خيار العودة يتلاشى أمام اللاجئين السوريين

بينما ينصرف العالم عن سبب معاناتهم

لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)
لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)
TT

خيار العودة يتلاشى أمام اللاجئين السوريين

لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)
لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)

داخل الخيم المنتشرة عبر أرجاء الحقول والقرى في سهل البقاع في شرق لبنان، يعكف لاجئون سوريون على حفر آبار مياه وصب أعمدة خراسانية وتركيب مواسير للصرف الصحي وأسلاك كهرباء تحت الأرض، في الوقت الذي يشرعون فيه في بناء شركات وتكوين أسر جديدة.
أما الأمر الوحيد الذي لا يقدمون عليه، فهو اتخاذ استعدادات للرحيل الجماعي، رغم مناشدات مسؤولين سوريين ولبنانيين لهم للعودة إلى وطنهم، ويدعي المسؤولون أن ثمة تحسنا ملحوظا على صعيدي الأمن والسلامة داخل سوريا وأن الوقت قد حان قد يعود اللاجئون لوطنهم.
ومع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات في جنيف، الخميس، طرح عدد من اللاجئين السوريين وقع الاختيار عليهم بصورة عشوائية، أجرينا معهم لقاءات داخل منطقة البقاع هذا الأسبوع، وجهات نظرهم حيال الواضع الراهن. وأشار هؤلاء إلى أن ديارهم إما تعرضت للدمار أو ما تزال غير آمنة، وأعربوا عن مخاوفهم من إلقاء قوات الأمن القبض عليهم حال عودتهم إلى الوطن. كما أشاروا إلى أنهم مدركون أنه رغم التقدم الميداني الأخير الذي حققته القوات الموالية للنظام، فإن أعمال القصف والقتال ما تزال مستمرة. وعليه فإنهم قرروا البقاء في لبنان.
جدير بالذكر أن ما يقدر بنحو 1.5 مليون سوري لجأوا إلى لبنان، ليشكلوا بذلك قرابة ربع إجمالي سكان البلاد، تبعًا لما أفاده مسؤولون ومنظمات إغاثة. والملاحظ أن ثمة اعتقادًا واسع النطاق داخل لبنان بأن اللاجئين يشكلون عبئًا على اقتصاد البلاد وبنيتها الاجتماعية.
واللافت أنه بعد مرور قرابة ست سنوات على اشتعال حرب بدأت بشن حملة إجراءات أمنية قاسية ضد مظاهرات مناهضة للرئيس بشار الأسد، بدأت الآن بعض الدول التي كانت حريصة من قبل على رحيله في تركيز اهتمامها على احتواء أزمة اللاجئين وإنزال الهزيمة بتنظيم داعش، بجانب استعدادها للنظر في تسوية تسمح للأسد بالبقاء في السلطة.
والمعروف أن الكثير من الدول الغربية استثمرت في الآمال المبهمة المرتبطة بإمكانية التوصل إلى مثل هذه التسوية، بغض النظر عن مدى هشاشتها أو سطحيتها، سعيًا للحيلولة دون تفاقم الأزمة السورية على نحو خطير والتخفيف من حدة المخاوف إزاء إرهاب تنظيم داعش، الأمر الذي أسهم نهاية الأمر في صعود تيار اليمين السياسي.
علاوة على ذلك، فإن مثل هذا الوضع يجعل لكثرة من الدول مصلحة قوية وراء إعلان سوريا آمنة للعودة، حتى دون تسوية القضايا السياسية التي أشعلت الصراع من البداية، بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان من قبل سلطات النظام السوري.
