كشفت مصادر مصرفية أوروبية عن إحباط عمليات تمويل كثيرة لمشاريع وصفقات في إيران خلال الأشهر القليلة الماضية بفعل كفاءة مكتب «فورين آسيتس كونترول» التابع لوزارة الخزانة الأميركية، لأن تلك العمليات تعتبر «انتهاكا للعقوبات المفروضة على عدد من الجهات الإيرانية المصنفة ضمن القوائم السوداء».
وتلك العقوبات الأميركية مستمرة التنفيذ، وهي مُقررة من قبل الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى (أميركا وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا) الذي دخل حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2016.
وينص الاتفاق على رفع عدد من العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، لكن العقوبات الأميركية، التي تحبط عمليات التمويل الأوروبي وغير الأوروبي، سابقة لذلك الاتفاق وتقع في مئات الصفحات بقوائم سوداء فيها أسماء أشخاص ومؤسسات ومنظمات وشركات إيرانية متهمة بالإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان.
وتنص على منع أي أميركي سواء من أفراد أو شركات أو بنوك أو منظمات أو مؤسسات، من التعامل مع أي من تلك الجهات المدرجة في القوائم السوداء، كما تحظر التعامل معها بالعملة الأميركية بأي شكل من الأشكال.
مصرفي فرنسي يقول: «ألغينا عمليات لأننا نخاف من غرامات باهظة مثل التي تعرضت لها بنوك بي إن بي باريبا، وكريديه أغريكول، وسوسسيتيه جنرال، والتي وصلت قيمتها إلى 15 مليار دولار تكبدتها بنوك أوروبية خلال السنوات الماضية. كما تعرضت مصارف ألمانية مثل كوميرز بنك ودوتشيه بنك لغرامات باهظة أيضا».
ويضيف: «يطلب مكتب فورين آسيتس كونترول معلومات هائلة، وندخل في تعقيدات جمة إذا أردنا تمويل مشروع أو صفقة مع إيران، ممنوع علينا التعامل بالدولار، وهذا صعب جدا بالنسبة للبنوك الكبيرة التي لها امتداد عالمي، فالدولار حاضر في عملياتنا سواء من بدايتها أو خلالها في مرحلة ما من مراحل الصرف والتحويلات. أما القوائم السوداء فتضم ما لا يخطر ببال، بحيث إن التأكد من التعامل مع الجهة الإيرانية غير المشمولة بالعقوبات يتطلب بحثا طويلا وشائكاً».
ويشير المصرفي الفرنسي إلى تعقيد إضافي سببه «قلة شفافية في إيران لا تسمح بالتأكد السريع. فهناك شخصيات ومؤسسات إيرانية مسيطرة أو نافذة في معظم القطاعات تقريباً. وليس سهلا الوصول إلى اختيار الشريك الإيراني الصحيح. فالحرس الثوري على سبيل المثال حاضر في معظم القطاعات، وفي هذا الحرس شخصيات مشمولة بالعقوبات».
ويؤكد المصرفي الفرنسي من وحي تجربته «أن إيجاد جهة غير مدرجة في القوائم السوداء الأميركية يتطلب عناء بحث طويل ومضن بشكل يفوق التصور، وإذا وجدنا من نبحث عنه قد تحصل مفاجآت غير سارة تطفو على السطح في أي لحظة بالنظر إلى فقدان الشفافية وقلة المعلومات الموثقة في إيران».
في سياق متصل، يكشف مصرفي ألماني «أن معظم رحلات الأعمال التي قامت بها وفود ألمانية وفرنسية وسويسرية إلى طهران منذ رفع العقوبات ذهبت سدى. فالخوف قائم وبقوة لدى البنوك الغربية الكبيرة، لأنها لا تريد المجازفة، إنها مسألة معادلة صعبة بين المنافع المتوقعة من جهة مقابل التكلفة والمخاطر الممكنة من جهة أخرى. فمنع مرور أي عملية عبر أي أميركي مهما كان، ومنع التعامل بالدولار، يجعلان عملنا أشبه بسير في حقل ألغام. أما التعامل باليورو فيحشرنا في زاوية ضيقة، لأن البنوك الكبيرة مضطرة حكما لاستخدام الدولار في حلقة ما من حلقات الصرف والتحويل والتمويل. كما أن البنوك الأوروبية الكبيرة تستخدم أميركيين حول العالم. لذا تفضل تلك البنوك الإعراض عن أي تمويل في إيران حاليا».
