البيت الأبيض يعلن مرسوم حظر سفر «منقحاً»

يستثني العراق وحاملي البطاقات الخضراء ويبدأ تنفيذه 16 مارس

وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ووزير العدل جيف سيشنز قبل انطلاق مؤتمر صحافي في واشنطن أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ووزير العدل جيف سيشنز قبل انطلاق مؤتمر صحافي في واشنطن أمس (أ.ف.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مرسوم حظر سفر «منقحاً»

وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ووزير العدل جيف سيشنز قبل انطلاق مؤتمر صحافي في واشنطن أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ووزير العدل جيف سيشنز قبل انطلاق مؤتمر صحافي في واشنطن أمس (أ.ف.ب)

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، صباح أمس، النسخة المنقحة من الأمر التنفيذي الخاص بحظر استقبال مسافرين من ستة دول ذات أغلبية مسلمة لمدة 90 يوما، وتشمل السودان وسوريا وإيران وليبيا والصومال واليمن. وعلى عكس النسخة الأولى من الأمر التنفيذي، استثنى البيت الأبيض مواطني تلك الدول ممن يملكون تأشيرات دخول سارية وقانونية ومن يملك إقامة قانونية داخل الولايات المتحدة وحاملي البطاقة الخضراء (غرين كارد).
واستثنى القرار الجديد العراق من قائمة الدول السبع، التي وردت في القرار التنفيذي السابق، بعد ضغوط من وزارتي الدفاع والخارجية الأميركية نظرا لدور العراق في مكافحة «داعش». ويبدأ العمل بالقرار الجديد بدءا من السادس عشر من مارس (آذار) الحالي، معطيا مهلة عشرة أيام للأجهزة المعنية لفهم الإجراءات التنفيذية والبدء في تنفيذها في السادس عشر من الشهر الحالي تجنبا للفوضى والاضطرابات والسجالات القانونية والمظاهرات التي شهدتها المطارات الدولية مع القرار السابق.
ورحب العراق بقرار الرئيس الأميركي شطبه من قائمة الدول التي يحظر على رعاياها دخول الولايات المتحدة، باعتباره «خطوة هامة» في الاتجاه الصحيح. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية، أحمد جمال، في بيان إن وزارة الخارجية «تعبر عن عميق ارتياحها للقرار التنفيذي الصادر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي تضمن استثناء العراقيين من حظر السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وتعده خطوة هامة في الاتجاه الصحيح».
وعلى خلاف القرار الماضي، وقع ترمب القرار دون ظهور إعلامي وتغطية صحافية للتوقيع. وترك الظهور الإعلامي لكل من وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزير العدل جيف سيشنز، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي لإعلان القرار في مؤتمر صحافي لم يشمل الرد على أسئلة الصحافيين. وأشار المسؤولون إلى أنهم قاموا بالاتصال بقادة الكونغرس ووسائل الإعلام لتفسير القرار والإجابة على كافة الاستفسارات.
وشدد وزير الخارجية الأميركي على أن الهدف الأساسي من القرار الجديد هو حماية الولايات المتحدة من الإرهابيين، موجهاً حديثه للحلفاء من الدول الصديقة. وقال: «عليكم إدراك أن هذا الأمر يهدف لتقليل خطر الإرهاب الإسلامي». وأشار إلى أن السفارات الأميركية في دول العالم ستلعب الدور الرئيسي في تطبيق إجراءات تضمن حماية الولايات المتحدة وضمان أن اللاجئين القادمين لا يشكلون خطرا على البلاد. وثمّن تيلرسون دور العراق في التعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة «داعش» واستثنائها من قائمة الدول، لافتا إلى أن حكومة العراق قادرة على القيام بإجراءات التدقيق والتحقق من منع المجرمين والمشتبه في ارتباطهم بتنظيمات إرهابية من دخول الولايات المتحدة.
من جهته، قال وزير العدل جيف سيشنز إن 300 شخص من القادمين كلاجئين إلى الولايات المتحدة تم التحقيق معهم من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي لتورطهم في أنشطة متعلقة بالإرهاب. وقال إنه «لا يمكننا المخاطرة بأمن بلادنا، وهذا القرار يستجيب للحاجة في التدقيق في القادمين للولايات المتحدة». وأضاف وزير العدل الأميركي: «وزارة العدل تعتقد أن هذا القرار يتوافق مع الدستور، ويتوافق مع الحق الدستوري الممنوح للسلطة التنفيذية لاتخاذ إجراءات لحماية أمن البلاد»، متابعا أن الرئيس ترمب حصل على تقييمات للأخطار المحيطة بأمن الولايات المتحدة من مجتمع الاستخبارات والخارجية والجيش.
