بكين تتعهد بالبقاء «محركاً مهماً» للنمو العالمي وتؤكد قوة نظامها المالي

رئيس الوزراء الصيني: لا نريد حرباً تجارية مع أميركا... وسنواصل الإصلاحات

بكين تتعهد بالبقاء «محركاً مهماً» للنمو العالمي وتؤكد قوة نظامها المالي
TT

بكين تتعهد بالبقاء «محركاً مهماً» للنمو العالمي وتؤكد قوة نظامها المالي

بكين تتعهد بالبقاء «محركاً مهماً» للنمو العالمي وتؤكد قوة نظامها المالي

قال رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانغ، أمس الأربعاء، إن بكين لا تريد حربا تجارية مع الولايات المتحدة، وحث على إجراء محادثات بين الجانبين للوصول إلى أرضية مشتركة. متعهدا بأن تبقى بلاده محركا مهما للنمو العالمي، وسط ما يعاني منه العالم من نمو اقتصادي متباطئ، مؤكدا أن النظام المالي الصيني آمن بشكل عام.
وفي تصريحات أدلى بها أمس خلال مؤتمر صحافي عقده بعد اختتام فعاليات بدء الدورة السنوية الجديدة لأعلى هيئة تشريعية بالبلاد، التي دامت مدة عشرة أيام، قال لي إن الوصول إلى نمو اقتصادي بمعدل 6.5 في المائة خلال العام الحالي «لن يكون سهلا»، وحث على «التوقف التام» للتوقعات التي تتحدث عن الهبوط الحاد للاقتصاد الصيني، مؤكدا أن بلاده قادرة على الحفاظ على نمو متوسط إلى عالي السرعة لوقت طويل في المستقبل.
وأكد أن الأداء الاقتصادي الصيني خلال الأعوام الماضية يجب أن يكون كافيا ليوقف تماما التوقعات بالهبوط الحاد، موضحا أنه بدلا من اللجوء إلى اتخاذ إجراءات تحفيزية كبيرة، قامت الصين بإصلاح مناهج السيطرة الكلية، وترقية الأنماط الصناعية والاستهلاكية، وعززت مصادر النمو الجديدة للمحافظة على الأداء الاقتصادي في حدود مناسبة.
كما أشار إلى ما أنجزته الصين من نجاح في توفير أكثر من 50 مليون فرصة عمل جديدة في المناطق الحضرية خلال السنوات الأربع الماضية، مؤكدا أن الحكومة لن تسمح بأن يعاني أحد مواطنيها من البطالة، وأنها قادرة على ضمان بيئة مواتية لتوفير فرص عمل.

* تحديات وإصلاحات
* واعترف لي بوجود تحديات وصعوبات خلال عملية تعميق الإصلاحات، إلا أنه تعهد بتبسيط الإجراءات الإدارية الحكومية لكبح «التعسف في استعمال السلطة» وتفويض السلطة إلى مستويات أدنى.
كما استبعد إمكانية وقوع بلاده في أي مخاطر اقتصادية، لما لديها من أدوات سياسية تمكنها من مجابهة أي مخاطر في الوقت المناسب، كما أكد أن دعم العولمة والتجارة الحرة هو موقف ثابت للصين، وأن الصين لن تقلل من قيمة اليوان لتعزيز صادراتها، مضيفا أنه نظرا لتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين 74 تريليون يوان (نحو 11 تريليون دولار أميركي)، فإن تحديد نسبة نمو 6.5 في المائة للعام الحالي لا يعني أن معدلات النمو في الصين تتخذ منحى الهبوط، حيث إن المعدلات المستهدفة كافية لتحقيق الهدف بمضاعفة حجم الاقتصاد في 2020 بالمقارنة مع ما كان عليه في 2010، كما أكد مواصلة الحكومة توجيه مزيد من الجهود إلى تحسين جودة وكفاءة الأداء الاقتصادي.
وقال لي إن تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 6.5 في المائة، وهو أقل معدل نمو للصين منذ 25 عاما، سيسمح للبلاد بالتركيز على تحسين جودة وأداء النمو الاقتصادي. مؤكدا: «نرى عوامل غموض متزايدة على الصعيد الاقتصادي الدولي... وبالنسبة للصين فإن جمود التنمية يمثل أكبر خطر على البلاد؛ لذلك من الضروري المحافظة على معدل نمو متوسط لاقتصادنا، وهذا في حد ذاته مساهمة الصين في الاستقرار العالمي».