ويروي المصرفي كيف «أن أعضاء في مجلس إدارة بنك أوروبي صغير فوجئوا بمنع سفرهم إلى الولايات المتحدة الأميركية ولم يعرفوا الأسباب المانعة»، كما يروي «أن المصرف المذكور تعرض لتحذير شديد، لأن إحدى عملياته في طهران قام عليها شخص يحمل (الغرين كارد)، أي أن المنع لا يقتصر على الأميركيين بل على من يحملون إقامات أميركية»!
وعن النظام المالي والمصرفي الإيراني فحدّث ولا حرج، كما يؤكد المصرفيون الأوروبيون.
ويوضح هؤلاء أولا أن إيران مدرجة على قائمة الدول غير المتعاونة مع مجموعة العمل المالي الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما أن النظام المصرفي الإيراني غائب تقريبا عن التعاملات الدولية منذ أكثر من 12 سنة، وهو غير مهيأ للتعامل مع البنوك الغربية، نظرا لتقادم الأنظمة المعمول بها لديه وعدم فعالية طرق الرقابة عليه، علاوة على تخلف المصارف إلكترونياً.
وتطوير هذا النظام المتهالك يحتاج إلى استثمارات لا تستطيع البنوك القيام بها كما يجب حاليا، لأنها خرجت منهكة من مرحلة الرئيس السابق أحمدي نجاد، خصوصا بعد تحميلها أعباء ثقيلة نتيجة منح قروض للحكومة خارج أبسط القواعد الائتمانية.
ويشير المصرفيون الغربيون إلى «أن أي مصرف أجنبي يريد التعامل مع نظير له في إيران يفاجأ بهذا الواقع مستفحل السوء. فالتعامل الثنائي يبنى بعد درس الميزانيات ومؤشرات الملاءة والسيولة، وهنا يفاجأ الغربيون بما لا يسر الخاطر، فيحجمون عن التعامل مع بنوك إيرانية ويمتنعون عن إصدار خطابات الضمان والاعتماد الضرورية لأي عملية متوسطة أو كبيرة ذات علاقة باستثمارات أو صفقات أو تمويل مشاريع».
صناعي فرنسي من الذين قدموا إلى طهران عدة مرات في غضون السنة الماضية في غمرة طموحات الانفتاح على إيران يؤكد «أنه لا يوجد بنك فرنسي يقبل إجراء عمليات لمصنعه مع البنوك الإيرانية أكثر من 50 ألف يورو للعملية الواحدة. لذا نضطر إلى المرور عبر وسطاء وتركيبات معقدة في تركيا على سبيل المثال».
ويضيف: «خاطبنا بنك سوسيتيه جنرال، فرد علينا بوضوح شديد بأن حالة عدم اليقين مستمرة، وأنه لا يقوم الآن بعمليات تحمل مخاطر كبيرة».
لذا تضطر الشركات الأوروبية إلى البحث عن بنوك صغيرة في ألمانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا وبلجيكا، وأخرى لها حضور ما في دبي وتركيا وبيروت... ولا تتعامل بالدولار وليس لها أي حضور في أميركا، ذلك لتمويل صفقات صغيرة.
أما تمويل المشاريع الكبرى فلا تقوى عليها هذه المصارف التي يمكن اعتبارها «أقرب إلى دكاكين بنكية» كما يوصفها الصناعي الفرنسي، ويروي «أن عملية بـ8 ملايين يورو فقط استغرقت 6 أشهر في كواليس عدة عواصم لتصل في نهايتها إلى طهران بعدما مرت في تدقيق منقطع النظير، علما بأن هكذا عملية تجري بلمح البصر بين باريس وأي عاصمة أخرى».
مصرفي ألماني آخر يقول: «في أذهان الجميع الغرامات المليارية التي فرضها الأميركيون على بنوك أوروبية. أمام هذا الخوف من الغرامات علينا توظيف أكبر عدد ممكن من المحامين والاستشاريين والباحثين إذا أردنا تجنب أفخاخ التعامل مع إيران. ولذلك تكلفة إضافية تقلل جدوى كثير من العمليات».
