سيتمكن القارئ العربي من اكتشاف نجمة لمعت في سماء الطرب العربي بدءاً من ثلاثينات وحتى خمسينات القرن الماضي، وعرفها ذوّاقة ذلك الوقت دون أن يصل ذكرها إلينا، كما ينبغي، أو توفّى حقها. وبدءاً من هذا الأسبوع تبدأ «دار الجديد» بتوزيع كتابها «فتحية أحمد مطربة القطرين» على المكتبات، لتسد ثغرة في تاريخ الغناء، الذي فقد الكثير من تسجيلاته، وضاع بعض من تفاصيله الثمينة، بسبب حالة الفوضى والإهمال المستشريين. وقام محب جميل، الكاتب والباحث المصري في المجال الموسيقي بتقصٍ طويل ليخرج بمؤلف يضيء على حياة واحدة من أهم أصوات تلك الحقبة التي تنافست خلالها كبيرات بقي ذكرهن إلى اليوم. ويقول الكاتب: «رحت أنقّب في كلّ ما يتعلق بها من أخبار، ومقالات، وحوارات في الصحافة المصرية بداية من عام 1918 حتى عام 1975، إلى جانب الاستماع إلى جميع ما أُتيح لي من تسجيلات تجارية أو إذاعية، في محاولة لرسم خطّ بياني واضح لصوتها، ومسيرتها الغنائية». ولم تفلح محاولاته في الوصول إلى جيرانها أو أقربائها لكنه تمكن من العثور على صور كثيرة تجمعها بشخصيات فنية وأدبية كثيرة ضمها إلى الكتاب.
يستطرد المؤلف: «كانت هذه الخطوة من الصعوبة بمكان نظراً لعدم احتفاظ معظم المؤسسات الرسميّة والصحافيّة بألبوم مصوّر وافٍ يخصّ الفنانين والفنانات الكبار. ولاحظت أيضاً أنّ حياة السيدة فتحية تشغلها مساحة واسعة من الغموض، ولا أعرف السبب تحديداً، فإمّا أن يكون السبب شخصيّاً رغبة منها في الحفاظ على حياتها الخاصة، أو يكون الأمر تسويقيّاً نتيجة لعدم قدرتها على التواصل مع الصحافة، تاركة لب الأمر لأعمالها للتحدث عنها».
وتعتبر دار النشر أن «من الثلاث اللواتي تنافسن، القرن الماضي، على عرش المغنى العربيّ، تتقدّم، اليوم، في معرض الذكر والتعداد، أمّ كلثوم وأسمهان وتليهما منيرة المهديّة». شارحة أن الأمر لم يكن كذلك يومذاك. ففي ذلك العهد «كان قصبُ السبق، في مصر، كما في بلاد الشام، مكتوباً لفتحية أحمد».
يتألّف كتاب «فتحية أحمد» من مقدّمتين وستّة فصول وأربعة ملاحق. أما لماذا اختارها الكاتب لاقتفاء أثرها فيقول: «منذ سمعتها للمّرة الأولى شعرت بأن هناك شيئاً مميزاً في تلك النبرة يجعلها متفرّدة عن باقي الأصوات النسائية مع بدايات القرن العشرين. وعندها رحت أفتش عن كلّ ما يتعلق بهذه المطربة التي بدأت حياتها الفنية طفلة صغيرة على مسرحي نجيب الريحاني وعلي الكسّار، ثم رحلت إلى سوريا عدّة سنوات، وعادت إلى مصر بمرافقة تخت عازفين. وبعدها قامت بتسجيل مجموعة من الأسطوانات التجارية قبل أن تلتحق بالإذاعة المصرية اللاسلكية، وتدخل عالم السينما لاحقاً».
ويبدو أن الكتاب هو الأول من نوعه الذي يبحث في حياة هذه المطربة التي كانت على علاقة مع أم كلثوم لعشرات السنين. ولإنجاز سيرة موثقة قدر الممكن عاد المؤلف إلى ما أتيح له من تسجيلات وأسطوانات قديمة، وفهارس خاصة بالشعراء وقوائم فنية.
وكان نجيب الريحاني قد اكتشف فتحية أحمد صغيرة وتبناها إلى أن اشتهرت وتنافس على صوتها كبار ملحني ذاك الزمان. وغنت لزكريّا أحمد، وأبو العلا محمد الذي لحن لها مجموعة من الطقاطيق وهو الذي علمها فن النطق السليم والتحكم في المدى الصوتي. ثم لحن لها أحمد صبري النجريدي، ورياض السنباطي، ومحمد عفيفي، وداود حُسني، ومحمد القصبجي. لكن التأثير الكبير كان حين اقتربت من سيد درويش الذي أسهم في صقل صوتها بألحانه وبلورة شخصيتها الفنية.
