يتوجه وكيل الإخراج الجمركي (ع.ع) صباحا إلى عمله المعتاد في أحد موانئ محافظة البصرة لتخليص بضائع وكلائه من التجار، ولا تغيب عن باله خريطة «الرشاوى والإتاوات» التي يتوجب عليه دفعها لسلسلة طويلة من الموظفين الجشعين الذين حولوا الرشوة والابتزاز إلى «تنظيم رسمي» يعادل في جوهرة الرسوم التي تجبيها الدولة عن البضائع المختلفة.
ورغم معرفة (ع.ع) في مساهمته وبقية زملائه الفعلية بإدامة موضوع الرشوة والعمولات اللاشرعية التي يتقاضاها الموظفون، فإنه يرى ألا مناص من الدفع لمواصلة العمل والعيش في بيئة «مبللة بالفساد»، كما يقول.
في رحلة «إخراج البضاعة» يبدأ وكيل الإخراج الجمركي خطوته الأولى في سحب استمارة «التصريحة اليدوية»، وسعرها الرسمي 10 آلاف دينار فقط، لكن موظفي الجمرك يأخذون منه 25 ألف دينار، أي أن فرق السعر بين الرسمي وغير الرسمي، أول ما يسقط في جيب الموظف.
في الخطوة التالية، خطوة وصل «أمر التسليم» الرسمي، تسقط 10 أخرى في الجيوب الفاسدة، حيث يقطع الوكيل أمر التسليم من دائر النقل المائي بسعر 25 ألف دينار لحاوية البضائع الواحدة، وفوقها 10 آلاف إضافية، علما بأن معدل حاويات البضائع تتراوح بين 15 و25 في المعدل، وتصل أحيانا إلى 50 وأكثر عند بعض التجار.
بعد ذلك وعند الذهاب إلى دائرة الجمرك يتم قطع وصل بـ10 آلاف دينار، وهذا إجراء قانوني لا يتلاعبون به والمبلغ يعود إلى خزينة الدولة. ثم يذهب الوكيل، والكلام إلى (ع.ع)، إلى قسم المنفيست (معاملة الإخراج الجمركي) وتبدأ الكارثة باستيفاء مبلغ 125 ألف دينار للمدير، مقابل 25 ألف دينار وصل تسجيل المنفيست الرسمي، إلى جانب أخذ مبلغ 75 ألف دينار (غير رسمي) بدلا عن إجازة الاستيراد المفترضة للتاجر، لكن بمجرد دفع الـ75 ألفا يتم تجاهل إجازة الاستيراد.
ويتم بعد ذلك تسجيل معاملة الإخراج، ثم يتوجه الوكيل إلى معاون المدير ليقوم بدوره في تحويل المعاملة إلى لجنة الكشف عن البضاعة، وهي عملية يفترض أن تتم بواسطة أجهزة السونار، لكن ذلك لا يوفر مالا للموظفين، ولا تتم عملية التحول قبل دخول 50 دولارا عن كل حاوية إلى جيب المعاون.
ويواصل (ع.ع) حديثه بمرارة قائلا: «تتألف لجنة الكشف من 3 إلى 4 أعضاء، ويتقاضون رشوة 100 دولار عن كل حاوية، فضلا عن إكرامية رئيس اللجنة»، تعقبها عقبها العودة إلى قسم التسعيرة وبدوره يأخذ الموظف لحسابه الخاص ما لا يقل عن 50 ألف دينار لمعاملة الإخراج، بعد ذلك يتوجب المرور على قسم التدقيق الذي يأخذ بدوره 100 دولار للموظف عن كل معاملة وليس عن كل (حاوية).
ثم يعود وكيل الإخراج إلى المعاون الذي أخذ أساسا 50 دولارا عن كل حاوية، فيأخذ المبلغ نفسه هذه المرة أيضا، وحين تصل معاملة الإخراج إلى قسم الحاسبة، يتوجب عليه دفع 50 ألف دينار عن كل معاملة للموظف في حال طلب الاستعجال بإنجاز المعاملة، أما التأجيل لليوم التالي، فيكلف 25 ألف دينار فقط.
ثم تأتي مرحلة اقتطاع وصل رسمي لـ«التصريحة الآلية» أو ما تسمى «تصريحة الإعمار»، يعقبها المرور بكرفان صغير تابع لمحافظة البصرة يقوم بقطع وصل جباية رسمية بنسبة واحد في المائة من قيمة الجمرك.
ويقول (ع.ع) إن قصة التعرفة الجمركية في العراق عموما وفي الموانئ الجنوبية تتلخص في التالي: «تتساوى الرسوم الجمركية والضرائب التي تتقاضاها الدولة، مع أموال الرشوة والابتزاز التي يتقاضاها الموظفون، بحيث إن الموظف يقلل من حجم الضريبة والرسم المستحقة للدولة على التاجر، ثم يقوم بنقل الفرق إلى جيبه الخاص».
أخيرا، تصل معاملة الوكيل الجمركي إلى استقطاع مبلغ الضريبة (الرسمي) البالغ 60 في المائة من قيمة الجمرك زائدا 25 ألفا (رشوة) للموظف، ثم يقوم بقطع وصل وإجازة تسليم البضاعة. عند هذا الحد يبتسم (ع.ع) ويذكر سلوكا شائعا لدى الموظفين في الميناء، مفاده أن بعض الموظفين في الأقسام المختلفة، يجلبون معهم أشخاصا من خارج دوائرهم مهمتهم جمع أموال الرشى، لتفادي (الكبسات) المفاجئة التي تقوم بها الجهات الرقابية.
وفي النهاية وبعد إتمام جميع الإجراءات، يأخذ الوكيل معاملة الإخراج ويذهب إلى الميناء، وهناك لا بد من دفع (رشوة) ما لا يقل عن 50 ألف دينار لمشرف الباب وموظف الحاسبة، إضافة إلى مبلغ 25 ألف دينار لسائق الرافعة عن كل حاوية. وفي بوابة الخروج الأخيرة، لا بد من دفع «خاوة» إلى مفرزة الشرطة مقدارها 25 ألفا و50 ألفا إلى مفرزة الاستخبارات عن كل حاوية. إضافة إلى «إكرامية» أخيرة إلى موظفي النقل البري والجمرك المدني مقدارها 10 آلاف دينار.
أخيرا، تخرج البضاعة خارج الميناء لتبدأ رحلة «الدفع الفوري» لنقاط التفتيش الأمنية على الطريق. ويقول (ع.ع) إنه «لحسن الحظ يقبل بعضهم بورقة فئة العشرة آلاف دينار، أو أكثر بقليل».
11:9 دقيقه
الفساد ينخر الجمارك في موانئ البصرة
https://aawsat.com/home/article/865786/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%8A%D9%86%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%A6-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D8%A9
الفساد ينخر الجمارك في موانئ البصرة
وكلاء: الموظفون الفاسدون يناصفون الدولة قيمة الرسوم والضرائب
الفساد ينخر الجمارك في موانئ البصرة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








