ثلاث شخصيات رائدة في مجال العطاء الفكري والإنساني حصلت على تكريم خاص من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في انطلاق مهرجان الجنادرية 31 الأربعاء الماضي، بمنحها وسام الملك عبد العزيز، وهي: الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية سابقا، والأديب المؤرخ ورجل الإعلام الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، والفنانة صفية بن زقر.
وقد أقيمت مساء أول من أمس ندوة فكرية في مهرجان الجنادرية تناولت سيرة الإعلام الثلاثة، التي جمع بينها الريادة في العمل الثقافي والإنساني ومشاركتها جميعا في إنشاء وتطوير الموارد الفكرية للمجتمع، وكانوا مصدر إلهام لكثير من الناس.
شارك في الندوة التي أدارها رئيس النادي الأدبي بالرياض الدكتور عبد الله الحيدري، كل من: الدكتور عبد الله بن صادق دحلان والدكتور محمد الرصيص والدكتور إبراهيم التركي.
أحمد محمد علي
في البدء تحدث الدكتور عبد الله بن صادق دحلان عضو مجلس الشورى السابق عن سيرة الدكتور أحمد محمد علي، الذي ولد في المدينة المنوَرة بالسعودية سنة 1352هـ ـ 1934م، وتلقَى تعليمه الأساسي فيها، ثم التحق بجامعة القاهرة وحصل على بكالوريوس التجارة سنة 1376هـ ـ 1957م، وليسانس الحقوق سنة 1378هـ ـ 1959م. وسافر للدراسات العليا في الولايات المتحدة الأميركية، حيث حصل على ماجستير الإدارة العامة من جامعة ميتشيغان في آن آربر سنة 1381هـ ـ 1962م، والدكتوراه في الإدارة المالية من جامعة ولاية نيويورك سنة 1387هـ ـ 1967م.
بدأ الدكتور أحمد محمد علي حياته العملية في حقل التعليم وتنمية القوى البشرية بوزارة المعارف، ثم أصبح مديرًا للمعهد الإسلامي العلمي في عدن.
وعُيِن، سنة 1387هـ – 1392هـ (1967 – 1972م)، رئيسًا بالنيابة لجامعة الملك عبد العزيز في جدة، وأصبح وكيلاً لوزارة المعارف للشؤون الفنية من سنة 1392هـ ـ 1972م إلى سنة 1395هـ ـ 1975م.
وعندما قرَرت الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إنشاء البنك الإسلامي للتنمية، بمبادرة من الملك فيصل بن عبد العزيز، اختير الدكتور أحمد محمد علي أول رئيس له في سنة 1395هـ ـ 1975م واستمر في عمله في خدمة البنك وتطوير أنظمته 42 عاما.
وحقق البنك في عهده الكثير من أهدافه المتمثلة في تطوير العمل البنكي الإسلامي وفقًا لأحكام الشريعة، وتعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي للدول الأعضاء والأمة الإسلامية بشكل عام، وشارك الدكتور أحمد علي بانتظام في الحياة العلمية والثقافية في المملكة وخارجها من خلال الكثير من المحاضرات والمقالات وأوراق العمل التي يقدِمها حول الاقتصاد الإسلامي، والعمل البنكي الإسلامي، والتعليم. وهو عضو في مجلس إدارة الصندوق السعودي للتنمية، وفي مجالس التعليم العالي في عدّة جامعات سعودية.
عبد الرحمن الشبيلي
واستعرض الإعلامي الدكتور إبراهيم التركي في ورقة بعنوان: عبد الرحمن الشبيلي: ريادة الإعلام وشموخ الأعلام، سيرة الدكتور الشبيلي وبين أن الدكتور الشبيلي ولد في عنيزة سنة 1944. وهو يتقن الإنجليزية والفرنسية، وأسهم في تأسيس إذاعة الرياض وتلفزيون الرياض، كما قدم الكثير من البرامج، وله الكثير من المقالات والكتب المنشورة.