* سوق مفتوحة
* وأعلن رئيس الوزراء عن تخطيط الصين لربط سوق السندات بين البر الرئيسي الصيني ومنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة على أساس تجريبي هذا العام، في خطوة سيتم فيها لأول مرة السماح للمستثمرين بالخارج من دخول سوق السندات بالبر الرئيسي الصيني من خلال حساباتهم بسوق السندات في هونغ كونغ، مشيرا إلى أن هونغ كونغ ستكون أول المستفيدين من مثل هذا الترتيب.
من جهة أخرى، نوه لي إلى ما تتمتع به مبادرة تشجيع ريادة الأعمال والابتكار في الصين من حيوية وقوة، وقال إنه خلال السنوات الثلاث الماضية، تم تسجيل دخول أكثر من 40 ألف كيان جديد إلى السوق كل يوم في المتوسط... مما يعني أن هناك أكثر من 10 ملايين كيان جديد تبدأ أنشطتها في السوق الصينية كل عام.

* أرضية مشتركة
* وشدد لي على أن بكين لا تريد حربا تجارية مع الولايات المتحدة، وحث على إجراء محادثات بين الجانبين للوصول إلى أرضية مشتركة. وقال: «نحن لا نريد نشوب أي حرب تجارية بين البلدين... نأمل من جانبنا في أن تستمر هذه العلاقة في المضي قدما في اتجاه إيجابي، بغض النظر عن أي صعوبات تواجهها».
وقالت وسائل إعلام أميركية إن الرئيسين، الأميركي دونالد ترمب، والصيني شي جينبينغ سيلتقيان في فلوريدا الشهر المقبل. وخلال حملته الانتخابية، هدد ترمب بتصنيف الصين «متلاعبا بالعملة»، وفرض رسوم جمركية ضخمة على واردات السلع الصينية، لكنه لم يشرع في تنفيذ أي من التهديدين حتى الآن. وستصدر وزارة الخزانة الأميركية تقريرها نصف السنوي عن العملة في أبريل (نيسان) المقبل.
وبلغ الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة 366 مليار دولار في عام 2015. وقال لي أيضا إن الصين لا تريد فائضا تجاريا طويل الأمد مع الاتحاد الأوروبي، وإن الخلل «سيتحسن بشكل واضح» إذا صدرت أوروبا مزيدا من منتجات التكنولوجيا الفائقة إلى الصين.
وأبقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي طويلا على قيود التصدير كإجراء أمني ضد الصين، ويشمل ذلك مجموعة من المنتجات ذات الاستخدامات العسكرية والمدنية.
وقال لي إن الصين ستواصل دفع إصلاح نظام صرف اليوان ولا تتطلع إلى استغلال انخفاض قيمة اليوان لدعم الصادرات. وتراجع اليوان بنسبة 6.5 في المائة مقابل الدولار في العام الماضي، فيما استنزف البنك المركزي احتياطيات النقد الأجنبي لمنع مزيد من انخفاض العملة.
احتياطيات مستقرة:
وقال لي إن احتياطيات النقد الأجنبي الصينية تكفي لتغطية الواردات ومدفوعات الديون الخارجية، مضيفا أن الاستخدام الطبيعي للنقد الأجنبي من جانب الشركات والأفراد سيكون مكفولا... مؤكدا أيضا أن اليوان سيظل مستقرا بشكل أساسي.
وأشار إلى أن الحكومة الصينية تتعامل مع مخاطر القطاع المالي «بجدية شديدة»، وستمنع انتشار المخاطر المحتملة. مضيفا أنه «مع استمرار نمو الصين بسرعة بين المتوسطة والقوية، نحتاج إلى ربط أحزمة الأمان ومنع أي انفجار حاد للمخاطر المالية».

