وزير مجلس الوزراء السوداني لـ «الشرق الأوسط»: إعاقة الحوار ستدخلنا في دوامة العنف

أحمد سعد عمر
أحمد سعد عمر
TT

وزير مجلس الوزراء السوداني لـ «الشرق الأوسط»: إعاقة الحوار ستدخلنا في دوامة العنف

أحمد سعد عمر
أحمد سعد عمر

توقع وزير مجلس الوزراء السوداني، أحمد سعد عمر، عودة وشيكة لزعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، محمد عثمان الميرغني، نافيا في الوقت نفسه، ما يتردد عن تدهور الوضع الصحي للميرغني، قاطعًا بعدم وجود خلافات بينه وبين مساعد أول رئيس الجمهورية مسؤول التنظيم في الحزب الاتحادي.
وجدد عمر، وهو قيادي في الحزب الاتحادي، في حديث مع «الشرق الأوسط» تمسك حزبه بالإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها السلطات المالية السودانية مؤخرًا، وأكد متانة علاقة رئيس الحزب بالرئيس عمر البشير، كاشفًا عن لقاء تم بين الرجلين في العاصمة المصرية القاهرة تشاورا فيه بشأن الأوضاع بالبلاد.
وأعلن عمر عن دعم حزبه ومساندته التامة لمواقف المملكة العربية السعودية، ودول التحالف العربي في مواجهة الإرهاب وأجنداته الخبيثة، وفي الوقت ذاته، حذر مما سماه محاولات تعويق وتعطيل تنفيذ مخرجات الحوار الوطني السوداني، التي تحول دون وقوع البلاد في دوامة العنف والدمار حال الالتزام بتنفيذها، مشيرًا إلى أهمية منصب رئيس وزراء ضمن التشكيلة الحكومية المزمعة، وأن يكون خاضعًا للمساءلة والمحاسبة أمام البرلمان.
* كيف ينظر الحزب الاتحادي الديمقراطي لما يدور في المشهد السياسي السوداني؟
- نتوقع تنفيذ وثيقة مخرجات الحوار الوطني السوداني وقراراته التي أجمعت عليها القوى السياسية والمجتمعية، لمواجهة القضايا العليا للوطن، وأن التعويق أو التعطيل أو الالتفاف عليها من أي نوع، سيفضى حتمًا لنتائج وخيمة، والحزب يدرك تمامًا أن البلاد مهددة فعلاً وتتربص بها دوائر وأجندات خبيثة تستهدف إضعافها وتمزيقها وزعزعة استقرارها، ونحن لا نريد للسودان أن يتعرض لسيناريوهات التدخل أو العنف أو الاضطرابات والدمار مثلما هو الحال في دول الجوار.
* هل هناك مؤشرات إيجابية باتجاه تنفيذ هذه المخرجات؟
- تبحث الحكومة وتثابر من جهتها، والحزب الاتحادي الديمقراطي من جهته، عن دعوة الحركات المسلحة للانضمام والمشاركة في الوفاق الوطني الشامل، انطلاقًا من حرصهما على تأمين الوطن وسلامته، نحن نؤمل أن تعلو مصلحة الوطن واستقراره على ما عداه.
* هل يؤيد حزبكم استحداث منصب رئيس وزراء إلى جانب رئيس الجمهورية؟
- نعم، ونحن أدرجنا المقترح في مؤتمر الحوار الوطني الشامل وتمت الموافقة عليه بما يشبه الإجماع، لأن وجود رئيس وزراء مهم، ليخضع بصورة مباشرة للاستجواب والمراجعة والمحاسبة في البرلمان.
* هل يوافق حزبكم على توسيع الصرف الإداري على حكومة مترهلة، تزيد الإنفاق المالي على أجهزة تشريعية وتنفيذية جديدة، وزيادة أعداد الوزراء والنواب في المرحلة المقبلة؟
- عندما قرر الاتحادي الديمقراطي الشراكة مع حزب المؤتمر الوطني في الحكم، فقد التزم ببرنامج متفق عليه لمعالجة الوضع الاقتصادي ولرفع المعاناة عن الإنسان السوداني، وتوفير الحياة الكريمة، وإشاعة الحريات، لأنه ينطلق من أن همه الأول هو المواطن. وقد حذر رئيس الحزب محمد عثمان الميرغني الحكومة والمعارضة من أن الشعب عانى وضاق بما فيه الكفاية، وأنه لن يصبر إلى الأبد إذا أهملت مطالبه أو تطلعاته المشروعة، نحن نتمسك بالكامل بهذا البرنامج ومنحازون لتحقيق الاستقرار والسلام لأهل السودان.
* كيف تسير العلاقات بين الرئيس عمر البشير ورئيس الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني، وبين حزبيهما الاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الوطني؟
- هي علاقات يسودها الاحترام المتبادل، فالرئيس عمر البشير رغم ازدحام برنامجه لدى زيارته الأخيرة للقاهرة، حرص على لقاء الميرغني للاطمئنان عليه، وللتشاور حول قضايا الوطن وجعل الحوار الوطني السوداني هو الغالب والسائد بشأن الأوضاع كافة، ولتحقيق وحدة السودانيين باعتبارها الركيزة الأولى لاستقرار وسلام السودان، ولمواجهة الأوضاع السياسية والمعيشية بالحلول الصحيحة والفورية.