ويحمل الشبيلي شهادة الدكتوراه في الإعلام من جامعة أوهايو سنة 1971. وتقلد الكثير من المناصب الحكومية، حيث عمل مديرًا عامًا للتلفزيون ثم وكيلاً لوزارة التعليم العالي فعضوًا في مجلس الشورى، ويعتبر من أعمدة الإعلام في المملكة، فهو أول سعودي يحصل على شهادة الدكتوراه في الإعلام، وله نحو أربعين مؤلفًا في الإعلام والأعلام.
عن السمات الشخصية الشبيلي، قال التركي: من يعرف الدكتور عبد الرحمن الصالح العبد الله الشبيلي المولود قبل سبعة عقود ونصف يدرك أن الفتى الصغير كما العلم الكبير لم يتبدل فيه شيءٌ من هدوئه وتسامحه ولطفه وإيثاره وحبه للآخرين وحرصه على بذل المعروف وإنكار الذات والنأي عن رد الإساءة والإعراض عمن كاد له أو وقف في دربه.
يضيف: جادٌ حدَ الصرامة وهادئٌ حتى الصمت؛ يحكي – وهو الإذاعي الجهير - فلا يكاد يبين؛ لا يعلو صوته على أحد ولا يقاطع أحدًا ويمرر ما يقينه أنه غير دقيق كي لا يجرح شعور سواه، وربما تحدث الجالسون في تخصصه فشرقوا وغربوا وبقي هو في صمته الجميل متابعًا، مبتسمًا؛ فإن أتيحت له سانحة أفضى بما لديه إضافة وإضاءة وتصحيحًا ملهمًا سواه درسًا من دروس اللباقة واللياقة.
ويروي التركي هذه القصة: حين عزمت جريدة «الجزيرة» على إصدار ملف تكريمي حوله قبل أكثر من عشرة أعوام ضمن ملفات الجزيرة الثقافية يتضمن شهاداتٍ حوله وقراءة لأعماله فعرف الدكتور عبد الرحمن واتصل بها وطلب عدم إصداره بإصرار غريب، وحينما أحس أن الاستجابة لن تتم حضر إلى منزل التركي كي يؤكد عليه بصورة حازمة أن يصرف النظر عن هذا الملف.
يضيف: والمفارقة المقابلة هنا إغراقه في الاحتفاء بغيره كتابة وتكريمًا واستعادة ومراجعة وحثًا لهم على تسجيل سيرهم، بل وتصديًا لكتابتها بنفسه.
وبالإضافة لنحو خمسين مؤلفا الشبيلي له في المطابع، أربعة كتب تتضمن إشرافه وتعليقه ومراجعته لثلاثة كتب لعلامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر عن تاريخ الملك عبد العزيز في ستمائة صفحة، ومن أحاديث السير والتراجم في ألف صفحة من جزأين، إضافة إلى كتاب في الرثاء وسير المرثيين في ثلاثمائة صفحة، والجزء الثاني من كتابه «أعلام بلا إعلام» في خمسمائة صفحة.
صفية بن زقر
أما الناقد والفنان التشكيلي الدكتور محمد الرصيص فتحدث عن سيرة الفنانة صفية بنت سعيد بن زقر، التي ولدت بحارة الشام في مدينة جدة القديمة عام 1940، واشتهرت بتوثيقها في رسوماتها للفلكلور والمظاهر الاجتماعية والثقافية والمعمارية لمدينة جدة ومنطقة الحجاز.
قال الرصيص إن الاحتفاء بسيرة الرائدة صفية بن زقر هو احتفاء بحصول مجال «الفن التشكيلي» على أعلى تكريم له، وأعلى اعتراف به في تاريخ المملكة العربية السعودية، وذلك بمنح صفية «وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى». حيث أبهج التكريم عموم المثقفين والفنانين والفنانات، راجين في الوقت ذاته أن يكون هذا التكريم حدثا مفصليا مهما في مسيرة الفنون البصرية بصفة عامة في المملكة.