بدوره، قال جون كيلي، وزير الأمن الداخلي الذي تحتفل وزارته بمرور 14 عاما على إنشائها، إن القرار الجديد سيجعل الولايات المتحدة أكثر أمنا، وإنه يركز على منع دخول مسافرين من ستة دول ولا يوثر على المقيمين حاليا. وتعهد وزير الأمن الداخلي بتطبيق القرار بمهنية وإنسانية.
ولعل أبرز الاختلافات في القرار الجديد عن الذي سبقه هو استثناء العراق من قائمة الدول المحظور استقبال مسافرين منها. كما رفع الحظر المفروض في القرار السابق على استقبال اللاجئين السوريين لأجل غير مسمى، ونصّ القرار الجديد على حظر استقبال اللاجئين بصفة عامة من أي بلد لمدة 120 يوما. وأزيل من القرار الجديد الفقرة الخاصة بأولوية استقبال اللاجئين من الأقليات الدينية المسيحية واليزيدية القادمة من الدول ذات الأغلبية المسلمة.
ويسمح الأمر التنفيذي الجديد لحاملي البطاقات الخضراء (غرين كارد)، والمقيمين بصفة قانونية بالدخول إلى الولايات المتحدة، عكس الأمر التنفيذي السابق الذي أشعل الكثير من الارتباك والذعر والغضب مع منع بعض المسافرين حاملي البطاقات الخضراء وتأشيرات السفر السارية من الدخول إلى الولايات المتحدة وتوقيفهم في المطارات الأجنبية. فيما يتم تشديد الإجراءات لمنح تأشيرات سفر جديدة للمواطنين من تلك البلدان الذين لم يسبق لهم دخول الولايات المتحدة. وستعاد صلاحية التأشيرات الملغاة وكل الأشخاص الذين حصلوا عليها في 27 يناير (كانون الثاني) سيتمكنون من استخدامها.
وقد أمضى البيت الأبيض شهرا في إعادة تجهيز وصياغة القرار التنفيذي لمنع السفر من الدول ذات الأغلبية المسلمة وتقديم نسخة منقحة لتجنب أن يتم إسقاطها ووقف العمل بها في المحاكم الأميركية، والمخاوف الأمنية من تأثيرات القرار، وإجراء كافة المراجعات القانونية والامتثال للشواغل القانونية التي أثارها القضاة وأدت إلى إيقاف العمل بالقرار السابق.
وقد تأجل إصدار القرار التنفيذي الجديد عدة مرات، وقام موظفو البيت الأبيض باستشارة عدد كبير من القانونيين حول القرار الجديد، كما تم إطلاع بعض زعماء الكونغرس على القرار قبل إعلانه رسميا، وفقا لمصادر داخل البيت الأبيض.
وكان الرئيس ترمب قد استعرض تفاصيل القرار مع كبار أعضاء إدارته خلال عطلة نهاية الأسبوع في منتجع مار إيه لارغو في ولاية فلوريدا، واجتمع مساء السبت مع وزير الأمن الداخلي جون كيلي، ووزير العدل جيف سيشنز، ومستشار البيت الأبيض دون ماجان، ومستشار الرئيس ستيفن ميللر.
وقالت كيليان كونوواي، مستشارة الرئيس، إن القرار الجديد يدخل حيز التنفيذ في السادس عشر من الشهر الحالي. وأوضحت كونوواي لشبكة «فوكس نيوز»: «إذا كان لديك مستندات سفر قانونية ولديك بالفعل تأشيرة دخول، وإذا كنت مقيما بشكل قانوني في الولايات المتحدة فإن القرار التنفيذي لا ينطبق عليك». وأكدت كونوواي أن العراق لم يعد مدرجا في قائمة الدول المحظور استقبال المسافرين منها، بعد قيام هذا البلد باتخاذ «تدابير فحص محسنة».
في المقابل، رأى زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي تشاك شومر أن الأمر التنفيذي الجديد سيواجه التحديات نفسها، وقال إنه «رغم تخفيفه، لا يزال هذا (الأمر التنفيذي) حظرا. ورغم التغييرات التي أضفتها الإدارة، فإن هذا الأمر التنفيذي الخطير يجعلنا أقل أمنا، لا أكثر، وهو غير أميركي».
وكان العراق من بين الدول السبع المحظور استقبال مسافرين منها في القرار السابق، وقد أثار ذلك ردود فعل سلبية كبيرة مع منع استقبال مسافرين عراقيين خدموا كمترجمين للقوات الأميركية في العراق.
وانتقد عدد كبير من المشرعين الديمقراطيين، وبعض الجمهوريين، منع هؤلاء العراقيين من الدخول إلى الولايات المتحدة. كما أبدت حكومة العراق استياءها وغضبها من وضع العراق على قائمة الدول المحظور استقبال مسافرين منها، وأشارت في مذكرة سابقة أرسلتها إلى وزارة الخارجية الأميركية إلى أن الحظر يشكل مفاجأة وإهانة للعراقيين. ونصح عدد من القادة العسكريين البيت الأبيض بضرورة استثناء العراق من القائمة، باعتبار حكومة العراق من الحلفاء الأساسيين في محاربة تنظيم داعش. وخلال لقاء بين رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس في العراق الشهر الماضي، أبدى رئيس الوزراء العراقي، وعدد من النواب العراقيين المخاطر المحتملة من قرار ترمب حظر السفر على القتال ضد «داعش».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended