وزير مجلس الوزراء السوداني لـ «الشرق الأوسط»: إعاقة الحوار ستدخلنا في دوامة العنف

أحمد سعد عمر
أحمد سعد عمر
TT

وزير مجلس الوزراء السوداني لـ «الشرق الأوسط»: إعاقة الحوار ستدخلنا في دوامة العنف

أحمد سعد عمر
أحمد سعد عمر

توقع وزير مجلس الوزراء السوداني، أحمد سعد عمر، عودة وشيكة لزعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، محمد عثمان الميرغني، نافيا في الوقت نفسه، ما يتردد عن تدهور الوضع الصحي للميرغني، قاطعًا بعدم وجود خلافات بينه وبين مساعد أول رئيس الجمهورية مسؤول التنظيم في الحزب الاتحادي.
وجدد عمر، وهو قيادي في الحزب الاتحادي، في حديث مع «الشرق الأوسط» تمسك حزبه بالإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها السلطات المالية السودانية مؤخرًا، وأكد متانة علاقة رئيس الحزب بالرئيس عمر البشير، كاشفًا عن لقاء تم بين الرجلين في العاصمة المصرية القاهرة تشاورا فيه بشأن الأوضاع بالبلاد.
وأعلن عمر عن دعم حزبه ومساندته التامة لمواقف المملكة العربية السعودية، ودول التحالف العربي في مواجهة الإرهاب وأجنداته الخبيثة، وفي الوقت ذاته، حذر مما سماه محاولات تعويق وتعطيل تنفيذ مخرجات الحوار الوطني السوداني، التي تحول دون وقوع البلاد في دوامة العنف والدمار حال الالتزام بتنفيذها، مشيرًا إلى أهمية منصب رئيس وزراء ضمن التشكيلة الحكومية المزمعة، وأن يكون خاضعًا للمساءلة والمحاسبة أمام البرلمان.
* كيف ينظر الحزب الاتحادي الديمقراطي لما يدور في المشهد السياسي السوداني؟
- نتوقع تنفيذ وثيقة مخرجات الحوار الوطني السوداني وقراراته التي أجمعت عليها القوى السياسية والمجتمعية، لمواجهة القضايا العليا للوطن، وأن التعويق أو التعطيل أو الالتفاف عليها من أي نوع، سيفضى حتمًا لنتائج وخيمة، والحزب يدرك تمامًا أن البلاد مهددة فعلاً وتتربص بها دوائر وأجندات خبيثة تستهدف إضعافها وتمزيقها وزعزعة استقرارها، ونحن لا نريد للسودان أن يتعرض لسيناريوهات التدخل أو العنف أو الاضطرابات والدمار مثلما هو الحال في دول الجوار.
* هل هناك مؤشرات إيجابية باتجاه تنفيذ هذه المخرجات؟
- تبحث الحكومة وتثابر من جهتها، والحزب الاتحادي الديمقراطي من جهته، عن دعوة الحركات المسلحة للانضمام والمشاركة في الوفاق الوطني الشامل، انطلاقًا من حرصهما على تأمين الوطن وسلامته، نحن نؤمل أن تعلو مصلحة الوطن واستقراره على ما عداه.
* هل يؤيد حزبكم استحداث منصب رئيس وزراء إلى جانب رئيس الجمهورية؟
- نعم، ونحن أدرجنا المقترح في مؤتمر الحوار الوطني الشامل وتمت الموافقة عليه بما يشبه الإجماع، لأن وجود رئيس وزراء مهم، ليخضع بصورة مباشرة للاستجواب والمراجعة والمحاسبة في البرلمان.
* هل يوافق حزبكم على توسيع الصرف الإداري على حكومة مترهلة، تزيد الإنفاق المالي على أجهزة تشريعية وتنفيذية جديدة، وزيادة أعداد الوزراء والنواب في المرحلة المقبلة؟
- عندما قرر الاتحادي الديمقراطي الشراكة مع حزب المؤتمر الوطني في الحكم، فقد التزم ببرنامج متفق عليه لمعالجة الوضع الاقتصادي ولرفع المعاناة عن الإنسان السوداني، وتوفير الحياة الكريمة، وإشاعة الحريات، لأنه ينطلق من أن همه الأول هو المواطن. وقد حذر رئيس الحزب محمد عثمان الميرغني الحكومة والمعارضة من أن الشعب عانى وضاق بما فيه الكفاية، وأنه لن يصبر إلى الأبد إذا أهملت مطالبه أو تطلعاته المشروعة، نحن نتمسك بالكامل بهذا البرنامج ومنحازون لتحقيق الاستقرار والسلام لأهل السودان.
* كيف تسير العلاقات بين الرئيس عمر البشير ورئيس الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني، وبين حزبيهما الاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الوطني؟
- هي علاقات يسودها الاحترام المتبادل، فالرئيس عمر البشير رغم ازدحام برنامجه لدى زيارته الأخيرة للقاهرة، حرص على لقاء الميرغني للاطمئنان عليه، وللتشاور حول قضايا الوطن وجعل الحوار الوطني السوداني هو الغالب والسائد بشأن الأوضاع كافة، ولتحقيق وحدة السودانيين باعتبارها الركيزة الأولى لاستقرار وسلام السودان، ولمواجهة الأوضاع السياسية والمعيشية بالحلول الصحيحة والفورية.
* لماذا طال غياب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الميرغني عن السودان وبقاؤه بين بريطانيا ومصر، ومتى يعود وهل هو بصحة جيدة؟
- الميرغني بصحة طيبة وجيدة وزرته في لندن وفي القاهرة، فهو يمارس نشاطه السياسي بصورة طبيعية، ويتابع مجريات الأحداث والتطورات في السودان، كما تؤكد التقارير التي يبعثها إليه مكتبه في الخرطوم ليبت فيها أولاً بأول أنه يمارس حياته بصورة طبيعية، وأتوقع عودته خلال الأيام المقبلة بإذن الله.
* تناقلت تقارير وجود خلاف بينك وبين مساعد أول رئيس الجمهورية ومسؤول التنظيم في الاتحادي الديمقراطي محمد الحسن الميرغني، هل ثمة خلافات بينكما؟
- لا يوجد خلاف بيني وبين الحسن الميرغني، ونحن نعمل في تعاون بناء من أجل مصالح الحزب التاريخي الاتحادي الديمقراطي، وسيعود الرجل للبلاد في الأيام المقبلة ليمارس مهامه في القصر وفي مقر الحزب.
* لماذا رفض الميرغني لقاء قيادات ورموز اتحادية سعت لمقابلته في لندن؟
- في الواقع يستقبل الميرغني عادة كل من يأتيه سواء في الخرطوم أو لندن أو المدينة أو القاهرة، ويعرف الذين جاءوا إلى لندن هذه الحقيقة جيدًا، لكن هذه الرموز - وهي موضع احترام - أعلنت قبل سفرها أن لديها مطالب تعرضها على رئيس الحزب، وجاء إعلانها من دون ترتيب سابق، ووصلت بالفعل إلى لندن ولم يرد عليها مكتب الميرغني فعادت للخرطوم. ولو أن المجموعة طلبت اللقاء من دون شروط مسبقة لقابلهم فور وصولهم، وغير صحيح أنه جرى فصلهم، فهم ما يزالون يتمتعون بمكانتهم وبعضويتهم في الحزب التاريخي، ولم يفصلوا كما ذكرت تقارير.
* هل تسعون للم الشمل الاتحاديين، وتوحيد الاتحاديين لأنفسهم في الحزب؟
- يمثل الحزب الاتحادي الديمقراطي الحركة الوطنية السودانية التي أسست الدولة السودانية المستقلة في يناير (كانون الثاني) 1956، وقد استهدفته الأنظمة الشمولية بالاعتقالات والتشتيت لكنه صمد في وجهها، وتأتي خلافات الاتحاديين في وجهات النظر بشأن التعامل مع كل مرحلة، وليس حول المبادئ والثوابت، وتواصل القيادة سعيها المخلص للم الشمل وتوحيد الصف الاتحادي، لأن في قوته ووحدته دعمًا للاستقرار السياسي في البلاد.
* هل سيطلب حزبكم زيادة حصته من وزراء ونواب في حكومة وبرلمان الوفاق الوطني؟
- عندما قرر الاتحادي الديمقراطي الأصل المشاركة مع المؤتمر الوطني في الحكومة، فإنه فعل ذلك من مفهوم استراتيجي وطني، يهدف لتحقيق الاستقرار وتأمين سلامة الوطن أرضًا وشعبًا، واكتفى بالتمثيل الرمزي في الأجهزة الدستورية والتنفيذية والتشريعية، ولكن المرحلة المقبلة الخاصة بإنفاذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، تقتضي أن يكون تمثيله بمستوى وزنه الجماهيري ومسؤولياته التاريخية في المرحلة الجديدة.
* ماذا يكون موقفكم بوصفكم حزبا حال التباطؤ أو عدم إنفاذ مخرجات أو قرارات مؤتمر الحوار الوطني؟
- طرح الاتحادي الديمقراطي مبكرًا فكرة توحيد الجبهة الداخلية، وتحقيق الوفاق الوطني الشامل، واعتبرها طوق نجاة لحماية الوطن، ولا يزال متمسكًا بضرورة التراضي والتوافق الوطني لأهل السودان، نحن نسعى بكل جدية وإخلاص لتحقيق مخرجات الحوار الوطني تأمينا للسلامة والاستقرار.
* كيف ينظر الحزب الاتحادي الديمقراطي لتطور الأوضاع في دولة جنوب السودان، والحرب الناشبة هناك؟
- لقد أكد رئيس الحزب لرئيس دولة جنوب السودان في مصر مواصلة كل المساعي المطلوبة لتحقيق التواصل مع السودان وجنوب السودان من أجل استقرار البلدين اللذين كانا بلدًا وشعبًا واحدًا، وتتطلع أن تكون زيارة الرئيس سلفاكير رئيس دولة الجنوب للخرطوم خلال الأيام المقبلة خطوة إيجابية في المستويات كافة لتحقق الاستقرار والسلام والمصالح بين الخرطوم وجوبا، ونحن بصفتنا حزبا نشعر بالحزن البالغ لما آلت إليه الأوضاع في الجنوب بعد الانفصال، وسعينا باتصالات ورسائل تحث جميع الأطراف على وقف القتال والاحتراب.
* ما موقف حزبكم من قضايا الإرهاب التي تشهدها المنطقة؟
- موقف الاتحادي الديمقراطي المبدئي أنه ضد الإرهاب بمسمياته كافة، وهو يساند ويدعم الأشقاء دول التحالف العربي في المواجهة الحازمة لدحر الإرهاب في المنطقة، ويؤيد بوجه خاص مجهود وحكمة وحنكة وشجاعة المملكة العربية السعودية في مواجهة الإرهاب وأجنداته الخبيثة.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».