صمت في البيت الأبيض حول اتصالات فلين بموسكو

مستشار الأمن القومي ضلّل المسؤولين حول محتواها

فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)
فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)
TT

صمت في البيت الأبيض حول اتصالات فلين بموسكو

فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)
فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)

يواجه مستشار الأمن القومي الأميركي، الجنرال مايكل فلين، المزيد من الضغوط السياسية، كما أنه يخاطر بفقدان ثقة بعض زملائه في الإدارة الأميركية الجديدة، إثر ظهور بعض التقارير التي تفيد بأنه تعمد تضليل كبار المسؤولين في الإدارة الجديدة بشأن مناقشات العقوبات الاقتصادية مع مبعوث الحكومة الروسية، بعد فترة وجيزة من تولي الرئيس دونالد ترمب مهام منصبه الجديد.
وفي الوقت الذي يسابق فيه مساعدو البيت الأبيض الوقت لتعديل تقاريرهم بشأن طبيعة هذه الاتصالات رفيعة المستوى، ويتوجه المعسكر الديمقراطي للمطالبة بتعليق العمل بالتصريح الأمني الممنوح لفلين، لم يتخذ ترمب ولا أي من مستشاريه أي خطوة علنية للدفاع عن موقف فلين أو التصريح بشكل لا لبس فيه أنه لا يزال يحوز على ثقة الرئيس.
وعلى نحو خاص، صرح بعض من مسؤولي الإدارة الأميركية بقولهم بأن موقف فلين بات ضعيفًا، وأن قوة الدعم الموكلة إليه تتآكل بشكل كبير بسبب الاعتقاد السائد في الوقت الراهن بأنه كان مخادعًا بشأن روسيا، وبالتالي قد لا ينال القدر ذاته من الثقة اللازمة للمضي قدمًا في ممارسة مهام منصبه.
وقال أحد مسؤولي الإدارة الأميركية الذي، على غرار الآخرين، قد أجريت المقابلات معهم بشأن هذا التقرير، متحدثا بشرط عدم الكشف عن هويته لوسائل الإعلام: «لقد جردت السيوف من أغمادها وأشهرت في وجه فلين».
من جهته، رفض كبير مساعدي البيت الأبيض الذي أوفد لتمثيل الإدارة الأميركية في برامج الأحد السياسية الدفاع عن فلين. وردًا على سؤال موجه من جورج ستيفانوبولوس، المذيع البارز لدى شبكة (إيه بي سي) الإخبارية إلى ستيفن ميلر حول تواصل فلين مع السفير الروسي إلى الولايات المتحدة سيرغي كيسلياك، قال ميلر: «ليست لدي أي أخبار أدلي بها اليوم حيال هذه النقطة». وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي أن فلين وكيسلياك قد ناقشا سويًا العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا قبل شهر من مراسم تنصيب ترمب لتولي منصبه الجديد.
والنتائج التي حصلت عليها صحيفة «واشنطن بوست»، والتي أكدها تسعة من المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين، تناقضت مع التأكيدات التي صرح بها علنًا نائب الرئيس الأميركي وغيره من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، والتي تفيد بأن فلين لم يتناقش «قط» مع المسؤولين الروس حول ملف العقوبات الأميركية.
واستنادًا إلى التأكيدات الخاصة الصادرة عن فلين نفسه، صرح نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريبوس، والسكرتير الصحافي للبيت الأبيض شون سبايسر، علانية بأن فلين لم يناقش ملف العقوبات «أبدًا» مع كيسلياك.
ولقد تحدث بنس مع فلين مرتين يوم الجمعة الماضي، إحداهما كانت وجهًا لوجه والأخرى عبر الهاتف، وفقًا لتصريح أحد المسؤولين بالإدارة الأميركية الذي رفض الحديث عن محتويات تلك المناقشات بين المسؤولين الكبيرين.
وقال مسؤول أميركي كبير آخر: «إن فلين يفقد أصدقائه سريعا الآن. وإجماع الآراء داخل البيت الأبيض في الوقت الحالي على أنه تعمد الكذب. ويشعر نائب الرئيس بأنه قد تعمد الكذب عليه أيضًا. وفي موقف مفعم بالكثير من الدراما ولم يعد يحتمل المزيد منها، سوف أكون مندهشًا للغاية إن استمر الرجل في منصبه لفترة أطول من ذلك».
بدوره، دعا كريس كريستي، الحاكم الجمهوري لولاية نيوجيرسي، والمستشار غير الرسمي للسيد ترمب، فلين لإيضاح الأمر حول ما حدث أمام الرئيس ونائبه بنس، ولكنه أحجم عن اتهام فلين بتعمد ارتكاب المخالفات.
