ندوة الشخصيات المكرمة في «جنادرية 31»: رواد في الفكر ومصدر إلهام في العطاء

ضمت الاقتصادي أحمد محمد علي والمؤرخ والإعلامي عبد الرحمن الشبيلي والفنانة صفية بن زقر

أحد المحلات التراثية التي تستهوي كثيرًا من زوار المهرجان (تصوير: سعد العنزي) -  صفية بن زقر - د. أحمد محمد علي - د. عبد الرحمن الشبيلي
أحد المحلات التراثية التي تستهوي كثيرًا من زوار المهرجان (تصوير: سعد العنزي) - صفية بن زقر - د. أحمد محمد علي - د. عبد الرحمن الشبيلي
TT

ندوة الشخصيات المكرمة في «جنادرية 31»: رواد في الفكر ومصدر إلهام في العطاء

أحد المحلات التراثية التي تستهوي كثيرًا من زوار المهرجان (تصوير: سعد العنزي) -  صفية بن زقر - د. أحمد محمد علي - د. عبد الرحمن الشبيلي
أحد المحلات التراثية التي تستهوي كثيرًا من زوار المهرجان (تصوير: سعد العنزي) - صفية بن زقر - د. أحمد محمد علي - د. عبد الرحمن الشبيلي

ثلاث شخصيات رائدة في مجال العطاء الفكري والإنساني حصلت على تكريم خاص من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في انطلاق مهرجان الجنادرية 31 الأربعاء الماضي، بمنحها وسام الملك عبد العزيز، وهي: الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية سابقا، والأديب المؤرخ ورجل الإعلام الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، والفنانة صفية بن زقر.
وقد أقيمت مساء أول من أمس ندوة فكرية في مهرجان الجنادرية تناولت سيرة الإعلام الثلاثة، التي جمع بينها الريادة في العمل الثقافي والإنساني ومشاركتها جميعا في إنشاء وتطوير الموارد الفكرية للمجتمع، وكانوا مصدر إلهام لكثير من الناس.
شارك في الندوة التي أدارها رئيس النادي الأدبي بالرياض الدكتور عبد الله الحيدري، كل من: الدكتور عبد الله بن صادق دحلان والدكتور محمد الرصيص والدكتور إبراهيم التركي.
أحمد محمد علي
في البدء تحدث الدكتور عبد الله بن صادق دحلان عضو مجلس الشورى السابق عن سيرة الدكتور أحمد محمد علي، الذي ولد في المدينة المنوَرة بالسعودية سنة 1352هـ ـ 1934م، وتلقَى تعليمه الأساسي فيها، ثم التحق بجامعة القاهرة وحصل على بكالوريوس التجارة سنة 1376هـ ـ 1957م، وليسانس الحقوق سنة 1378هـ ـ 1959م. وسافر للدراسات العليا في الولايات المتحدة الأميركية، حيث حصل على ماجستير الإدارة العامة من جامعة ميتشيغان في آن آربر سنة 1381هـ ـ 1962م، والدكتوراه في الإدارة المالية من جامعة ولاية نيويورك سنة 1387هـ ـ 1967م.
بدأ الدكتور أحمد محمد علي حياته العملية في حقل التعليم وتنمية القوى البشرية بوزارة المعارف، ثم أصبح مديرًا للمعهد الإسلامي العلمي في عدن.
وعُيِن، سنة 1387هـ – 1392هـ (1967 – 1972م)، رئيسًا بالنيابة لجامعة الملك عبد العزيز في جدة، وأصبح وكيلاً لوزارة المعارف للشؤون الفنية من سنة 1392هـ ـ 1972م إلى سنة 1395هـ ـ 1975م.
وعندما قرَرت الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إنشاء البنك الإسلامي للتنمية، بمبادرة من الملك فيصل بن عبد العزيز، اختير الدكتور أحمد محمد علي أول رئيس له في سنة 1395هـ ـ 1975م واستمر في عمله في خدمة البنك وتطوير أنظمته 42 عاما.
وحقق البنك في عهده الكثير من أهدافه المتمثلة في تطوير العمل البنكي الإسلامي وفقًا لأحكام الشريعة، وتعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي للدول الأعضاء والأمة الإسلامية بشكل عام، وشارك الدكتور أحمد علي بانتظام في الحياة العلمية والثقافية في المملكة وخارجها من خلال الكثير من المحاضرات والمقالات وأوراق العمل التي يقدِمها حول الاقتصاد الإسلامي، والعمل البنكي الإسلامي، والتعليم. وهو عضو في مجلس إدارة الصندوق السعودي للتنمية، وفي مجالس التعليم العالي في عدّة جامعات سعودية.
عبد الرحمن الشبيلي
واستعرض الإعلامي الدكتور إبراهيم التركي في ورقة بعنوان: عبد الرحمن الشبيلي: ريادة الإعلام وشموخ الأعلام، سيرة الدكتور الشبيلي وبين أن الدكتور الشبيلي ولد في عنيزة سنة 1944. وهو يتقن الإنجليزية والفرنسية، وأسهم في تأسيس إذاعة الرياض وتلفزيون الرياض، كما قدم الكثير من البرامج، وله الكثير من المقالات والكتب المنشورة.
ويحمل الشبيلي شهادة الدكتوراه في الإعلام من جامعة أوهايو سنة 1971. وتقلد الكثير من المناصب الحكومية، حيث عمل مديرًا عامًا للتلفزيون ثم وكيلاً لوزارة التعليم العالي فعضوًا في مجلس الشورى، ويعتبر من أعمدة الإعلام في المملكة، فهو أول سعودي يحصل على شهادة الدكتوراه في الإعلام، وله نحو أربعين مؤلفًا في الإعلام والأعلام.
عن السمات الشخصية الشبيلي، قال التركي: من يعرف الدكتور عبد الرحمن الصالح العبد الله الشبيلي المولود قبل سبعة عقود ونصف يدرك أن الفتى الصغير كما العلم الكبير لم يتبدل فيه شيءٌ من هدوئه وتسامحه ولطفه وإيثاره وحبه للآخرين وحرصه على بذل المعروف وإنكار الذات والنأي عن رد الإساءة والإعراض عمن كاد له أو وقف في دربه.
يضيف: جادٌ حدَ الصرامة وهادئٌ حتى الصمت؛ يحكي – وهو الإذاعي الجهير - فلا يكاد يبين؛ لا يعلو صوته على أحد ولا يقاطع أحدًا ويمرر ما يقينه أنه غير دقيق كي لا يجرح شعور سواه، وربما تحدث الجالسون في تخصصه فشرقوا وغربوا وبقي هو في صمته الجميل متابعًا، مبتسمًا؛ فإن أتيحت له سانحة أفضى بما لديه إضافة وإضاءة وتصحيحًا ملهمًا سواه درسًا من دروس اللباقة واللياقة.
ويروي التركي هذه القصة: حين عزمت جريدة «الجزيرة» على إصدار ملف تكريمي حوله قبل أكثر من عشرة أعوام ضمن ملفات الجزيرة الثقافية يتضمن شهاداتٍ حوله وقراءة لأعماله فعرف الدكتور عبد الرحمن واتصل بها وطلب عدم إصداره بإصرار غريب، وحينما أحس أن الاستجابة لن تتم حضر إلى منزل التركي كي يؤكد عليه بصورة حازمة أن يصرف النظر عن هذا الملف.
يضيف: والمفارقة المقابلة هنا إغراقه في الاحتفاء بغيره كتابة وتكريمًا واستعادة ومراجعة وحثًا لهم على تسجيل سيرهم، بل وتصديًا لكتابتها بنفسه.
وبالإضافة لنحو خمسين مؤلفا الشبيلي له في المطابع، أربعة كتب تتضمن إشرافه وتعليقه ومراجعته لثلاثة كتب لعلامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر عن تاريخ الملك عبد العزيز في ستمائة صفحة، ومن أحاديث السير والتراجم في ألف صفحة من جزأين، إضافة إلى كتاب في الرثاء وسير المرثيين في ثلاثمائة صفحة، والجزء الثاني من كتابه «أعلام بلا إعلام» في خمسمائة صفحة.
صفية بن زقر
أما الناقد والفنان التشكيلي الدكتور محمد الرصيص فتحدث عن سيرة الفنانة صفية بنت سعيد بن زقر، التي ولدت بحارة الشام في مدينة جدة القديمة عام 1940، واشتهرت بتوثيقها في رسوماتها للفلكلور والمظاهر الاجتماعية والثقافية والمعمارية لمدينة جدة ومنطقة الحجاز.