وينقل مؤلف الكتاب نصاً نشر في مجلة «الرسالة» عام 1939 يقول في فتحية أحمد: «تعتبر ثانية مطربات الشرق بعد أمّ كلثوم، وإن كان بعض جهابذة الفنّ يرفعها عليهنّ جميعاً لقدرتها وتصرّفها العجيب الذي يجمع بين سحر القديم وقوته، ورونق الجديد ورقّته، الذي لا يعجز عن إرضاء جمهرة السامعين ولو كانوا حشداً مختلفاً في ذوقه متبايناً في عمره!».
وثمة شرح فني وتقني حول قدرات صوت فتحية أحمد، ومهارة حنجرتها، وأدائها في حفلة في «دار الاتحاد الموسيقيّ» حيث كانت «كوكب الشرق» حاضرة.
ويقول كاتب المقال إنه تحت تأثير صوت فتحية أحمد خرجت أم كلثوم عن طورها، ويكمل: «لم أرها في موقف لمطرب أو مطربة تصرخ كما كانت تصرخ أمام فتحية. ولقد أراد البعض أن يرجعوها في الغناء بعد أن أنهت...».
ولدت فتحية أحمد في القاهرة «حي الخرنفش» عام 1905، بحسب ما يقول الكتاب، مخالفاً بذلك أولئك الذين يعيدون تاريخ ميلادها إلى 1898. تعلمت الغناء على يد أستاذ أم كلثوم الشيخ أبو العلا محمد. دخلت المسرح الغنائي الذي ازدهر بين عامي 1917 و1927، وسافرت لأداء أدوارها في هذه الأعمال في عدة أقطار عربية، لكنها كانت تتنقل سنوياً بين مصر والشام، لذلك لقبت بـ«مطربة القطرين» على غرار خليل مطران «شاعر القطرين». وقامت ببطولة مسرحية «يوم القيامة» التي غنت فيها أغنيتها الشهيرة «يا حلوة الدنيا يا حلاوة» التي لا تزال معروفة إلى اليوم.
قال عنها عباس محمود العقاد: «صوتها يمثّلها تمثيلاً عجيباً في البساطة والطيبة وراحة القلب والصراحة، حتّى يخيّل إلى من يسمعها ويراها أنّه قد رآها قبل ذلك، لا نفاق في الإحساس الذي توحيه معرفتها ويوحيه غناؤها. إنّ الرسالة تخدم الغناء الشعبي خدمة جليلة لو وجهت عنايتها إلى إحياء الأدوار القديمة المأثورة التي تناسب عصرنا الحاضر، لأنّها توافق صوتها كلّ الموافقة».
يرجع الكاتب سبب قلة الأخبار حول فتحية أحمد لعوامل كثيرة، منها: زيجاتها المتكرّرة، وانقطاعها عن الحياة الفنية من أجل الاهتمام بمنزلها وأولادها، إلى جانب السفر لفترات طويلة كانت تستغرق سنوات بعيداً عن مصر.
وتقرأ على غلاف الكتاب: «انسحبت فتحية أحمد من عالم الأضواء مُعتكفة في بيتها مريضة صابرة على تقلّبات الدهر إلى أن وافتها المنيّة وحيدة منسيّة سنة 1975، وهي السنة التي شاءت الصُدف أيضاً أن تشهد وفاة صديقتها اللدود، كوكب الشرق، أمّ كلثوم!»
11:9 دقيقه
فتحية أحمد {مطربة القطرين» تنطلق من بيروت
https://aawsat.com/home/article/892101/%D9%81%D8%AA%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%B7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%86%C2%BB-%D8%AA%D9%86%D8%B7%D9%84%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA
فتحية أحمد {مطربة القطرين» تنطلق من بيروت
صديقة لدود لأم كلثوم تخرج هذا الأسبوع من «دار الجديد» بالكلمة والصورة
فتحية أحمد في إحدى حفلاتها الغنائية - فتحية أحمد في الإذاعة المصرية في صورة دعائية في الأربعينات - فتحية أحمد وسط أعضاء فرقتها الموسيقية - غلاف كتاب فتحية أحمد
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
فتحية أحمد {مطربة القطرين» تنطلق من بيروت
فتحية أحمد في إحدى حفلاتها الغنائية - فتحية أحمد في الإذاعة المصرية في صورة دعائية في الأربعينات - فتحية أحمد وسط أعضاء فرقتها الموسيقية - غلاف كتاب فتحية أحمد
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

