الزياني يتوقع اقتراب زوال «داعش» ويتهم الإرهاب بـ «اختطاف الإسلام»

ضمن فعاليات «منتدى الدبلوماسية العامة والاتصال الحكومي» في دبي

الزياني لدى تحدثه في المنتدى بدبي أمس (وام)
الزياني لدى تحدثه في المنتدى بدبي أمس (وام)
TT

الزياني يتوقع اقتراب زوال «داعش» ويتهم الإرهاب بـ «اختطاف الإسلام»

الزياني لدى تحدثه في المنتدى بدبي أمس (وام)
الزياني لدى تحدثه في المنتدى بدبي أمس (وام)

توقع الدكتور عبد اللطيف الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، زوال الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش، داعياً إلى ضرورة العمل على إيجاد البيئة السليمة الآمنة التي تحول دون نمو ظاهرة الإرهاب، وانتشار الفكر المضلل في المجتمعات، لا سيما بين الشباب، ومن ثم القضاء على الإرهاب من جذوره.
وقال الزياني إن المؤشرات الحالية تدلل على أن مصير الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها «داعش» إلى زوال، مشيراً إلى أن الإرهاب اختطف الدين الإسلامي، موضحاً أن الدبلوماسية الخليجية كانت مبادرة للتنبيه إلى خطر الإرهاب، وأضاف: «منذ عام 2005 طرحت دول المجلس هذه القضية ضمن مؤتمر الرياض، محذرة من مغبة تنامي خطر الإرهاب والحاجة للعمل المشترك في اجتثاث جذوره»، معرباً عن ثقته في أن التوصيات التي صدرت عن ذلك المؤتمر لو كانت وضعت موضع التنفيذ لكانت المنطقة والعالم اليوم تعيش وضعاً مختلفاً.
وشدد الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي في منتدى الدبلوماسية العامة والاتصال الحكومي الذي انطلق أمس بدبي، على أهمية العمل المشترك في مواجهة الإرهاب والحاجة لمزيد من التعاون على الصعيد الدولي، وذلك من أجل حشد الإمكانات اللازمة من تمويل ومبادرات وخطوات عملية تتضمن تطوير التشريعات والقوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب والحد من انتشاره.
وشهد المنتدى الذي نظم ليوم واحد في مدينة دبي الإماراتية مشاركة محلية وإقليمية وعالمية، تضمنت وزراء ومسؤولين حكوميين وخبراء وأكاديميين متخصصين في هذا المجال. وبالعودة إلى الزياني الذي أكد أن دول الخليج العربية تعكس الواقع اليوم، إذ إنها أصبحت «مُصدِّرة» للاستقرار للمنطقة والعالم، بجعله عالماً أفضل للجميع، عطفاً على توجهات قادة دول المجلس، وبمثابرة وعمل دؤوب من مواطنيها، حيث تتضافر الجهود من أجل ترسيخ أسس بيئة مستقرة مستدامة الأمن والنمو والازدهار تكفل الخير لمواطني المجلس وكل الدول الصديقة.
وقال الزياني: «رسالة دول المجلس تعكس القيم التي طالما آمنت بها وجعلتها أساساً ترتكز عليه، وهي القيم الأساسية لديننا الإسلامي الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا العربية العريقة، وهي السلام والتعايش والتعاون والتسامح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، فضلاً عن الإيمان بالروح الإيجابية التي طالما دعا إليها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي»، منوهاً باهتمام جميع دول المجلس بالتواصل مع الشباب وتضمينهم في عملية البناء وتشجيعهم على اكتشاف الفرص وإطلاق أعمالهم الخاصة رواداً للأعمال ليكونوا مشاركين بقوة في مسيرة التنمية.
وأكد أن دول الخليج لعبت دوراً رائداً في وضع الحلول للتحديات التي تواجه المنطقة وضرب مثالاً بالوضع في دولة اليمن، التي كانت على شفا حرب أهلية في عام 2011، حيث كان للتحرك الخليجي بتوجيهات قادة دول المجلس كبير الأثر بتقديم مبادرة خليجية معتمدة من الأمم المتحدة وإحدى المرجعيات الأساسية للحل السياسي للأزمة في اليمن، كما أسفر التحرك الخليجي عن وضع الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة موضع التنفيذ، وكانت الدبلوماسية الخليجية الناجحة سبباً في إصدار قرار الأمم المتحدة رقم 2216.
واختتم عبد اللطيف الزياني حديثه بالتأكيد على أن الدبلوماسية الخليجية تحقق نجاحات متوالية بوجودها في الميدان وعبر جهود وزراء الخارجية لدول الخليج العربية، مشيراً إلى أن رسالة الدبلوماسية الخليجية قائمة على أسس واضحة، وهي الشفافية والوضوح والاحترام المتبادل، والتي أكسبتها احترام وتقدير العالم.
من جهته، بيّن جوش إيرنست، المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، أهمية إقامة حوار بناء مع المجتمع وإشراك أفراده في عملية التنمية، وأكد أن هذا التوجه يتوافق تماماً مع الفكر الذي طبقه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي حرص على إقامة جسور تواصل فعالة مع العالم، ليس فقط من خلال العلاقات الرسمية مع الحكومات والقادة، ولكن أيضاً من خلال إقامة علاقات مباشرة مع الأفراد، وضرب مثالاً بأن الرئيس أوباما تمكن من بناء علاقات مع نحو 70 ألفاً من رواد الأعمال في مختلف أنحاء العالم، في إشارة إلى أثر القوة الناعمة في دعم السياسات العامة للدول.