قال الرصيص إن الاحتفاء بسيرة الرائدة صفية بن زقر هو احتفاء بحصول مجال «الفن التشكيلي» على أعلى تكريم له، وأعلى اعتراف به في تاريخ المملكة العربية السعودية، وذلك بمنح صفية «وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى». حيث أبهج التكريم عموم المثقفين والفنانين والفنانات، راجين في الوقت ذاته أن يكون هذا التكريم حدثا مفصليا مهما في مسيرة الفنون البصرية بصفة عامة في المملكة.
وأضاف الرصيص: تتسم شخصية الفنانة صفية بالهدوء في التفكير والكلام، والتواضع الجم في علاقاتها العامة، وتمنح الراحة النفسية لمحدثها، ولا تهمل التفاصيل المهمة، وتضع النقاط على الحروف في معظم أمور حياتها اليومية. هي شخصية كريمة مع الفن وتصرف عليه ما يحتاجه من تجهيزات وإعداد لائق لتكون هي راضية عنه في قيمته الفنية، وليكون هو في عرض راق يسر الناظرين. هي أيضًا شخصية عاشقة للتراث المحلي وباحثة فيه بصفة عامة، وما يخص المرأة بصفة خاصة في العادات والتقاليد، والملبوسات، والحلي. وفوق هذا هي شخصية تربوية في توجيهاتها وفعالياتها الثقافية والتعليمية للنساء والأطفال وفق البرامج المعدة لذلك تحت ناظريها وإشرافها المباشر.
وتناول ثلاث محطات في حياة صفية بن زقر:
المحطة الأولى: في مدينة جدة «أم الرخا والشدة»، وفي حارة الشام حيث أبصرت صفية نور الحياة عام 1940م. وفيها نمت وترعرعت، ومنها غادرت وهي في السابعة من عمرها إلى عوالم أخرى للإقامة المؤقتة، والدراسة، وزيارة متاحف وصالات الفنون. وإلى جدة عادت صفية عام 1967م، محملة بالمعارف وطموح الشباب، ومنها انطلقت في حياتها الفنية وواصلت تطورها حتى يومنا هذا.
المحطة الثانية: في مدينة القاهرة، عاصمة الفنون والثقافة العربية الحديثة، حيث أنهت مراحل التعليم العام والشهادة الثانوية الفنية عام 1960م. ومنها غادرت إلى بريطانيا، ثم إلى جدة، ثم تعود مرة أخرى للقاهرة أواخر عام 1965م، لتلقي دروس خاصة في الرسم والتصوير التشكيلي.
وفي مدينة لندن، مدينة المتاحف الفنية، والمكتبات الثرية، والسياحة الثقافية، كانت المحطة الثالثة في حياة صفية حيث أمضت ثلاث سنوات في مدرسة للطالبات تؤكد على الدراسات الثقافية، وتعدهن للنشاطات الاجتماعية بصفة خاصة. وبعد الدروس الفنية الخاصة بالقاهرة، تعود مرة أخرى إلى لندن وتلتحق بكلية «سانت مارتن» لمدة عامين حصلت بعدها على شهادة في فنون الرسم والحفر.
ويقسم الرصيص حياة صفية بن زقر الفنية إلى ثلاث مراحل، حيث انعكست مشاهد، وأحداث، ونتائج هذه المحطات في حياة صفية على نمو وتطور أعمالها الفنية التي تجمع في عمومها بين المدرسة الانطباعية (Impressionism)، والمدرسة الواقعية الاجتماعية (Social Realism)، ومر ذلك بثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: تشمل الأعمال التي تم إنتاجها أثناء الدراسة في القاهرة ولندن وما بعد ذلك حتى عام 1980م، وتظهر فيها المؤثرات البيئية والثقافية للمكان والزمان سواء كان ذلك مستلهمًا في المواضيع المعبر عنها، أو الأسلوب الفني لبعض الفنانين الانطباعيين، مثل الأسلوب البنائي الهندسي لسيزان، أو في ضربات الفرشاة وكثافة اللون كما عند فان جوخ، أو التكوين بمساحات كبيرة كما عند بول جوجان.
- المرحلة الثانية: تشمل الأعمال التي تم إنتاجها استمرارًا للمرحلة الأولى وحتى عام 1990م، ويظهر فيها الأسلوب الفني لصفية الساعي للتخلص من المؤثرات السابقة ومحاولة الوصول إلى صياغات خاصة بها تتوافق مع طبيعة مكونات البيئة المحلية المعبر عنها بروح تائقة لتسجيل وحفظ التراث الذي يواجه تحديا كبيرا مع موجة التحديث والنهضة الشاملة في المملكة.
- المرحلة الثالثة: تشمل الأعمال التي تم إنتاجها تأكيدًا وتطويرًا لما قبلها وحتى الآن. وتستمر هذه المرحلة مع صفية بأسلوب واقعي تسجيلي للحياة التقليدية في المملكة بعاداتها، وتقاليدها، وعمارتها، مستندة في ذلك على المعايشة، والنقل من الصور الضوئية، والمقابلات الشخصية، والمراجع التراثية والتاريخية المختلفة.
وقال: هنا نود أن نحتفي بإصرار الفنانة صفية وصمودها بأسلوبها الفني الواقعي التسجيلي أمام الكم الهائل من المدارس والمذاهب الفنية التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين. وبدلاً من الانجراف مع تلك المدارس والتنقل فيما بينها هنا وهناك، عملت على أسلوب خاص بها، وعن طريقه حفظت لنا الكثير من مظاهر التراث وتسجيله ليبقى مرجعًا للأجيال القادمة. وهذا الثبات الفني يؤكد أمرين مهمين: الأول اهتمام صفية بالتراث والبحث فيه وتوظيف ثقافتها الفنية لحفظه وتسجيله. الثاني هو انتماؤها الفكري إلى مدرسة الفن للمجتمع «Art for the Society Sake»، وعدم تأثرها بمدرسة الفن للفن «Art for the Art Sake».
وَفِي حديثه عن إنجازات صفية بن زقر، قال الرصيص: في تتبع السيرة الذاتية لصفية أجد أن حياتها حافلة بالإنجازات الفنية، والثقافية، والتراثية، والاجتماعية، والتعليمية، وما يتفرع من تلك المجالات من أنشطة وفعاليات متنوعة. في مقدمة هذه الإنجازات إنتاجها الفني الذي يصل إلى الخمسمائة من الأعمال الفنية ذات التنوع في الأفكار، والمواضيع، وأدوات وخامات التنفيذ، والمقاسات. ويتضمن هذا المنجز المحافظة على سلامة تلك الأعمال منذ البداية في المعرض الأول عام 1968م وحتى الآن. كما يتضمن إقامة أكثر من عشرين معرضًا شخصيًا، والمشاركة في معارض كثيرة ثنائية، أو جماعية داخل المملكة وخارجها، وهو ما يحتاج إلى مجهود مضاعف في التغليف والشحن والتأمين على الأعمال. وفي معظم الأحوال يكون الجانب الثقافي مصاحبًا لإقامة المعارض وخاصة الشخصية منها عن طريق طباعة الكتيبات، والنشرات، وصور الأعمال، وتنظيم الندوات للحوار والمناقشة مع الجمهور حول الأعمال المعروضة، إضافة إلى كون إقامة المعارض وتنظيمها وإخراجها على الوجه المطلوب هو فن قائم بذاته اعتادت صفية القيام به والإشراف عليه في معارضها الخاصة والشخصية.
ويحتل المجال الثقافي أهمية كبيرة في حياة فنانتنا الرائدة صفية، ولنا أن نحتفي بأمور وفعاليات عدة قامت بها مواكبة لحياتها الفنية، ومن ذلك: نشر سلسلة من المقالات الفنية في الصحف المحلية في فترة مبكرة. وإعداد وتقديم عدد من المحاضرات داخل وخارج المملكة. والإسهام في إعداد ونشر كتاب «المملكة العربية السعودية – رؤية فنان للماضي»، باللغتين الإنجليزية والفرنسية، عام 1979م.
وأضاف: يأتي الإنجاز الكبير الذي يتوج حياة الفنانة صفية ويحقق حلمًا طال انتظاره لديها، ألا وهو إنشاء دارة تحمل اسمها بجدة، وقد تم تصميم الدارة على أسس معمارية متحفية بهدف المحافظة على الأعمال الفنية لصفية وعرضها بصفة دائمة للجمهور، إضافة إلى عرض أكثر من ثلاثمائة قطعة من المقتنيات التراثية من ملبوسات، وحلي، وأثاث. ويمكن تصنيف الدارة على أنها متحف من متاحف الفن الفردية، الصغيرة في مساحتها، والكبيرة في أهدافها وطموحها. كما يمكن القول: إن الدارة حققت السبق الأول في أنها «متحف للفن التشكيلي» بمفهومه الحديث في المملكة، لأنه لا يوجد متحف مماثل حتى الآن، باستثناء متاحف الآثار والتراث الشعبي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».