«بناية بركات» أو ما عرف خلال الحرب الأهلية اللبنانية المشؤومة باسم «المبنى الأصفر»، سيتحول إلى متحف ومكتبة باسم «بيت بيروت». ويوم 12 الشهر الحالي سيكون افتتاح المكتبة بمثابة أول نشاط رسمي يشهده هذا المبنى، بعد تسلّمه من قبل بلدية بيروت، التي وبالتعاون مع بلدية باريس حوّلته إلى متحف، وقد استغرق العمل فيه أكثر من 5 سنوات وبلغت كلفة ترميمه نحو 25 مليون دولار.
وكانت جمعية إيناس أبو عياش التي تدعم البرامج والمشاريع ذات الطابعين الثقافي والعلمي، قد أخذت على عاتقها افتتاح هذه المكتبة مبادرة منها وتقديراً لهذا البيت العريق. «عندما زرت هذا البيت فوجئت بالفرادة التي يتمتع بها وقررت أن أشارك في تسليط الضوء على أهميته ليكون بمثابة حكاية تروي بأحجارها وفجواتها وجدرانها الصفراء ذكريات كثيرة، تجمع في خطوطها بيروت أيام العزّ والحرب معاً». تقول إيناس أبو عياش في حديث لـ«الشرق الأوسط».
فهذا المبنى القديم الواقع في محلّة «السوديكو» في الأشرفية على مفترق طرق يفصل بين منطقة غرب البسطا وشرق الأشرفية، هو الوحيد الذي لم يجرَ ترميمه هناك، وذلك بخلاف الأبنية المحيطة به. فقد تم الإبقاء على آثار الحرب فيه، إذ كان يشكل في تلك الحقبة مركزاً أساسياً للقناصة، كونه يشرف على بيروت من كل جوانبها. وكان قد تمّ تشييده عام 1924 تحت إشراف المهندس يوسف افتيموس، فلم يفقد هيئته فقط بفعل مرور الزمن، بل عانى الكثير مما خلّفته الحرب من خراب وويلات كانت لها البصمة الأبرز على ما تبقى من معالم هذا المبنى أو كما يعرفه اللبنانيون بـ«بناية بركات».
وبعدما تسلمته بلدية بيروت أدرج اسمه في لائحة البيوت التراثية التي سيحافظ عليها كإرث ثقافي ينتقل من جيل إلى آخر.
«ستتضمن المكتبة مؤلفات لها علاقة فقط بذاكرة بيروت، التي هدفها تعريفنا إلى ثقافة وتاريخ وشعراء وأدباء هذه المدينة، كما سيتم استحداث قسم للتذكارات على مدخلها»، تقول أبو عياش في سياق حديثها وتضيف: «ولطالما كان هدفي الأساسي من إقامة هذه المكتبة هو الإضاءة على هذا البيت الرائع الذي تعبق كل زاوية منه بذكريات مختلفة». وأشارت أبو عياش إلى أن «بيت بيروت» سيشهد في المستقبل نشاطات كثيرة، ليكون وجهة الزوار هواة المعارض والمسارح والعروض الفنية.
العمل يجري على قدم وساق لتكون المكتبة جاهزة وبأبهى حلّة في 12 الشهر الحالي، برعاية وزارة الثقافة التي أمّنت القسم الأكبر من الكتب. وعن البرنامج الذي سيتخلل حفل الافتتاح تحدثنا مع المسؤول عن تنظيمه جوني فنيانوس، الذي أشار إلى أن مراسم الحفل ستشمل الطابقين الأساسيين من المبنى انطلاقاً من بهو الاستقبال الذي سُمّي «أهلاً وسهلاً». «لقد أطلقنا على كلّ قسم من البيت اسماً خاصاً تيمناً بالذكريات التي يحملها، وسيتضمن البرنامج لوحات بصرية وسمعية مستوحاة بمجملها من أيام بيروت القديمة». ويضيف: «سيقوم المدعوون بجولة فيه يطلعون خلالها على أقسام المبنى، لا سيما أنه تمّ الإبقاء على حالته الأساسية، بعد أن عمل المهندس يوسف حيدر للحفاظ عليه على الرغم من إجراء بعض التعديلات العصرية».