والمؤكد أن الأسد ومسؤولين سوريين وحلفاءهم في لبنان يرصدون هذا المزاج العام. ويذكر أن أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله، دعا لعودة المهاجرين، في الوقت الذي دعا حليفه فيه الرئيس اللبناني ميشال عون القوى العالمية لتيسير عودتهم.
ومع ذلك، فإنه داخل مستوطنة من الخيام في قرية الصويري، أوضح سوريون أنه لن يفلح اتفاق يعد بالنسبة لهم بمثابة ورقة توت، ولا نصر واضح وصريح لقوات النظام في دفع الكثيرين منهم للعودة إلى سوريا.
والملاحظ أن جميع الأسر التي التقيناها كان فيها فرد واحد على الأقل من أبنائها قد اختفى أو ألقي القبض عليه أو جرى تجنيده قسرا من قبل النظام. كما ذكر لاجئون أنهم لا يعبأون كثيرًا ببقاء أو رحيل الأسد بقدر ما يهتمون بإصلاح النظام الأمني، مشددين على أنه من دون وضع نهاية للتعذيب وأعمال الاختفاء والاعتقال العشوائي، سيبقى بداخلهم دومًا الخوف إزاء العودة. وأكد جميعهم تقريبًا على أن حلم العودة ما يزال يداعب خيالهم، لكنه يبدو على نحو متزايد حلمًا لن يتحقق إلا مع الجيل القادم. وعلى سبيل المثال، أكد خالد خضر(23 سنة) والذي أمضى أربعة أيام في أحد السجون اللبنانية لتسلله عبر الحدود، أنه: «إذا خيرني الرئيس اللبناني بين البقاء في السجن هنا إلى الأبد أو العودة إلى سوريا، سأختار السجن». واستطرد «إنهم لم يعذبوني أو يضربوني. وكان هذا أمرًا جيدًا. أما في سوريا، فإنه حال القبض عليك، تختفي إلى الأبد».
يذكر أن خضر مطلوب لدى السلطات السورية لهروبه من الجيش السوري عام 2012، ويطرح خضر سببين وراء إقدامه على ذلك: الفزع الذي تملكه حيال المشاركة في قصف ضاحية بابا عمرو الثائرة بمدينة حمص، بجانب تلقيه تهديدات من مسلحين ينتمون لمسقط رأسه.
من ناحيته، تعهد الأسد بالعفو عن الجنود الفارين من الجيش، لكن خضر قال إن ابن عم له صدق هذا العرض فتعرض للاعتقال داخل سوريا منذ خمسة شهور وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين.
وأكد خضر أن السبيل الوحيد لعودته توافر ضمانات دولية تضمن سلامته. ولدى سؤاله حول كيفية تنفيذ ذلك، ابتسم وأجاب: «لا أدري. ولهذا فقدت الأمل».
من ناحية أخرى، يعتبر هذا المعسكر الخاص باللاجئين والواقع قرب الحدود السورية أفضل من كثير من المعسكرات الأخرى، ذلك أنه يخلو من المصارف الصحية المفتوحة أو أكوام المخلفات التي تعج بها معسكرات أخرى. كانت قرابة 40 أسرة قد استأجرت قطعًا من الأرض من محمود حسين الطحان، الذي قال إن المال الذي حصل عليه يكافئ تقريبًا ما كان يجنيه من وراء زراعة الطماطم والباذنجان بالأرض ذاتها.
داخل المعسكر، تندر فرص العمل، وتعتبر غالبية الأسر مدينة للطحان. وحسب عامل إغاثة على اطلاع بالأوضاع داخل المخيم فإن نسبة قليلة فقط من الأطفال يرتادون المدارس، بينما دفع الآباء والأمهات البعض الآخر للعمل في الحقول.