فيما شهد المنتدى مشاركة الفريق الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية في الإمارات من خلال استعراض تجربة بلاده في مجال الاتصال، وأثرها في منحها مكانة إقليمية ودولية، معرجاً على الخلفيات التاريخية التي وضعت أسس الخطاب الرسمي الإماراتي المتوازن، والمبني على رؤية القيادة في تعزيز مفاهيم السلام والتعايش المشترك بين مختلف شعوب العالم.
وأكد الشيخ سيف بن زايد أن الإمارات بطبيعة تشكيلها السياسي والاجتماعي، تعتمد أسلوباً متميزاً في الحوار البنّاء، والتواصل الفعال، وتعمل الدولة على استشراف المستقبل لتطوير وسائل الإعلام والتواصل على نحو يسهم في تحقيق مزيد من التقدم والاستقرار والرخاء.
من جهتها، قالت منى المرّي، المدير العام للمكتب الإعلامي لحكومة دبي، الجهة المنظمة للمنتدى، إن الأهداف التي انطلق من أجلها المنتدى نحو فتح آفاق جديدة تؤكد قدرة الدبلوماسية العامة والاتصال الحكومي على مواكبة المتغيرات السريعة التي أصبحت السمة الأكثر حضوراً في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة والعالم.
وقالت المرّي إن الاهتمام بتضمين الدبلوماسية العامة في حوارات المنتدى جاء مستنداً للأهمية المتنامية التي باتت تتمتع بها من خلال القوة الناعمة، التي أصبحت من أكبر المؤثرات في المجتمعات لقدرتها على النفاذ بسهولة ويسر إلى أوسع شريحة ممكنة من الناس وباللغة والأسلوب اللذين يلائمان كل المستويات الفكرية والثقافية في المجتمع.
وشهد المنتدى إطلاق الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم «شبكة دبي للدبلوماسية العامة والاتصال»، التي أشارت المري إلى أنه يأتي ليكون سباقاً جديداً قد بدأ في هذا المضمار بتأسيس مظلة جامعة تتضافر فيها الجهود وتتكامل معها الأدوار لتوسيع دائرة انتشار الرسالة وتعميق مردودها الإيجابي على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ويسعى منتدى «الدبلوماسية العامة والاتصال» إلى تعزيز الحوار حول كل الموضوعات المتعلقة بالدبلوماسية العامة والاتصال الحكومي في ظل الاهتمام العالمي المتنامي بهما لدورهما في توصيل رسائل الشعوب وصوتها على أوسع نطاق ممكن، وبما يؤازر مواقفها من مختلف القضايا، ويؤكد قدرتها على إنجاز أهدافها الاستراتيجية بتوسيع دائرة الشراكة وتوطيد ركائز التعاون مع الشركاء، سواء في الداخل أو الخارج.
من جهته، نوه سلطان بن سليم، رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لموانئ دبي العالمية بأهمية الاتصال المباشر مع مسؤولي الشركات والدول التي تعمل فيها موانئ دبي العالمية، معتبراً الاتصال الوسيلة الأهم والأنجح لتوصيل الصورة الحقيقية والرسائل الواضحة، وأن العلاقات الاقتصادية كانت وما زالت من أهم الركائز التي تساعد في بناء علاقات سياسية قوية بين الدول.
وحول العلاقة الدبلوماسية العامة بالتجارة والاقتصاد، قال بن سليم إن العلاقات الاقتصادية والتجارية عامل من عوامل بناء علاقات دبلوماسية قوية وربما أقوى من السياسية، لأننا نعيش في عالم لا تحكمه السياسة بقدر ما تحكمه المصالح المتبادلة التي بين الدول.
ولفت إلى تجربة موانئ دبي العالمية في الولايات المتحدة، وأسباب عدم نقل التجربة الناجحة في بريطانيا إلى هناك، وقال: «دخولنا إلى أميركا كان خلال فترة الانتخابات الرئاسية، وتزامن ذلك مع وجود أنشطة حزبية تؤثر على مجرى الأمور، ما كان سيكلفنا إنفاق كثير من الأموال لتحسين صورتنا، وكانت تكلفة ذلك بالنسبة لنا كشركة تجارية سيفوق العائد المادي، فقررنا الخروج، وقمنا ببيع الشركة بأضعاف القيمة التي اشتريناها بها، وكان قرار الخروج قراراً تجارياً بحتاً ثبت جدواه وصحته».
وأضاف: «اليوم نحن مُرَحَب بنا في الولايات المتحدة، ووجهت لنا الكثير من الدعوات للعمل هناك، لا سيما بعد اقتناع الأميركيين بما حققناه من نجاحات في لندن، لكننا سندخل إلى السوق الأميركية في الوقت المناسب».
ولفت بن سليم إلى أن موانئ دبي العالمية منذ عام 2006 إلى الآن استثمرت 20 مليار دولار، والتزاماتها المالية حالياً تبلغ 2.9 مليار دولار، تستطيع الشركة سدادها في 3 سنوات إذا أرادت ذلك، لكن بعض تلك الالتزامات طويلة الأمد ولا توجد ضرورة لسرعة سدادها.
وخلال المنتدى ناقش برناردينو ليون، رئيس أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، والبروفسور هوارد كلارك، الأكاديمي المتخصص في مجال الاستراتيجيات ومواجهة التطرف، الصيغ المختلفة للاتصال الاستراتيجي وما تحمله من رسائل وآليات لمواجهة الإرهاب والفكر المتطرف.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.