السعودية: مختصون يحاكمون الإعلام الرسمي وينعون الصحافة الورقية

منتدى «عبد الرحمن السديري للدراسات» خصص دورته السابعة للإعلام الجديد.. وكرم الحجيلان

السعودية: مختصون يحاكمون الإعلام الرسمي وينعون الصحافة الورقية
TT

السعودية: مختصون يحاكمون الإعلام الرسمي وينعون الصحافة الورقية

السعودية: مختصون يحاكمون الإعلام الرسمي وينعون الصحافة الورقية

حاكم خبراء ومختصون وكتاب وإعلاميون من مختلف الدولية العربية الإعلام الرسمي العربي، وشددوا على أن انتشار الإعلام الجديد تجاوز قدرة الأنظمة العربية والنظام الإعلامي العربي بالتحديد على احتواء آثار عولمة الإعلام، وذهب البعض إلى التأكيد أن الإعلام الرسمي بات عاجزا عن أداء وظيفته، بل إن هذا الإعلام بأساليبه وبرسالته التي وصفوها بأنها قديمة ومملة ومكررة، وبمحتواه وطريقته التي أصبحت خارج العصر، لم يعد قادرا على خدمة من يقف خلفه من أنظمة وحكومات.
وعد الخبراء والمختصون، خلال منتدى خصص للحديث عن الإعلام اليوم، واستضافته أول من أمس محافظة الغاط السعودية (260 كيلومترا شمال غربي الرياض)، أن الصحافة الورقية تواجه اليوم ضغطا من الصحافة الإلكترونية، وتحول هذا الضغط إلى تهديد لوجود وكينونة الصحافة الورقية، وهو الأمر الذي أجبر صحفا على إغلاق أبوابها وتوقف صدورها.
وشدد المشاركون في منتدى الأمير عبد الرحمن بن أحمد السديري للدراسات في دورته السابعة والمخصص عن «الإعلام اليوم: عالم بلا حواجز»، على أن اتساع مساحة انتقال المعلومات لتعبر الحدود الجغرافية، أسقط كل الحواجز الرقابية، وحتم تغيير الرؤى الرسمية لدور وسائل الإعلام.
وبحث المنتدى الذي احتضنه مركز «الرحمانية الثقافي» في محافظة الغاط، بمشاركة نخبة من الإعلاميين من مختلف الوطن العربي، محاور عدة، تناولت: «الإعلام والمتغيرات السياسية والإقليمية»، و«الصحافة ووسائل الإعلام الحديثة»، و«الإعلام في زمن الخصخصة»، و«الإعلام الورقي في مواجهة الإعلام الإلكتروني».
كما بحث المنتدى موضوع الرقابة الرسمية في زمن العولمة، والرقابة في عصر التطورات التكنولوجية في الإعلام، وخصص المنتدى محاضرة عن أزمة الإعلام العربي الرسمي.
وكرم المنتدى الشيخ جميل الحجيلان أول وزير إعلام سعودي، نظير جهوده في هذا المجال والمجالات الأخرى من خلال عمله سفيرا لبلاده لدى كل من ألمانيا وفرنسا، وأمينا عاما لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وفي أوراق العمل المقدمة في المنتدى، أوضح الدكتور محمد شومان أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس المصرية خلال تناوله موضوع «الإعلام والمتغيرات السياسية والإقليمية»، أنه تبين له عام 2000 فرضية وجود نظام إعلامي عربي مهدد بتحديات عولمة الإعلام وتطور تكنولوجيا الاتصال، واندماج الإعلام في الترفيه والمعلوماتية والثقافة، مع التوجه المتسارع نحو تسليع الثقافة، ونمو دور الإعلام الخاص المستقل عن الدولة، لافتا إلى أن تعدد وتنوع النظم الإعلامية العربية، سواء فيما يتعلق بأنماط ملكيتها والمضامين المقدمة ومدى تبعيتها للنظم السياسية الحاكمة في كل قطر عربي، فضلا عن مدى تطور كل منها مهنيا وتكنولوجيا، لا تمنع من التسليم بأن النظم والممارسات الإعلامية على المستوى الوطني (القطري) والعربي (القومي) تشكل فيما بينها نظاما فرعيا ضمن النظام الإقليمي العربي، ويتسم النظام الإعلامي العربي باستقلاله وتنامي قدراته المادية والمعنوية (الرمزية)، وتوسطه في الوقت ذاته دائرة الفعل السياسي والفعل الثقافي للنظام الإقليمي العربي.
