإلكترونية، بل إن هذا الضغط قد تحول إلى تهديد لوجود وكينونة الصحافة الورقية، إذ يتابع الجميع عشرات، بل مئات الصحف الورقية وهي تغلق أبوابها وتوقف صدورها، ما يؤكد للمراقبين أن أيام الصحف الورقية أصبحت معدودة، أو بالأحرى محدودة جدا، مع الاختلاف من مكان إلى آخر في دول العالم. وناقش العنزي موضوع مستقبل الصحافة الورقية في ظل الوضع القائم حاليا، متناولا المعطيات التي تؤثر في مستقبل الصحافتين، الورقية والإلكترونية، من خلال الحديث عن تاريخ الصحافة الإلكترونية وبداياتها، إلى جانب مفهومها وأنواعها، وأسباب ازدهار الصحافة الإلكترونية، وتراجع الصحافة الورقية، والعامل الاقتصادي وأهميته في بروز الصحافة الإلكترونية.
وتحدث في المنتدى الكاتب العربي سمير عطا الله عن الرقابة في زمن العولمة، مشيرا إلى تجربة الشيخ جميل حجيلان الذي كان وزيرا للإعلام في أشد مراحل السعودية نزاعا، دولة بلا صحافة تقريبا تتعرض كل يوم للنقد الطالع من القاهرة الناصرية، بالحبر والورق وموجات الأثير، قرر الحجيلان أنها معركة غير متكافئة وحرب لا ضرورة لها، مشددا بالقول، إن الرقابة شيء غير مستحب. إن هذا نقيض للرغبة في المعرفة، لكنها مثل كل شيء آخر، إدارة أولا، لقد أدار الشيخ جميل الرقابة بعصا ذهبية، كما يدير فرقة ماسية.
وفي تقديمه لورقته المخصصة عن الرقابة وعصر التطورات التكنولوجية في الإعلام، أكد الدكتور أحمد بن عبد الملك المستشار في وزارة الثقافة القطرية، قائلا: «لقد تلاحقت في عصرنا الحاضر الإنجازات العلمية في وسائل الإعلام تقنيا (Hardware)، واتسعت مساحة انتقال المعلومة (Software) لتعبر الحدود الجغرافية؛ الأمر الذي أسقط كل الحواجز الرقابية، وحتم تغيير الرؤى الرسمية لدور وسائل الإعلام، واتساع مساحة حرية التعبير، وتجاوز الرؤى الضيقة بالتعامل مع حالة تدفق المعلومات في العالم»، مستعرضا شكل ومحددات هذه التطورات، وأثرها على الدور المهني لوسائل الإعلام.
السعودية: مختصون يحاكمون الإعلام الرسمي وينعون الصحافة الورقية
منتدى «عبد الرحمن السديري للدراسات» خصص دورته السابعة للإعلام الجديد.. وكرم الحجيلان
السعودية: مختصون يحاكمون الإعلام الرسمي وينعون الصحافة الورقية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