* تطوير العلاقات مع موسكو
* من جهة أخرى، أكد لي أن تطوير التعاون التجاري بين روسيا والصين له تأثير إيجابي على الوضع في العالم كله، والعلاقة بين البلدين لديها إمكانات كبيرة. وقال إن «العلاقات المتينة والمستقرة بين الصين وروسيا لها تأثير إيجابي على المنطقة والعالم أجمع... والزيادة الكبيرة في حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين منذ بداية عام 2017 تشير إلى إمكانية ضخمة لتعزيز هذا التعاون»، بحسب ما نقلته وكالة «روسيا اليوم».
وأضاف أنه «بالنسبة للشهرين الأولين من هذا العام، ارتفعت قيمة التبادل التجاري بين بلدينا بشكل كبير، إمكانياتنا التجارية كبيرة، والتكامل بين اقتصادينا عالٍ... أنا واثق من أن الهدف الذي وضعناه للنهوض بالتجارة الثنائية، سيتحقق».
ووفقا للإدارة العامة للجمارك الصينية، ارتفع حجم التبادل التجاري بين موسكو وبكين بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين بنسبة 28.8 في المائة، إلى 11.58 مليار دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي نهاية عام 2016، زاد حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين بنسبة 2.2 في المائة إلى 69.525 مليار دولار، وكذلك نمت صادرات الصين إلى روسيا بنسبة 7.3 في المائة إلى 37.297 مليار دولار، في حين انخفضت الواردات من موسكو إلى بكين بنسبة 3.1 في المائة إلى 32.228 مليار دولار.
وفي عام 2014، قال الرئيس فلاديمير بوتين خلال زيارته للصين، إن روسيا والصين تنويان بحلول عام 2020 تحقيق تبادل تجاري بنحو 200 مليار دولار.

* تمرير الميزانية
* وجاء المؤتمر الصحافي لرئيس الوزراء بعد قليل من موافقة أعضاء مؤتمر الشعب الصيني (البرلمان) على تقرير عمل الحكومة وميزانيتها المقترحة. وتتضمن الميزانية المقترحة، زيادة سنوية نسبتها 7 في المائة للإنفاق العسكري للصين، وهي أيضا أقل زيادة في أكثر من عقدين، بحسب «رويترز».
وصوتت أغلبية ساحقة، مما يقرب من 2900 عضو في البرلمان، لصالح تقرير عمل الحكومة والميزانية في ختام الجلسة العامة السنوية للبرلمان، وصوت 14 عضوا فقط ضد تقرير عمل الحكومة، فيما امتنع ثمانية عن التصويت. وسجلت الميزانية 208 أصوات ضدها وامتناع 71 عضوا عن التصويت.



أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.


اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
TT

اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)

كشفت اليابان، الثلاثاء، عن أكبر تعديل شامل لقواعد تصدير الأسلحة منذ عقود، حيث ألغت القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الخارجية وفتحت الطريق أمام تصدير السفن الحربية والصواريخ... وغيرهما من الأسلحة.

وتُعدّ هذه الخطوة، التي تهدف إلى تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية، خطوة أخرى نحو الابتعاد عن القيود السلمية التي شكلت سياسة طوكيو الأمنية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما تُشكل الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ضغطاً على إنتاج الأسلحة الأميركي؛ مما يُوسع الفرص المتاحة لليابان. في الوقت نفسه، يسعى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا إلى تنويع مصادر التوريد؛ إذ تبدو التزامات واشنطن الأمنية الراسخة أقل يقيناً في ظل رئاسة دونالد ترمب. وقالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، في منشور على موقع «إكس»: «لا يمكن لأي دولة بمفردها حماية سلامها وأمنها، ومن الضروري وجود دول شريكة يدعم بعضها بعضاً في مجال المعدات الدفاعية».