داخل الخيمة التي يسكن فيها خضر ويشترك فيها مع ثمانية آخرين من أقاربه، بينهم زوجته وثلاثة أطفال، يوجد جهاز تلفزيون وموقد وأرضية إسمنتية. أما منزله في سوريا، فقد تعرض للدمار.
وعن ذلك، قال: «لا أهتم بأمر المنزل»، مضيفًا أنه لو كان يضمن سلامة أسرته «لقبلت العيش في خيمة كهذه في سوريا». إلا أنه بدلاً عن ذلك، ما يزال لاجئون جدد يفدون إلى لبنان.
من ناحيته، فر مصطفى سليم (19 سنة) من سوريا برفقة والدته وأشقائه فقط، الخريف الماضي، إذ كانت المعارك قد اندلعت قرب منزله، وألقي القبض على أحد أشقائه وأجبر على التجنيد في صفوف الجيش أثناء توجهه إلى الجامعة. والآن، لا يعلمون ما إذا كان حيًا. وقال سليم: «يكذب النظام عندما يقول إن الوضع آمن. كي تضمن البقاء على قيد الحياة في سوريا، يجب أن تكون جنديًا، لكن من المستحيل ضمان ذلك لو كنت مدنيًا. وإذا التحقت بالجيش فإنك في النهاية إما قاتل أو مقتول».
ومع ذلك، يعكف بعض اللاجئين على بناء حياة جديدة لهم، مثل نعمة قاسم (38 سنة) الذي يستأجر شاحنة ويقودها من معسكر لآخر لبيع الخضراوات واللبنة لغير القادرين على الوصول إلى الأسواق. وبالفعل، يجني ما يكفي من مال لاستئجار غرفة على مسافة قصيرة من إحدى المدارس.
لكنن ومع هذا، فإن نجله البالغ 9 سنوات لم يتعلم القراءة بعد. وأعرب قاسم عن اعتقاده بأن المدارس اللبنانية نقلت أسوأ مدرسيها إلى النوبات الليلية المكتظة بالسوريين.
من جانبه، أبدى الطحان، الذي حاول رسم صورته كرجل إحسان يعطف على اللاجئين، رفضه لفكرة أنهم يضرون باقتصاد البلاد ويشكلون عبئًا على الخدمات الاجتماعية، متهمًا الحكومة باختلاق هذه الفكرة للحصول على مزيد من المال من الأمم المتحدة.
وتابع الطحان إن اللاجئين يفيدون اللبنانيين من أصحاب المولدات الكهربائية التي يستعين بها اللاجئون في الحصول على الطاقة الكهربائية، وأصحاب المتاجر الذين ينفق اللاجئون لديهم كوبونات الغذاء التي يحصلون عليها من الأمم المتحدة، وملاك الأراضي الذين يجدون في اللاجئين عمالة زهيدة التكلفة. في الواقع، هذه هي الرؤية التي تطرحها منظمات دولية تؤكد أن العبء الناجم عن استضافة لاجئين يجري تعويضه في الجزء الأكبر منه في صورة الزخم الاقتصادي الذي يوفره اللاجئون، ناهيك عن مساعدات دولية بلغت 1.9 مليار دولار عام 2016 فقط، حسبما أعلنت الأمم المتحدة. من ناحيته، قال الطحان إنه بناءً على تجربته مع الحرب الأهلية اللبنانية، فإنه يعتقد أن السوريين سيبقون داخل لبنان لسنوات. وتابع «كان لدينا المئات من مؤتمرات جنيف قبل نهاية الحرب، وحتى بعد مرور سنوات على نهايتها ما تزال الأوضاع غير جيدة». داخل المعسكر، لم تثر أنباء عقد جولة جديدة من المفاوضات في جنيف أملا يذكر في صفوف اللاجئين، الذين قالوا إنه لا أحد من مفاوضي الحكومة أو المعارضة يمثلهم.
*خدمة: «نيويورك تايمز»



مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.


الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)

بالتزامن مع تصاعد المواجهات العسكرية في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن) كثَّفت الجماعة الحوثية حملات الملاحقة والاعتقال في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستهدفة مواطنين تتهمهم بتأييد القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تعز، أو التعبير عن مواقف رافضة للتصعيد العسكري الذي تشهده المحافظة.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن مسلحين حوثيين نفَّذوا خلال الأيام الأخيرة عمليات مداهمة واستدعاء في عدد من أحياء صنعاء، بحثاً عن أشخاص تتهمهم الجماعة بالتعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة في تعز.

وأضافت المصادر أن الحملة شملت مداهمة منازل واستدعاء أشخاص وتوقيف آخرين في الطرقات وأماكن عملهم، قبل اقتياد عدد منهم إلى جهات أمنية تابعة للجماعة، وسط مخاوف أسرهم من استمرار احتجازهم وعدم الكشف عن أماكن وجودهم أو التهم الموجهة إليهم.

حملة حوثية سابقة استهدفت سكاناً في إحدى المناطق اليمنية (إكس)

وحسب المصادر، جاءت الاعتقالات على خلفية مواقف شخصية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول التطورات الميدانية في تعز، أو تنتقد التصعيد العسكري الحوثي، إلى جانب اتهامات لبعض السكان بإبداء التعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة الشعبية.

عائلات تبحث عن أبنائها

وكشفت أسر بعض المختطفين الجدد في صنعاء عن محاولات متكررة لمعرفة أماكن احتجاز ذويها، الذين قالت إن مسلحي الجماعة اعتقلوهم خلال اليومين الماضيين من مناطق متفرقة في العاصمة، وسط خشية من نقلهم بين مواقع احتجاز مختلفة أو إبقائهم بمعزل عن أسرهم.

وأوضحت الأسر أن أبناءها لم يكونوا طرفاً في القتال، وأن توقيفهم جاء نتيجة مواقف أو منشورات تتناول الأحداث في تعز. كما تخشى عائلات أخرى في صنعاء من أن تؤدي التطورات العسكرية المتسارعة في المحافظة إلى توسيع دائرة الاشتباه داخل صنعاء؛ خصوصاً مع تشدد الجماعة في التعامل مع المنشورات والتعليقات التي تتناول سير المعارك أو خسائرها.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبَّدهم مئات القتلى والجرحى (إعلام عسكري)

ويقول «عصام»، قريب أحد المختطفين، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته فوجئت باقتياد قريبه من وسط حي الأصبحي في مديرية السبعين بصنعاء، بعد اتهامه بالتعاطف مع القوات الحكومية في تعز، مؤكداً أن العائلة تحاول منذ ذلك الوقت معرفة مكان احتجازه.

وفي حالة أخرى، أوضحت أسرة أحد السكان في حي الحصبة بمديرية الثورة شمال صنعاء، أن قريبها لم يكن مقاتلاً، وأن ما أثار غضب الحوثيين -حسب الأسرة- كان تفاعله مع أخبار المعارك في تعز، ومشاركته منشورات تتحدث عن تطورات المواجهات.

مراقبة إلكترونية

وحسب المصادر المحلية، كثفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة إجراءات المراقبة داخل صنعاء، بما في ذلك متابعة نشاط السكان على مواقع التواصل الاجتماعي، ورصد المنشورات والتعليقات ذات الصلة بالمعارك والتطورات العسكرية في تعز.

وتقول المصادر إن أجهزة الجماعة الحوثية تعتمد كذلك على شبكة من العناصر والمخبرين لمتابعة تحركات السكان، وجمع المعلومات عن الأشخاص الذين يُشتبه في تعاطفهم مع القوات الحكومية أو المقاومة الشعبية.

ولا تقتصر المخاوف -وفق المصادر- على الأشخاص الذين يشاركون بصورة مباشرة في القتال؛ إذ تقول إن مجرد التعبير عن موقف مؤيد للقوات الحكومية أو التعاطف مع المقاومة الشعبية في تعز قد يثير الشبهات لدى أجهزة الحوثيين.

عدد الفارِّين من الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)

وتأتي هذه التحركات بعد حملات أمنية سابقة شهدتها صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، واستهدفت ناشطين وإعلاميين ووجاهات اجتماعية، وفق تقارير حقوقية وإعلامية.

وكانت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» قد أعلنت توثيق 1033 جريمة وانتهاكاً قالت إن الجماعة الحوثية ارتكبتها خلال الفترة من 3 إلى 27 سبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع التصعيد العسكري، وشملت حالات قتل واختطاف وإخفاء قسري ومداهمة منازل.


مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)

تستضيف مدينة العلمين المصرية بالساحل الشمالي، الأحد، «قمة رباعية» تجمع زعماء مصر وإريتريا والسودان والصومال، على هامش اجتماعات «منتدى العلمين - أفريقيا»، وذلك للتنسيق بشأن التطورات الأمنية في منطقة «القرن الأفريقي».

