الفساد ينخر في مؤسسات الدولة الأفغانية

«الدفاع» الأفغانية تسرّح نحو 1400 من منتسبي الوزارة بسبب شبهة الرشى

شاحنات تحمل بضائع للناتو في معبر شامان الحدودي الذي أغلقته السلطات الباكستانية مع أفغانستان ما أوقف حركة التجارة إلى البلد غير الساحلي المجاور وفاقم التوتر بين البلدين في أعقاب تفجير انتحاري دموي استهدف ضريحاً في باكستان (إ.ب.أ)
شاحنات تحمل بضائع للناتو في معبر شامان الحدودي الذي أغلقته السلطات الباكستانية مع أفغانستان ما أوقف حركة التجارة إلى البلد غير الساحلي المجاور وفاقم التوتر بين البلدين في أعقاب تفجير انتحاري دموي استهدف ضريحاً في باكستان (إ.ب.أ)
TT

الفساد ينخر في مؤسسات الدولة الأفغانية

شاحنات تحمل بضائع للناتو في معبر شامان الحدودي الذي أغلقته السلطات الباكستانية مع أفغانستان ما أوقف حركة التجارة إلى البلد غير الساحلي المجاور وفاقم التوتر بين البلدين في أعقاب تفجير انتحاري دموي استهدف ضريحاً في باكستان (إ.ب.أ)
شاحنات تحمل بضائع للناتو في معبر شامان الحدودي الذي أغلقته السلطات الباكستانية مع أفغانستان ما أوقف حركة التجارة إلى البلد غير الساحلي المجاور وفاقم التوتر بين البلدين في أعقاب تفجير انتحاري دموي استهدف ضريحاً في باكستان (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية، أن مركز العدل ولجنة تفتيش ملفات الفساد المتعلقة بالمسؤولين الأمنيين اعتقلت جنرالا رفيعا في الجيش الوطني بتهم تتعلق بالفساد واللعب بميزانية «فيلق 215» المستقرة في ولاية هلمند المضطربة بالجنوب الأفغاني. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الجنرال، دولت وزيري: إن «الشخص المعتقل هو الجنرال محمد معين فقيري، الذي كان يتولى قيادة «فيلق 215» للجيش بالجنوب، واعتقل بناء على اتهامات وجهت إليه من قبل مركز العدل لمحاربة الفساد الذي أنشئ للقضاء على عمليات الفساد التي تنخر بمؤسسات وزارة الدفاع وباقي المؤسسات الحكومية، وذلك قبل عامين وبعد أن كثرت التقارير التي تتحدث عن تلاعب بالأموال تتورط فيه شخصيات أمنية رفيعة». وأرسل فقيري لتولي قيادة الفيلق 215 للجيش بهلمند مطلع عام 2016 بعد أن أصبح قائده السابق ضالعا في قضايا تتعلق بمدفوعات لجنود ليس لهم وجود على أرض الواقع، وبعد عام بالضبط يتورط القائد الجديد للفيلق في عمليات الفساد نفسها. وأشار هلال الدين هلال، وهو مساعد وزير الدفاع الأفغاني، في مؤتمر صحافي عقده في كابل بأن الوزارة سرحت ما يقارب 1400 من منتسبي الوزارة، بينهم جنرالات وضباط وموظفون لوجيستيون، إضافة إلى الفنيين، وذلك خلال عام 2016 بسبب الاشتباه في تورطهم في عمليات الفساد، مضيفا أن نحو 300 من هؤلاء يخضعون للتحقيق، وبعضهم أصدرت عليهم أحكام بالسجن لفترات متفاوتة، مؤكدا أن الحكومة لن تتهاون مع الأشخاص الذين يتورطون في قضايا الفساد، خصوصا في أجهزة الدولة الأمنية. ولم يتضح كم عدد الأفراد الذين يخضعون للتحقيق، وتم القبض عليهم. من ناحية أخرى، تمت إقالة نحو 1394 فردا، من بينهم بعض الجنرالات. ويتهم بعضهم بالفساد أو الإهمال في الواجب أو الفرار من وحداتهم. كما تشمل القضايا سوء استخدام السلطة والإهمال والسرقة وبيع أسلحة ومواد غذائية واختلاس رواتب الجنود.
ومن بين أبرز المشتبه فيهم، قائد سابق في القوات الأفغانية، بإقليم هلمند جنوبي البلاد، وهو الجنرال معين فقير، الذي تم إلقاء القبض عليه يوم الاثنين الماضي. وندد وزير الاقتصاد الأفغاني عبد الستار مراد مؤخرا بالفساد المستمر في البلاد منذ قدوم القوات الأجنبية بأعداد كبيرة قبل 15 عاما، معتبرا أنه لا يزال من أسوأ أشكال الطغيان الذي تعرضت له البلاد. وكشف تصنيف لمنظمة «ترانسبيرنسي إنترناشيونال» غير الحكومية في تقريرها الأخير، عن أن البلاد انتقلت من المرتبة الـ176 إلى الـ169. وأضاف الوزير مراد إن «أفغانستان تقدمت سبع درجات، لكن تصنيفها لا يزال محرجا جدا، وذلك خلال مؤتمر صحافي لمنظمة (انتغريتي ووتش أفغانستان) التي تحاول منذ عام 2005 لفت الانتباه إلى الفساد ومحاربته». وأضاف مراد: «مع الأسف لم نتمكن من إصلاح المشكلة». ومضى يقول: إن «الأمن مشكلة كبرى، لكن الفساد أسوأ؛ لأنه يتيح لحركة طالبان التغلغل في كل مكان وتنفيذ هجماتها الانتحارية الفساد نوع من الطغيان». إلا أن مدير منظمة «انتغريتي ووتش أفغانستان» سيد أكرم أفضلي، ندد بعدم التزام الحكومة الأفغانية وتساهل الجهات الدولية الدائنة التي تغطي 70 في المائة من موازنة البلاد. وتابع سيد أكرم «خمس وزارات تبنت برامج لمكافحة الفساد وهي المالية والتجارة والصناعة والألغام والاتصالات والنقل. لكنها برامج من أدنى مستوى وكانت لمجرد الإعلان عن شيء بسيط فقط». وكانت الجهات المانحة من 75 دولة تعهدت في بروكسل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بدفع 15.2 مليار دولار إلى أفغانستان بحلول عام 2020 وطالبته بمزيد من الشفافية. وذكر سيد أكرم «لقد أمهلوا الرئيس الأفغاني أشرف غني حتى عام 2017 لتبني استراتيجية فعلية ضد الفساد. بعدها بأربعة أشهر لم يتحرك شيء. لم نعد نسمع عن شيء. مرة أخرى اكتفت الحكومة بوضع إشارة على الورق».
وكانت منظمة الشفافية الدولية نشرت تقريراً سنوياً صنّفت فيه دول العالم حسب نسب الفساد فيها، وتستند الإحصائيات إلى معدلات حرية الصحافة والشفافية المالية وسيادة القانون.
وتحتل أفغانستان، استنادا إلى إحصائيات المنظمة، المركز الـ166 من أصل 188 دولة، ففي أفغانستان، يضطر ستة مواطنين من أصل عشرة إلى دفع رشى لتسهيل المعاملات الحكومية، وأشار الكثير منهم إلى انتشار الفساد واستفحاله في جميع هياكل الدولة وارتفاع نسبه في سنة 2010، مقارنة بما كانت عليه سنة 2007. وتجدر الإشارة إلى أن أسباب الفساد في أفغانستان متعددة، من بينها اندلاع الحروب وتفشي التخلف والفقر. هذا بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه القوات الدولية المنتشرة ومؤسسات أجنبية في تهيئة المناخ المناسب لتزايد الفساد وتفشيه في كل أركان الدولة، حسب محللين أفغان. وصرح مكتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان في تقرير نشره بعنوان «الدروس المستفادة»، بأن الولايات المتحدة لم تستخفّ فقط بحجم الفساد المستفحل في أفغانستان، بل زادت الوضع سوءا عبر منح مبالغ مالية طائلة لمتعاقدين غير خاضعين للمحاسبة ولحلفائهم المثيرين للريبة، وقد بادرت الولايات المتحدة بمحاربة الفساد بعد عقد من تفشي مظاهره ولم تقم على إثرها بأي محاولات أخرى جدية للإصلاح الجدي.
وأشار المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان، جون سوبكو، في التقرير نفسه، إلى أن الفساد في أفغانستان قد شهد تراجعاً إلى حدود سنة 2001، إلا أنه منذ ذلك الحين أصبح أكثر تفاقماً، وقال سوبكو في هذا السياق إنه نتج من محاولات تدخل الولايات المتحدة لإعادة إعمار أفغانستان تفشي فساد منظم في كل أجهزة الدولة من محاكم وجيش وشرطة، إضافة إلى الخدمات المصرفية وبقية القطاعات الحيوية الأخرى. لقد أصبح الفساد جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفغان منذ سنة 2001، وانعكس ذلك من خلال تحول نظرة الأفغان لظاهرة الرشوة، حيث كانوا يعتبرونها عملاً مخزياً إلا أنه أصبح هناك اتفاق ضمني على أنها شر لا بد منه لحل مشكلاتهم اليومية، خصوصا في الإدارات الحكومية.