وحدد شومان ستة فاعلين رئيسين في النظام الإعلامي العربي هم «الدولة، ومؤسسات القطاع الخاص، ومنظمات العمل العربي المشترك، وفعاليات المجتمع المدني، والمواطن الإعلامي أو الصحافي، والإعلام الأجنبي الناطق بالعربية، مع ملاحظة ضعف دور الفاعلين الثالث والرابع، وزيادة دور وتأثير الشركات متعددة الجنسية ووسائل الإعلام الأجنبية الناطقة باللغة العربية في النظام الإعلامي العربي نتيجة العولمة والتطورات الجيوسياسية بعد احتلال العراق واندلاع ثورات الربيع العربي».
وشدد على أن تطور تكنولوجيا الاتصال والإنترنت وانتشار الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي قد تجاوزت قدرة الأنظمة العربية والنظام الإعلامي العربي على احتواء آثار عولمة الإعلام؛ ومن ثم تعرض النظام الإعلامي العربي لتحولين مهمين، الأول: نجاح الشباب العربي في الدعوة للثورة، والحشد الافتراضي والانتقال به إلى أرض الواقع الفعلي، وبرز المواطن الإعلامي العربي (المواطن الشبكي) كفاعل ضمن الفاعلين في النظام الإعلامي العربي، يتسم بدرجة أكبر من الاستقلال والقدرة على الدمج بين الفعل الاتصالي الافتراضي والواقعي.
والثاني: تنامي حضور وتأثير الإعلام الناطق بالعربية كفاعل جديد، وهو ما يدعم التوجه نحو نهاية النظام الإعلامي العربي، في سياق الاتجاه أيضا نحو أفول النظام الإقليمي العربي. وهنا، تتضح حساسية الفضاء الإعلامي، وسرعة استجابته للتحولات في النظام الإقليمي العربي، وربما إسهامه في الأحداث، والإسراع بهذا التحول.
من جانبه، استعرض الدكتور أسامة بن عبد الرحمن النصار رئيس قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، خلال حديثه عن الصحافة ووسائل الإعلام الحديثة (الإعلام الجديد) أبرز المراحل التي شهدتها الصحافة، منذ عصر الطباعة وإلى وقتنا الحالي، الذي أسهمت فيه التقنية والإنترنت على وجه الخصوص، ووسائل التواصل الاجتماعي، سعيا منها للتعرف على أبرز المتغيرات والتأثيرات التي طالت هذه المهنة وأساليب العمل فيها، سواء كان على صعيد المؤسسة أم الصحافي الممارس لهذه المهنة، موضحا أن ثورة الاتصال والمعلومات التي اجتاحت المشهد الإعلامي منذ عقد ونيف؛ أدت إلى تغير واضح في علاقة المتلقي للمعلومات بمصدر المعلومة ومرسلها، وأصبح في مقدور المتلقي التفاعل مع المعلومة والتأثير فيها، بعدما أصبح الاتصال في اتجاهين بدلا من اتجاه واحد، كما كان في الماضي، الذي رسخه الإعلام التقليدي، وهذا التغير أسهم بدوره في تغيير علاقة الصحافة بالجمهور، وأسهم كذلك في دفع المؤسسات الإعلامية إلى تبني طرق جديدة لمواكبة هذا التحول في المشهد الإعلامي بصفة عامة.
وزاد النصار بالقول: «شكل هذا التحول تحديا كبيرا لكثير من المؤسسات الإعلامية ومهنة الصحافة بشكل عام، التي كان من الواجب عليها مواكبة هذا التحول؛ فمنها من استطاع وحافظ على مكانته الإعلامية والمهنية والاقتصادية التي نشأ عليها، ومنها من أدرك أن موجة التحول حتمت عليه الدخول مع شركاء جدد لديهم القدرة على التعايش مع الواقع الحالي وتلبية حاجات الجمهور في هذا العصر الرقمي، ومنها من استسلم، ومنها من لا يزال يرى أنه بمنأى عن هذا التحول وأبعاده».
وتطرق النصار إلى أبرز التأثيرات التي أحدثها الإعلام الجديد أو المعاصر على الصحافة، وقراءة تأثيراتها المحتملة على الواقع الإعلامي الحالي.