وقال كريستي لشبكة «سي إن إن» الإخبارية: «أعتقد أنه التزام واجب من الجنرال فلين، مستشار الرئيس للأمن القومي، أن يوضح هذا النوع من المحادثات الصريحة أمام الرئيس ونائبه. ومن ثم فسوف يتخذان القرار على النحو الذي يعتبرانه مناسبًا، بالنظر إلى كل الظروف المحيطة بالأمر».
وخلال عطلة نهاية الأسبوع في منتجع «مار - ا - لاغو» المملوك للرئيس ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، أعرب الرئيس، بشكل سري، عن إحباطه إزاء فلين والأعباء السياسية التي ألقاها على عاتق البيت الأبيض، وذلك وفقًا لاثنين من الشخصيات المطلعة على تعليقات ترمب.
ونفى سبايسر أن يكون الرئيس قد وجه الانتقادات إلى فلين في حضور أي شخصية كانت في ذلك النادي الخاص، ووصف التأكيدات بعكس ذلك أنها من قبيل «الأخبار العارية عن الصحة».
وقالت شخصيات مقربة من فلين إنه يشعر بالثقة في موقفه، على الرغم من الجدال الذي بات يحوم حوله مؤخرًا. ورافق فلين الرئيس إلى فلوريدا خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي إلى جانب مسؤولين آخرين من مجلس الأمن القومي للاجتماع مع نظرائهم من الحكومة اليابانية، خلال زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، تحذر بعض الشخصيات المقربة من الرئيس الأميركي بأنه من غير المرجح لدى ترمب أن يعزل فلين من منصبه لأنه بهذا التصرف سوف يرقى إلى مستوى الاعتراف بالذنب، وسوء التقدير في وجه وسائل الإعلام التي بدأت تنتقد الأمر، وسوف يعكس أيضًا حالة من الفوضى المبكرة في رئاسته للبلاد.
وأثيرت الشكوك حول شخصية مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة، في الوقت الذي يواجه الرئيس الأميركي فيه أول الاستفزازات الخارجية الكبيرة من أحد خصوم الولايات المتحدة في الخارج، إذ أجرت كوريا الشمالية تجربة صاروخية جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهي الخطوة التي وصفها بعض الخبراء بأنها ترقى لمستوى اختبار مكونات الصاروخ الباليستي الجديد العابر للقارات والقادر على الوصول إلى الولايات المتحدة الأميركية.
ولقد استجاب الرئيس ترمب للأمر مساء السبت في مؤتمر مشترك جمعه برئيس وزراء اليابان في منتجعه الخاص، حيث طمأن رئيس الوزراء الياباني بأن الولايات المتحدة تدعم اليابان بشكل كامل.
ولقد التقى فلين، الجنرال العسكري المتقاعد وضابط الاستخبارات المخضرم، مع ترمب في أواخر عام 2015 ليعرض عليه مشورته بشأن الحملة الانتخابية الرئاسية، ومن ثم انضم إلى فريقه الانتخابي منذ بدايات عام 2016. ولقد حاز على موافقة ترمب خلال الانتخابات العامة من واقع استعداده للسفر بشكل منتظم، وإلقائه للخطابات القوية التي تسحق الخصم الديمقراطي المنافس لترمب، هيلاري كلينتون.
من جهتهم، دعا زعماء الحزب الديمقراطي إلى إجراء تحقيقات حول اتصالات فلين مع المسؤولين الروس، كما دعوا ترمب لتعليق ثم إلغاء تصريح الأمن الخاص به. ولم يصدر حتى الآن تعليق من قبل الرئيس الأميركي إزاء فلين، ولا حتى عبر صفحته الخاصة على موقع «تويتر»، أو خلال ظهوره الموجز أمام الصحافيين خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي. وعلى متن الطائرة الرئاسية الأولى يوم الجمعة الماضي، سأل الصحافيون ترمب عن التقرير الإخباري الصادر عن صحيفة «واشنطن بوست» حول مناقشات فلين حول ملف العقوبات الاقتصادية الأميركية على روسيا، فقال الرئيس إن لا علم له بالأمر، على الرغم من أنها قد أصبحت من الأخبار الصحافية ذائعة الصيت عبر مختلف وسائل الإعلام.
وقال الرئيس الأميركي عن ذلك خلال رحلته إلى ولاية فلوريدا قادمًا من العاصمة واشنطن: «لا علم لي بذلك الأمر. لم أطلع عليه بعد. أي تقرير إخباري هذا؟ لم أطلع على هذا التقرير بعد. سوف أنظر في هذا الأمر لاحقًا».