كما أن الولايات المتحدة ضخت عشرات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأفغاني، معتمدة على انعدام الرقابة وعلى التعاقد مع جهات مشبوهة، فضلاً عن الشراكة مع أجهزة تابعة للدولة، حيث إن جلّهم متهمون بالفساد.
وقد تعمق الفساد في أفغانستان عندما تعاملت واشنطن مع قادة حروب فاسدين، بحسب خير الدين بيان، المحلل السياسي الأفغاني، حيث يقول «قامت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (بتفريغ أكياس نقدية) في مكتب الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، وبالتالي فشلت الولايات المتحدة في معالجة الفساد في وقت مبكر كما عجزت عن دعم حكومة نزيهة وشفافة».
وبحسب الخبراء، فإن مشكلة الفساد في أفغانستان متجذرة وعميقة، ولا يمكن لبرنامج واحد أن يجد لها حلاً، بل بالعكس إن محاولات الولايات المتحدة لمحاربة الفساد والتدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان باءت بالفشل وأصبحت مكلفة للغاية.
وكان المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان قد قدم في تقريره قائمة تتمثل في ستة دروس و16 توصية فيما يخص السياسة الخارجية الأميركية في تعاملها مع أفغانستان، استناداً إلى الأبحاث التي قام بها. هذه التوصيات القيّمة لم تجد صداها المتوقع، من بين هذه التوصيات ضرورة تقديم تكوين مهني للمقاولين والوكلاء الأجانب، ولكن الإجراء الضروري الآن هو إعادة تقييم جذري للسياسة العدوانية الخارجية الفاشلة التي أدت إلى خلق تلك العلاقات المشبوهة في المقام الأول. وتجدر الإشارة إلى أن المشكلة في أفغانستان لا تكمن في الفساد المنظم الذي دعمته الولايات المتحدة، بل في تدخلها في الشؤون الداخلية لأفغانستان، فإذا كنا نرغب في تجنب تكرار الأخطاء، يجب أن تخضع واشنطن إلى التدقيق، مثلها مثل كابول لتجنب مزيد من الفساد الإداري.
واليوم، وبعد مضي أكثر من 15 عاما من الدعم الدولي ومنظمات أممية للنهوض بمؤسسات أفغانستان الرسمية والخاصة، إلا أن الفساد لم يتم القضاء عليه فحسب، بل زادت نسبته في جميع الدوائر الحكومية؛ مما يزيد الطين بلة ويصب ذلك في مصلحة الجماعات الإرهابية التي هي بالمرصاد للاستفادة من أي فشل يرتكب؛ وذلك لاستقطاب مزيد من التعاطف والدعم القبلي لها في مناطق التوتر بالذات.
ففي الولايات الأفغانية التي ينعدم فيها الأمن والاستقرار، ولا تسيطر عليها الحكومة إلا على أجزاء بسيطة منها يلجأ الأفغان في حل مشكلاتهم إلى محاكم (طالبان)؛ لأنها أسرع ولا يدفعون الرشى. يقول زمان خان، وهو أفغاني من قرية شينواري بولاية بروان التي لا تبعد عن العاصمة إلا بضعة كيلومترات: إن محاكم طالبان اليوم أكثر نزاهة، وخالية من التزوير وعمليات الفساد مقارنة مع محاكم رسمية للحكومة، مضيفا أنه راجع قيادة طالبان في حل مشكلة نشبت بينه وبين رجل آخر في القرية على قطعة أرض كان يملكها ولم تستغرق العملية إلا يومين وحلت بين الطرفين، مشيرا إلى أنه لو راجع الحكومة لاستغرق الأمر سنوات، ولاضطر إلى دفع أكثر من ثمن قطعة الأرض للقضاء سبيلا للرشوة، وما يطلق عليه هنا (شيريني) ويعني ذلك (الهدية).
وتتحدث المؤسسات العاملة في القضاء على الإرهاب بأن آلاف الملفات من عمليات الفساد والتزوير تتورط فيها شخصيات حكومية رفيعة، غير أن الحكومة ليس بمقدورها اتهام الأفراد الذين يتمتعون بالنفوذ والقوة، وغالبيتهم من لوردات الحرب السابقين لجرّهم إلى المحاكم، وتشير هذه المنظمات بأن آلاف المدارس وعشرات المناصب في المؤسسات الأمنية أو غير الأمنية توجد على الورق فقط، وتذهب الرواتب الشهرية إلى جيوب أشخاص يتقلدون مناصب رفيعة في الحكومة، مشيرة إلى أن الحكومة تفتقر إلى رؤية واضحة، وتغيب الإرادة السياسية في ملاحقة الفاسدين.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.