وتساءل صالح القلاب عضو مجلس الأعيان الأردني ووزير الإعلام الأردني السابق خلال حديثه عن الإعلام في زمن الخصخصة: هل انتهى الإعلام الرسمي بعد أن بات غير قادر على القيام بوظيفته، وبعد أن أصبح يغرد في واد والناس المعنيون يتابعون همومهم ويواجهون إشكالاتهم ومشكلاتهم وهم يعيشون في واد آخر؟ موضحا في هذا الصدد: «لا أتحدث لا عن الوسائل ولا عن (التقنيات)» لا القديمة ولا المتطورة ولا عن الكفاءات الإعلامية البشرية وإنما عن «المحتوى».. إن المقصود هو الرسالة التي تبثها الوسيلة الإعلامية الرسمية الحكومية ومدى تأثيرها على «المتلقي»، هذا إن كان قد بقي هناك متلقون لما يبثه الإعلام الرسمي الحكومي.
ورأى القلاب أن الإعلام الرسمي (الحكومي) بأساليبه وبرسالته القديمة المملة والمكررة، وبمحتواه، عموما، وطريقته التي أصبحت خارج إطار العصر، لم يعد قادرا على خدمة الذين يقفون خلفه من أنظمة وحكومات، في ظل كل هذا الانفجار الإلكتروني، وفي ظل هذه الثورة الإعلامية المعاصرة؛ بل إنه غدا قاصرا عن إيصال وجهة نظر هذه الأنظمة والحكومات إلى المعنيين المستهدفين، كما بات موئلا للبطالة المقنعة، وأصبح يشكل عبئا ثقيلا على أصحابه، بعدما أصبح «الرويموت كنترول» وسيلة سهلة للهروب منه والبحث وبسرعة عن البديل الموثوق والمحايد أو شبه المحايد الذي يركز في المجالات السياسية على الحقائق، ويبتعد بقدر الإمكان عن الترويج الممل.
ولفت وزير الإعلام الأردني السابق إلى أن هروب الناس من الإعلام الرسمي والحكومي قد بدأ مبكرا حتى قبل انفجار هذه الثورة الإعلامية الجديدة، وحتى قبل ثورة تقنيات الإعلام والمعلومات التي غدت تفاجئ سكان الكرة الأرضية في كل يوم بجديد مختلف، يفرض نفسه بسهولة، معتبرا أن هناك شبه إجماع حتى لدى كبار المسؤولين على أن هذا الإعلام (الرسمي) هو تبديد للثروة، وهو يشكل عبئا ثقيلا على الأجهزة الإعلامية المعنية، ويحول دون تطويرها وجعلها تواكب مسيرة الإعلام الناجح؛ سواء بالنسبة للتطور التقني أو بالنسبة للكفاءات البشرية الفنية والصحافية، أو كذلك بالنسبة للمحتوى والرسائل الرسمية التي توجهها الحكومات إلى شعوبها.
وشدد قائلا: «ربما من غير الممكن التفاؤل كثيرا بإقناع الحكومات في التخلي عن قنواتها الإعلامية، التي ترى أنها لا تزال ضرورية في اطلاع شعوبها على إنجازاتها العظيمة، لكن ما يجب أن تعرفه هذه الحكومات هو أن المواطن حتى المواطن العادي يلتفت إلى الإنجازات التي تتحدث عن نفسها، التي تنقلها إليه وسائل الإعلام المحايدة وشبه المحايدة، وأنه يعد كل ما يصل عبر وسائل الإعلام الحكومية هو مجرد ترويج وتلميع لهذه الحكومات، وهو مجرد ادعاءات ودعايات لدغدغة عواطفهم والضحك على عقولهم». مستطردا «لذلك، فإنه لا بد من الخصخصة أو شبه الخصخصة على الأقل ولا بد من عدم إضاعة الوقت وإضاعة الأموال وإضاعة الجهود في العزف على رباب لم تعد ألحانه تطرب الناس».
وعقب الجلسة الأولى، ألقى الدكتور عبد الرحمن الشبيلي الباحث والمؤرخ وأستاذ الإعلام ومدير عام التلفزيون السعودي السابق، محاضرة عن أزمة الإعلام العربي الرسمي قال فيها: «إذا كان هناك اقتناع بأن وسائل الإعلام الرسمية في سائر أنحاء الوطن العربي لا تحقق طموحات المجتمع، وأن هناك عزوفا عن الإعلام الحكومي من قبل شرائح مختلفة من العامة والنخب على حد سواء، وأن الإعلام المحلي بقي دوما محل انتقاد العلماء الشرعيين، وأن وسائل الإعلام الخارجية صارت تنافس الوسائل الوطنية، وأن الصحافة المحلية بقيت تراوح مكانها الذي لم تتخطه منذ عقود، وأن الناس يتجهون إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل استقاء الخبر بفورية؛ إذا صح ذلك كله أو معظمه على مستوى العالم العربي جله أو بعضه، فإن الإعلام الرسمي فيه يعيش أزمة لا ينبغي لها أن تدوم، وإنه يمر بإشكالية يجب البحث عن حلول لها، وما هذه الورقة إلا خواطر - للعرض لا للفرض - تتتبع الأسباب وتجتهد في طرح بعض الحلول، بعيدا عن الأشخاص والعهود».