وقالت الرئاسة المصرية، في بيان، السبت، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيشارك في «قمة العلمين التشاورية»، التي ستجمع أيضاً قادة إريتريا آسياس أفورقي، والسودان الفريق عبد الفتاح البرهان، والصومال حسن شيخ محمود، مشيرة إلى أن «القمة تأتي في إطار التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».

وتأتي القمة في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تطورات أمنية متصاعدة مرتبطة بالصراعات في إثيوبيا وتأثيراتها على دول الجوار.

وعشية انعقاد القمة، أجرى الرئيس المصري لقاءات ثنائية مع رئيسي إريتريا والصومال، على هامش «منتدى العلمين - أفريقيا»، وناقش معهما «التطورات الإقليمية خصوصاً في القرن الأفريقي»، حسب الرئاسة المصرية.

الرئيس المصري في مشاورات موسعة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالعلمين (الرئاسة المصرية)

وخلال لقائه الرئيس الإريتري، أكد السيسي «دعم بلاده الكامل لأمن واستقرار إريتريا، واحترام سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وشدد على «رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول أو مساس بوحدتها الإقليمية، بما يخالف مبادئ القانون الدولي، والنظام التأسيسي للاتحاد الأفريقي».

وحسب الرئاسة المصرية، أكد السيسي «حرص بلاده على مواصلة التنسيق والتشاور مع إريتريا، بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي، ودعم جهود تسوية الأزمات بالوسائل السلمية، وتعزيز التعاون لتحقيق أمن واستقرار البحر الأحمر».

الرسالة نفسها أكدها الرئيس المصري، خلال لقائه مع نظيره الصومالي، وشدد على «ثوابت مواقف القاهرة الداعمة لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية»، ودعا السيسي إلى «تعزيز التوافق الوطني بين مختلف المكونات الصومالية، بما يدعم وحدة الدولة ويحافظ على استقرارها ويجنبها التحديات الأمنية».

وتركز القمة الرباعية التشاورية في العلمين على تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي، وتداعيات الصراع المسلح الداخلي في إثيوبيا على دول الجوار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، الذي قال إن «قمة العلمين تأتي لتأكيد تضامن الدول الأربع بشأن التهديدات التي تشهدها تلك المنطقة، وتعزيز التنسيق لصون استقرارها».

ويرى حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القمة ستركز على التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً ما يتعلق بالتصرفات الأحادية في نهر النيل، وتأثيرها على الأمن المائي المصري، ومحاولات دول، منها إثيوبيا، الحصول على منفذ بحري بالبحر الأحمر»، مشيراً إلى أن «القاهرة تستهدف تعزيز التنسيق مع تلك الدول، لضمان ضبط النفس وعدم التصعيد، واحتواء الصراعات القائمة، على أساس المواثيق والقوانين الدولية».

وأكد الرئيس الإريتري، خلال لقائه مع الرئيس المصري، «وجود توافق كبير بين القاهرة وبلاده بشأن التطورات الإقليمية، لا سيما ما يتعلق بضرورة احترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، حسب الرئاسة المصرية.

ويأتي اجتماع العلمين الرباعي في توقيت مهم تواجه فيه المنطقة تحديات بالممرات البحرية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، وقال إن «الاجتماع يجب أن يخرج برسالة واضحة، ضد أي محاولات لإشعال الوضع بمنطقة لا تحتمل مزيداً من الصراعات الإقليمية أو الداخلية»، مشيراً إلى أن «عدم الاستقرار لا يؤثر فقط على أطراف الصراع، ولكن يمتد للمحيط الجغرافي وأيضاً الدولي».

ويؤكد عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «اجتماعات الرئيس المصري مع قادة إريتريا والصومال والسودان، ليست موجهة ضد أحد»، لكنها تستهدف «التنسيق والتشاور لحماية سلامة تلك الدول الإقليمية، والتصدي لتحركات أي كيانات انفصالية بالمنطقة»، وقال إن التطورات الأخيرة في إثيوبيا وفي جنوب البحر الأحمر، «تستدعي التنسيق المستمر بين القاهرة وهذه الدول».