ويلغي التعديل الذي أقرته حكومة تاكايتشي 5 فئات تصدير كانت تقصر معظم الصادرات العسكرية على معدات الإنقاذ والنقل والإنذار والمراقبة وإزالة الألغام. وبدلاً من ذلك، فسيقوم الوزراء والمسؤولون بتقييم مزايا كل صفقة بيع مقترحة. وستُبقي اليابان على 3 مبادئ تصديرية تُلزمها: إجراء فحص دقيق، وفرض ضوابط على عمليات النقل إلى دول ثالثة، وحظر البيع للدول المتورطة في نزاعات. لكن الحكومة، في عرض توضيحي للتغييرات، ذكرت أنه يمكن استثناء بعض الحالات عند الضرورة لحماية الأمن القومي.

* دول تستكشف الفرص

وأفاد مسؤولون ودبلوماسيون يابانيون وكالة «رويترز» بأن دولاً؛ من بولندا إلى الفلبين، تستكشف فرص التوريد في إطار تحديث قواتها. وذكر مصدران أن إحدى أولى الصفقات قد تكون تصدير سفن حربية مستعملة إلى مانيلا. ورحب وزير الدفاع الفلبيني، غيلبرتو تيودورو، بتغيير اليابان قواعدها، مصرحاً، في بيان منه، بأن ذلك سيوفر إمكانية الوصول إلى «معدات دفاعية عالية الجودة» من شأنها «تعزيز القدرة على الصمود المحلي» و«الإسهام في الاستقرار الإقليمي من خلال الردع». وتُشكل الفلبين، إلى جانب سلسلة الجزر الجنوبية الغربية لليابان، جزءاً مما يطلق عليه المخططون العسكريون «سلسلة الجزر الأولى»، وهي سلسلة من الجزر تُقيد وصول الصين من مياهها الساحلية إلى غرب المحيط الهادئ. ومع ازدياد النفوذ الإقليمي لبكين، عززت مانيلا وطوكيو علاقاتهما الأمنية؛ ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، وقعتا اتفاقية تُسهل على قوات كل من الدولتين العمل في أراضي الدولة الأخرى، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، خففتا قواعد تبادل الإمدادات العسكرية.

وقال جورج غلاس، سفير الولايات المتحدة لدى اليابان، في 10 أبريل (نيسان) الحالي: «لن تُعزز هذه الخطوة التاريخية القدرات الدفاعية للدول المتعاونة مع التحالف الياباني - الأميركي فقط، بل ستُقوي أيضاً قدرتنا الجماعية على صون السلام في جميع أنحاء المنطقة وحماية الحرية بشكل أكبر».

وتأمل طوكيو أن تُسهم صادرات الدفاع في دعم قاعدتها الصناعية عبر زيادة حجم الإنتاج، وخفض تكلفة الوحدة، وإضافة طاقة تصنيعية يُمكن الاعتماد عليها في حال وقوع أزمة عسكرية. وتستطيع شركات مثل «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» بناء أنظمة متطورة تشمل الغواصات والطائرات المقاتلة والصواريخ، لكنها اعتمدت لعقود على طلبات صغيرة من عميل واحد؛ هو «قوات الدفاع الذاتي اليابانية».

وقال جيفري هورنونغ، الخبير بالسياسة الأمنية اليابانية في مؤسسة «راند»: «لقد أدى ذلك إلى ارتفاع التكاليف وزيادة أوجه القصور. وعبر توسيع الأسواق، يأملون الاستفادة من وفورات الحجم وضخّ حيوية جديدة في القاعدة الصناعية اليابانية، لا سيما لدى كثير من الشركات الصغيرة». وتواصل اليابان جهودها غير المسبوقة لتعزيز جيشها، حيث تشتري صواريخ وطائرات نفاثة شبحية وطائرات مسيّرة، تقول إنها ضرورية لردع أي تهديد من الصين، بما في ذلك حول جزرها القريبة من تايوان... وقد صرّحت بكين بأن نياتها في شرق آسيا وغيره سلمية.

كما تعمل طوكيو على تطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي بالتعاون مع بريطانيا وإيطاليا لنشرها في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، وذلك في إطار استراتيجية لتقاسم تكاليف التطوير والحصول على تكنولوجيا جديدة. وقد زادت اليابان إنفاقها الدفاعي بشكل مطرد في السنوات الأخيرة ليصل إلى اثنين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تعلن حكومة تاكايتشي عن زيادات أخرى هذا العام عند إصدارها استراتيجية أمنية جديدة.