وأشار الشبيلي إلى أن معظم تلك الأجهزة الرسمية تمارس عملها اليوم بعقلية الماضي، مرتدية ثوب الحاضر وتقنيته، وبالتالي فإن التطور الحقيقي لن يتحقق إلا بتجديد الفكر وتغيير الأساليب وتحريك مياهه الراكدة، وذلك إلى جانب تحديث الأجهزة وإقامة المنشآت، وعندما يستشعر العنوان وجود أزمة فإنه يعني التسليم بوجود خلل وقصور، والقبول في الوقت نفسه بما يحتويه هذا الإعلام الرسمي من إيجابيات، مشددا بالقول: «لقد أثبتت نماذج معاشة أن التأثير لا يتأتى بالضرورة مع المقرات الزاهية أو بتحديث المعدات، وأن تضخيم الكوادر لم يعد المعادلة الأهم في التفوق، بل لعله يصبح أحيانا عبئا على عمليات التطوير، كما أن كثرة التلويح بخصوصية المجتمع وثوابته، أو المبالغة في تقدير العناصر الإيجابية في المجتمع أو في إعلام أي دولة، تشكلان أحيانا أعذارا للإبقاء على الحالة الراهنة وأسبابا للإحجام عن التغيير، ولتخدير العزائم عن التفكير في الإصلاح».
وفي ورقته التي تناول فيها الإعلام الورقي في مواجهة الإعلام الإلكتروني، أكد الدكتور علي العنزي أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود أن الصحافة الورقية تواجه ضغطا قويا من الصحافة الإلكترونية، بل إن هذا الضغط قد تحول إلى تهديد لوجود وكينونة الصحافة الورقية، إذ يتابع الجميع عشرات، بل مئات الصحف الورقية وهي تغلق أبوابها وتوقف صدورها، ما يؤكد للمراقبين أن أيام الصحف الورقية أصبحت معدودة، أو بالأحرى محدودة جدا، مع الاختلاف من مكان إلى آخر في دول العالم. وناقش العنزي موضوع مستقبل الصحافة الورقية في ظل الوضع القائم حاليا، متناولا المعطيات التي تؤثر في مستقبل الصحافتين، الورقية والإلكترونية، من خلال الحديث عن تاريخ الصحافة الإلكترونية وبداياتها، إلى جانب مفهومها وأنواعها، وأسباب ازدهار الصحافة الإلكترونية، وتراجع الصحافة الورقية، والعامل الاقتصادي وأهميته في بروز الصحافة الإلكترونية.
وتحدث في المنتدى الكاتب العربي سمير عطا الله عن الرقابة في زمن العولمة، مشيرا إلى تجربة الشيخ جميل حجيلان الذي كان وزيرا للإعلام في أشد مراحل السعودية نزاعا، دولة بلا صحافة تقريبا تتعرض كل يوم للنقد الطالع من القاهرة الناصرية، بالحبر والورق وموجات الأثير، قرر الحجيلان أنها معركة غير متكافئة وحرب لا ضرورة لها، مشددا بالقول، إن الرقابة شيء غير مستحب. إن هذا نقيض للرغبة في المعرفة، لكنها مثل كل شيء آخر، إدارة أولا، لقد أدار الشيخ جميل الرقابة بعصا ذهبية، كما يدير فرقة ماسية.
وفي تقديمه لورقته المخصصة عن الرقابة وعصر التطورات التكنولوجية في الإعلام، أكد الدكتور أحمد بن عبد الملك المستشار في وزارة الثقافة القطرية، قائلا: «لقد تلاحقت في عصرنا الحاضر الإنجازات العلمية في وسائل الإعلام تقنيا (Hardware)، واتسعت مساحة انتقال المعلومة (Software) لتعبر الحدود الجغرافية؛ الأمر الذي أسقط كل الحواجز الرقابية، وحتم تغيير الرؤى الرسمية لدور وسائل الإعلام، واتساع مساحة حرية التعبير، وتجاوز الرؤى الضيقة بالتعامل مع حالة تدفق المعلومات في العالم»، مستعرضا شكل ومحددات هذه التطورات، وأثرها على الدور المهني لوسائل الإعلام.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».