في أول مرحلة من الحفل يجتمع المدعوون في بهو «أهلاً وسهلاً» ليتم قص شريط الافتتاح من قبل وزير الثقافة غطاس خوري ترافقه إيناس أبو عياش ورئيس بلدية بيروت جمال عيتاني والمحافظ زياد شبيب، وذلك على أنغام فرقة موسيقية (تحت شرقي) تعزف أغاني لفيروز والرحابنة وزكي ناصيف وغيرهم. وقد تركت جدران البهو على حالها مثقوبة بفعل الانفجارات والحرب، فيما تغمره من الأعلى هندسة عصرية تتجلى بسقفه بالأبيض الذي تتدلى منه حدائق معلقة. ومن هناك سينتقل المدعوون إلى المكتبة ليعرّجوا على قسم التذكارات عند مدخلها وفيه أعمال حرفية لبنانية، ولينتقلوا من يمينه إلى المسرح الصغير الذي أطلق عليه اسم «الفن من وراء المتراس». وفي هذا المكان بالذات سيقف شخص نتعرف عليه من أزيائه وسلاحه بأنه يمثل «الرجل القناص»، الذي كان في الماضي يقف في هذا المكان بالذات يمارس أعمال القنص على المارة. فيما ستتوزع على جدران هذا المسرح ملصقات لأفلام سينمائية ومسرحيات شهدتها بيروت في السبعينات ولعب بطولتها فنانون معروفون أمثال فيروز وزياد الرحباني وأنطوان كرباج والراحل شوشو وغيرهم.
ومن ثم يجري التجوّل في المكتبة (درب الحرف)، الموصولة بسلم حديدي إلى طابق سفلي يحمل اسم المتحف، وفيه قطع من مخلفات الحرب ومنحوتات تم صنعها خصيصاً للمناسبة. وفي العودة إلى البهو سينزل المدعوون منه إلى المسرح الكبير الذي أطلق عليه اسم «خبّرنا»، وهو يتسع لنحو 180 شخصاً يغلب عليه الأحمر. وفيه سيكونون على موعد مع الفنان رفيق علي أحمد، راوياً لهم قصة أحد سكان هذه العمارة القديمة. وسيتاح لهم أن يتجولوا في الطابق العلوي من المبنى على أنغام موسيقى حية (عزف على آلة تشيللو)، فيكتشفون أكياس الرمل التي كانت تستخدم متراساً في الحرب، وليشاهدوا عن قرب غرفاً صغيرة وأخرى واسعة لم تتغيّر إلا من ناحية أسقفها المطلية بالأبيض وتحمل إنارة حديثة.
ويلفتك أثناء تجوالك في «بيت بيروت» انصهار الهندسة القديمة بالحديثة من خلال أدراج طويلة مكللة جوانبها بالدرابزين الأبيض توصلك إلى أقسام منه، وما زالت حيطانها تحمل عبارات وخربشات ورسوماً كشاهد حي على هوية المقاتلين الذين استعملوه أيام الحرب مركزاً لهم. وفي وسط البيت تطالعك فجوة كبيرة غلّفت بالزجاج الشفاف في إمكانك النظر من خلالها إلى الطابقين الأساسيين فيه، كون كل منها يحمل هذه الدائرة الهندسية نفسها.
التجول في «بيت بيروت» هو بمثابة رحلة استكشافية لحقبة ماضية لن تشبه غيرها لما يتخللها من صور وذكريات حيّة نسترجعها تلقائياً في أذهاننا رغم مرور أكثر من 40 عاماً عليها. الدعوة مفتوحة أمام الجميع للمشاركة في حفل افتتاح مكتبة «بيت بيروت» الذي ستشهده العاصمة، مسترجعة واحدة من صفحاتها التاريخية الأكثر دموية.
«بناية بركات» في بيروت... من مركز للقناصة خلال الحرب إلى معلم ثقافي
حول إلى متحف بالتعاون مع بلدية باريس
«بيت بيروت» في منطقة السوديكو الذي كان يعرف بالمبنى الأصفر - إحدى غرف «بيت بيروت» في الطابق العلوي ({الشرق الأوسط})
«بناية بركات» في بيروت... من مركز للقناصة خلال الحرب إلى معلم ثقافي
«بيت بيروت» في منطقة السوديكو الذي كان يعرف بالمبنى الأصفر - إحدى غرف «بيت بيروت» في الطابق العلوي ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