ويضيف: «لمصارفنا الكبيرة حضور عالمي، ولها مصالح ضخمة في الولايات المتحدة الأميركية، لذا فالاختيار سهل بين مصالح كبيرة جارية ومجزية في أميركا، مقابل أخرى معقدة وتحمل مخاطر هائلة في إيران».
في الجانب الاستثماري يذكر مدير أصول في جنيف «أن شركة تحمست لتأسيس صندوق يستثمر في الأسهم الإيرانية، لكنها وجدت صعوبة بالغة في فتح حساب للصندوق في سويسرا، لأن كل البنوك الكبيرة رفضت طلبها هذا، فاضطرت إلى فتح حساب في بنك صغير غير معروف، ثم إن البنوك والشركات رفضت الاكتتاب في وحدات الصندوق الذي وجد نفسه في نهاية المطاف بلا جدوى كبيرة».
وعما يفعله الإيرانيون لإيجاد ضالتهم في هذا الواقع الصعب، يقول مهندس صفقات خاصة: «خلال مرحلة العقوبات الطويلة اعتمد الإيرانيون على شبكة مصارف مثل تلك التي كان مسموحا لها بقبول تحويلات مبيعات النفط وتمويل قطاعات الأغذية والصحة والدواء. وكان هناك أيضا من يمد لهم يد العون سرا بعمولات مرتفعة تصل حتى 20 في المائة، فضلا عن حقائب دبلوماسية كانت تعبر مطارات إقليمية محملة بالكاش النقدي... كل ذلك خلق نظاما موازيا اعتمدت عليه طهران ومستمرة في ذلك حتى الآن».
أما عن الصفقات الكبيرة التي أعلن عنها مثل توريد طائرات «إيرباص» لتحديث الأسطول الإيراني، فيقول المصرفي الفرنسي: «إن لقطاع الطيران استثناءات خاصة». وعما أعلنته شركات سيارات فرنسية من خطط للتوسع في إيران فيشير المصرفي «إلى تعقيدات مثل منع دخول أي قطعة غيار أميركية في أي عملية، كما أن مصانع السيارات الفرنسية تعاني الأمرين مصرفيا ولا تستطيع إجراء تحويلات إلا عبر صيغ غريبة في عالم التمويل وبأحجام صغيرة عبر بنوك مغمورة».
ويؤكد المصرفيون الفرنسيون والألمان «أن أحلام الشركات الصغيرة والمتوسطة تبخرت تقريبا بعد تعويل كبير على انفتاح السوق الإيرانية أمام هذه الشركات. بعكس الشركات الروسية والصينية والهندية والكورية الجنوبية التي تتقدم لحجز مقاعد لها في هذه السوق الكبيرة بـ80 مليون نسمة التي تحتاج تقريبا إلى كل شيء في كل القطاعات».
سياسيا، كان لمجيء دونالد ترمب رئيسا أثر الصدمة الإضافية على المصرفيين الأوروبيين حتى «إن خططا كثيرة توقف العمل بها حتى اتضاح الرؤية أكثر ومعرفة المدى الذي سيصل إليه ترمب في تشديد الخناق على طهران، كما أوقفت خطط أخرى بانتظار نتائج الانتخابات الإيرانية في مايو (أيار) المقبل».
ويقول المصرفيون الغربيون: «إن الرئيس حسن روحاني لم يكن معتدلا كما شاع الظن في بداية ولايته. فالخوف مضاعف الآن من تشدد أكبر في إيران ردا على مجيء ترمب. أما الحرس الثوري فليس مع الانفتاح الاقتصادي والمالي، لأنه غير مستعد لفقدان هيمنته على المرافق الأساسية في البلاد، ويدعمه في ذلك المرشد علي خامنئي، المحتفظ بكل مفاتيح اللعبة الإيرانية».
القيود الأميركية تمنع المصارف الأوروبية من تمويل الاستثمار في إيران
انتخاب ترمب تسبب في صدمة لراغبي دخول السوق الإيرانية
القيود الأميركية تمنع المصارف الأوروبية من تمويل الاستثمار في إيران
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