* لماذا طال غياب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الميرغني عن السودان وبقاؤه بين بريطانيا ومصر، ومتى يعود وهل هو بصحة جيدة؟
- الميرغني بصحة طيبة وجيدة وزرته في لندن وفي القاهرة، فهو يمارس نشاطه السياسي بصورة طبيعية، ويتابع مجريات الأحداث والتطورات في السودان، كما تؤكد التقارير التي يبعثها إليه مكتبه في الخرطوم ليبت فيها أولاً بأول أنه يمارس حياته بصورة طبيعية، وأتوقع عودته خلال الأيام المقبلة بإذن الله.
* تناقلت تقارير وجود خلاف بينك وبين مساعد أول رئيس الجمهورية ومسؤول التنظيم في الاتحادي الديمقراطي محمد الحسن الميرغني، هل ثمة خلافات بينكما؟
- لا يوجد خلاف بيني وبين الحسن الميرغني، ونحن نعمل في تعاون بناء من أجل مصالح الحزب التاريخي الاتحادي الديمقراطي، وسيعود الرجل للبلاد في الأيام المقبلة ليمارس مهامه في القصر وفي مقر الحزب.
* لماذا رفض الميرغني لقاء قيادات ورموز اتحادية سعت لمقابلته في لندن؟
- في الواقع يستقبل الميرغني عادة كل من يأتيه سواء في الخرطوم أو لندن أو المدينة أو القاهرة، ويعرف الذين جاءوا إلى لندن هذه الحقيقة جيدًا، لكن هذه الرموز - وهي موضع احترام - أعلنت قبل سفرها أن لديها مطالب تعرضها على رئيس الحزب، وجاء إعلانها من دون ترتيب سابق، ووصلت بالفعل إلى لندن ولم يرد عليها مكتب الميرغني فعادت للخرطوم. ولو أن المجموعة طلبت اللقاء من دون شروط مسبقة لقابلهم فور وصولهم، وغير صحيح أنه جرى فصلهم، فهم ما يزالون يتمتعون بمكانتهم وبعضويتهم في الحزب التاريخي، ولم يفصلوا كما ذكرت تقارير.
* هل تسعون للم الشمل الاتحاديين، وتوحيد الاتحاديين لأنفسهم في الحزب؟
- يمثل الحزب الاتحادي الديمقراطي الحركة الوطنية السودانية التي أسست الدولة السودانية المستقلة في يناير (كانون الثاني) 1956، وقد استهدفته الأنظمة الشمولية بالاعتقالات والتشتيت لكنه صمد في وجهها، وتأتي خلافات الاتحاديين في وجهات النظر بشأن التعامل مع كل مرحلة، وليس حول المبادئ والثوابت، وتواصل القيادة سعيها المخلص للم الشمل وتوحيد الصف الاتحادي، لأن في قوته ووحدته دعمًا للاستقرار السياسي في البلاد.
* هل سيطلب حزبكم زيادة حصته من وزراء ونواب في حكومة وبرلمان الوفاق الوطني؟
- عندما قرر الاتحادي الديمقراطي الأصل المشاركة مع المؤتمر الوطني في الحكومة، فإنه فعل ذلك من مفهوم استراتيجي وطني، يهدف لتحقيق الاستقرار وتأمين سلامة الوطن أرضًا وشعبًا، واكتفى بالتمثيل الرمزي في الأجهزة الدستورية والتنفيذية والتشريعية، ولكن المرحلة المقبلة الخاصة بإنفاذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، تقتضي أن يكون تمثيله بمستوى وزنه الجماهيري ومسؤولياته التاريخية في المرحلة الجديدة.
* ماذا يكون موقفكم بوصفكم حزبا حال التباطؤ أو عدم إنفاذ مخرجات أو قرارات مؤتمر الحوار الوطني؟
- طرح الاتحادي الديمقراطي مبكرًا فكرة توحيد الجبهة الداخلية، وتحقيق الوفاق الوطني الشامل، واعتبرها طوق نجاة لحماية الوطن، ولا يزال متمسكًا بضرورة التراضي والتوافق الوطني لأهل السودان، نحن نسعى بكل جدية وإخلاص لتحقيق مخرجات الحوار الوطني تأمينا للسلامة والاستقرار.
* كيف ينظر الحزب الاتحادي الديمقراطي لتطور الأوضاع في دولة جنوب السودان، والحرب الناشبة هناك؟
- لقد أكد رئيس الحزب لرئيس دولة جنوب السودان في مصر مواصلة كل المساعي المطلوبة لتحقيق التواصل مع السودان وجنوب السودان من أجل استقرار البلدين اللذين كانا بلدًا وشعبًا واحدًا، وتتطلع أن تكون زيارة الرئيس سلفاكير رئيس دولة الجنوب للخرطوم خلال الأيام المقبلة خطوة إيجابية في المستويات كافة لتحقق الاستقرار والسلام والمصالح بين الخرطوم وجوبا، ونحن بصفتنا حزبا نشعر بالحزن البالغ لما آلت إليه الأوضاع في الجنوب بعد الانفصال، وسعينا باتصالات ورسائل تحث جميع الأطراف على وقف القتال والاحتراب.
* ما موقف حزبكم من قضايا الإرهاب التي تشهدها المنطقة؟
- موقف الاتحادي الديمقراطي المبدئي أنه ضد الإرهاب بمسمياته كافة، وهو يساند ويدعم الأشقاء دول التحالف العربي في المواجهة الحازمة لدحر الإرهاب في المنطقة، ويؤيد بوجه خاص مجهود وحكمة وحنكة وشجاعة المملكة العربية السعودية في مواجهة الإرهاب وأجنداته الخبيثة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.