* خدمة «واشنطن بوست» - خاص بـ«الشرق الأوسط»



أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.


من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
TT

من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)

تشير استطلاعات الرأي والوقائع السياسية الأخيرة، على جانبي المحيط الأطلسي، والغرب عموماً، إلى ظاهرة سياسية لافتة: فالشباب الذين اعتادوا لعقود أن يكونوا أكثر ميلاً إلى اليسار، بدأ قسم متزايد منهم يتجه نحو اليمين. ولا يتعلق الأمر دائماً بيمين محافظ تقليدي أو معتدل، بل أحياناً بحركات شعبوية وقومية، بل وبتيارات أكثر راديكالية تشكك في النظام السياسي الليبرالي نفسه.

في الولايات المتحدة، كان الشباب تاريخياً أكثر ميلاً إلى الحزب الديمقراطي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في طلائع الجيل «زد» (Z) وقبله الجيل «واي» (Y)، أو «جيل الألفية»؛ فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ييل في عام 2025، فرقاً واضحاً بين الفئات الشبابية؛ فمن هم بين 22 و29 عاماً غالبيتهم ديمقراطية، بينما الأصغر سناً، بين 18 و21 عاماً، أكثرهم جمهوريون.

طلاب وطالبات في جامعة نورث كارولاينا الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وهنا تبرز مفارقة مهمة: الجيلان «واي» و«زد» ليسا كتلة سياسية واحدة؛ فهناك فرق واضح بين أفرادهما الأكبر سناً والأصغر سناً، كما أن الفجوة بين الرجال والنساء داخل الجيلين تتسع بشكل ملحوظ.

* لماذا يتحرك بعض الشباب نحو اليمين؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال؛ فالتجارب التي عاشها الشباب خلال سنوات تكوينهم السياسي تختلف بحسب العمر والبلد والبيئة الاجتماعية.

بالنسبة إلى الأصغر سناً من الجيلين المذكورين، كان لجائحة «كوفيد-19» تأثير خاص؛ فقد أمضى كُثرٌ منهم سنوات المراهقة في ظل الإغلاق والعزلة والقيود الحكومية، وهي تجربة ربما أثرت في نظرتهم إلى السلطة والمؤسسات. وفيما تأثر الأكبر سناً من الجيلَين بحركات تقدمية ومنصات مثل «إنستغرام»، نشأ الأصغر وسط انتشار «تيك توك»، الذي أصبح مساحة أكثر تقبّلاً للأصوات اليمينية والشعبوية.

ويشير بعض المحللين إلى تأثير صناع المحتوى الناشطين على المنصات المختلفة في مجالات مثل اللياقة البدنية، والتنمية الذاتية، وإدارة الأموال، في تشكيل وعي سياسي يميل نحو الفردية والاعتماد على الذات بدلاً من دولة الرفاه.

والواقع أن المسألة لا تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالشباب الذين يشعرون بأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لا تتحسن قد يصبحون مشككين في النظام الذي يرونه مسؤولاً عن هذه النتائج. وإذا نظرنا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك منزل، والقلق بشأن الوظائف والمستقبل، والهجرة والهوية الوطنية، فهي كلها قضايا شائكة يمكن أن تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل سياسية أكثر حدة.

رئيس حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي جوردان بارديللا مع زعيمة الحزب مارين لوبن في لييفان بشمال فرنسا (أ.ف.ب)

* أوروبا: جيل جديد يكتشف اليمين

تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً في أجزاء من أوروبا، حيث حققت الأحزاب اليمينية والشعبوية تقدماً بين الشباب.

وفرنسا مثال بارز؛ فقد نجح حزب «التجمع الوطني»، بقيادة جوردان بارديلا (30 عاماً)، في جذب أعداد كبيرة من الشباب. ولا شك في أن بارديلا نفسه يمثل جزءاً من استراتيجية فعّالة؛ فهو شاب، حاضر بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث إلى جمهور أصغر سناً بلغة مختلفة عن لغة الأحزاب التقليدية. وله ملايين المتابعين على «تيك توك».

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا؛ بل تشمل النمسا وألمانيا وبلجيكا.

ويجب أن يُشار هنا إلى أن الحروب والصراعات الدولية الأخيرة والاستقطاب الجيوسياسي، تؤثر حتماً على إعادة تشكيل مفهوم القومية والأمن لدى الشباب في الغرب.

* الرجل الشاب مقابل المرأة الشابة

وسط ما يحصل، قد يكون العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التحول السياسي لا يحدث بالتساوي بين الجنسين. وفي هذا السياق، تشير استطلاعات وتحقيقات متعددة إلى أن نساء جيلَي «الألفية» و«زد» أصبحن أكثر ميلاً إلى الليبرالية والتقدمية، بينما يتحرك الرجال الشباب في الاتجاه المعاكس بدرجات متفاوتة. ولذلك قد يكون من الأدق الحديث عن «يمين الشباب الذكور» بدلاً من «يمين جيل الشباب» بصورة عامة.

وقد تكون هذه الفجوة مرتبطة بقضايا مثل الجندر، والهوية، والذكورة، والعلاقات بين الجنسين، والهجرة، وحرية التعبير. كما أن بعض الشباب الذكور يشعرون بأن الخطاب التقدمي السائد لا يمثلهم، أو أنه ينظر إليهم بوصفهم جزءاً من المشكلة بدلاً من التعامل معهم بوصفهم فئة تواجه مشكلاتها الخاصة وتبحث عن حلول لها.

طلاب في جامعة مونستر الألمانية (د.ب.أ)

وقد أسهمت شبكة الإنترنت في نشوء مجتمعات سياسية بديلة يستطيع فيها هؤلاء الشباب الركون إلى أفكار كتاب ومعلقين ومؤثرين يقدمون لهم تفسيراً مختلفاً للعالم.

* ما «اليمين الجديد»؟

المهم هنا أن اليمين الذي يجذب بعض الشباب ليس بالضرورة نسخة من اليمين القديم.

فاليمين التقليدي كان يركز على صَون المؤسسات والتقاليد والاستقرار. أما ما يسمى أحياناً «اليمين الجديد» أو «اليمين الشاب»، فهو في بعض أوساطه أكثر تمرداً على النظام القائم. ويذهب البعض إلى الدعوة للانقلاب على الوضع الراهن وتغيير قواعد اللعبة جذرياً.

وهذا تحديداً قد يكون أحد أسباب جذب الشباب؛ فالسياسة بالنسبة إلى جيل يشعر بالإحباط يمكن أن تصبح أكثر إثارة عندما تقدم نفسها بوصفها حركة تمرد على النخب والمؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية والجامعات، بل تذهب إلى حد الإيحاء بأنها تمتلك حلولاً سحرية لمشكلات استعصت على النخب التقليدية اليمينية واليسارية.

وهنا تظهر المفارقة: قد ينجذب بعض الشباب إلى اليمين؛ ليس لأنهم أصبحوا أكثر محافظة، بل لأنهم يرونه أكثر راديكالية واستعداداً لتحدي النظام.

وفي المقابل، يجب ألا نتجاهل أن اليسار نفسه شهد تراجعاً في قدرته على تقديم أفكار جديدة ومثيرة لبعض الشباب؛ فقد خفتت جاذبية قضايا مثل المناخ لدى قطاعات من الناخبين مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وفي الوقت نفسه يعاني بعض الحركات اليسارية انقسامات داخلية.

معرض خاص بعروض الوظائف في سيول عاصمة كوريا الجنوبية (رويترز)

* ماذا يريد هذا اليمين الشاب؟

يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد هذا اليمين الشاب فعلاً؟

ليس من الحكمة اختزال الظاهرة في شخص دونالد ترمب أو في معاداة الهجرة؛ فبعض الشباب يريد سياسات اقتصادية مختلفة، وبعضهم يركز على الهوية الوطنية، وبعضهم على القيم الاجتماعية والدينية، بينما يريد آخرون تحدي المؤسسات الديمقراطية نفسها.

لذلك، من الخطأ افتراض أن جميع هؤلاء الشباب يشتركون في مشروع سياسي واحد؛ فاليمين الشاب ليس حركة متجانسة، وقد تختلف دوافعه وأهدافه من بلد إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.

وقد يكون من الخطأ أيضاً افتراض أن هذا الجيل سيبقى يمينياً إلى الأبد؛ فالاتجاهات السياسية تتغير، والشباب يمكن أن ينتقلوا من موقف إلى آخر مع تغير ظروفهم.

غير أن هناك أمراً أكثر أهمية من السؤال عمّا إذا كان الجيل الشاب «يمينياً» أم «يسارياً»؛ إذ يبدو أن فئة متزايدة ممن هم دون الثلاثين من العمر فقدت الثقة في قدرة الديمقراطية الليبرالية التقليدية على حل مشكلاتها.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام اليسار واليمين معاً، بل أمام السياسة بوصفها فكراً وعلماً وممارسة منذ أن تحدّث أرسطو عن «شؤون المدن» في كتابه «السياسة» (بوليتيكا)؛ فالشباب لا يحتاجون إلى شعارات سياسية رنّانة، بل إلى أفكار جديدة يمكن مناقشتها واختبارها بحرية. وإذا أرادت الديمقراطية الليبرالية استعادة ثقة جيل جديد، فعليها أن تثبت أن النظام القائم قادر على الإصلاح والتغيير وتقديم مستقبل أفضل.

وقد لا يكون صعود اليمين بين الشباب هو نهاية هيمنة اليسار، بل علامة على بداية مرحلة سياسية جديدة. والسؤال في النهاية ليس: هل يتجه جيل الشباب إلى اليمين؟ بل: لماذا فقد جزء منه إيمانه بالاتجاه الذي سار فيه الجيل السابق؟ وماذا سيبني بدلاً منه؟

اقرأ أيضاً