وأضاف الرصيص: تتسم شخصية الفنانة صفية بالهدوء في التفكير والكلام، والتواضع الجم في علاقاتها العامة، وتمنح الراحة النفسية لمحدثها، ولا تهمل التفاصيل المهمة، وتضع النقاط على الحروف في معظم أمور حياتها اليومية. هي شخصية كريمة مع الفن وتصرف عليه ما يحتاجه من تجهيزات وإعداد لائق لتكون هي راضية عنه في قيمته الفنية، وليكون هو في عرض راق يسر الناظرين. هي أيضًا شخصية عاشقة للتراث المحلي وباحثة فيه بصفة عامة، وما يخص المرأة بصفة خاصة في العادات والتقاليد، والملبوسات، والحلي. وفوق هذا هي شخصية تربوية في توجيهاتها وفعالياتها الثقافية والتعليمية للنساء والأطفال وفق البرامج المعدة لذلك تحت ناظريها وإشرافها المباشر.
وتناول ثلاث محطات في حياة صفية بن زقر:
المحطة الأولى: في مدينة جدة «أم الرخا والشدة»، وفي حارة الشام حيث أبصرت صفية نور الحياة عام 1940م. وفيها نمت وترعرعت، ومنها غادرت وهي في السابعة من عمرها إلى عوالم أخرى للإقامة المؤقتة، والدراسة، وزيارة متاحف وصالات الفنون. وإلى جدة عادت صفية عام 1967م، محملة بالمعارف وطموح الشباب، ومنها انطلقت في حياتها الفنية وواصلت تطورها حتى يومنا هذا.
المحطة الثانية: في مدينة القاهرة، عاصمة الفنون والثقافة العربية الحديثة، حيث أنهت مراحل التعليم العام والشهادة الثانوية الفنية عام 1960م. ومنها غادرت إلى بريطانيا، ثم إلى جدة، ثم تعود مرة أخرى للقاهرة أواخر عام 1965م، لتلقي دروس خاصة في الرسم والتصوير التشكيلي.
وفي مدينة لندن، مدينة المتاحف الفنية، والمكتبات الثرية، والسياحة الثقافية، كانت المحطة الثالثة في حياة صفية حيث أمضت ثلاث سنوات في مدرسة للطالبات تؤكد على الدراسات الثقافية، وتعدهن للنشاطات الاجتماعية بصفة خاصة. وبعد الدروس الفنية الخاصة بالقاهرة، تعود مرة أخرى إلى لندن وتلتحق بكلية «سانت مارتن» لمدة عامين حصلت بعدها على شهادة في فنون الرسم والحفر.
ويقسم الرصيص حياة صفية بن زقر الفنية إلى ثلاث مراحل، حيث انعكست مشاهد، وأحداث، ونتائج هذه المحطات في حياة صفية على نمو وتطور أعمالها الفنية التي تجمع في عمومها بين المدرسة الانطباعية (Impressionism)، والمدرسة الواقعية الاجتماعية (Social Realism)، ومر ذلك بثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: تشمل الأعمال التي تم إنتاجها أثناء الدراسة في القاهرة ولندن وما بعد ذلك حتى عام 1980م، وتظهر فيها المؤثرات البيئية والثقافية للمكان والزمان سواء كان ذلك مستلهمًا في المواضيع المعبر عنها، أو الأسلوب الفني لبعض الفنانين الانطباعيين، مثل الأسلوب البنائي الهندسي لسيزان، أو في ضربات الفرشاة وكثافة اللون كما عند فان جوخ، أو التكوين بمساحات كبيرة كما عند بول جوجان.
- المرحلة الثانية: تشمل الأعمال التي تم إنتاجها استمرارًا للمرحلة الأولى وحتى عام 1990م، ويظهر فيها الأسلوب الفني لصفية الساعي للتخلص من المؤثرات السابقة ومحاولة الوصول إلى صياغات خاصة بها تتوافق مع طبيعة مكونات البيئة المحلية المعبر عنها بروح تائقة لتسجيل وحفظ التراث الذي يواجه تحديا كبيرا مع موجة التحديث والنهضة الشاملة في المملكة.
- المرحلة الثالثة: تشمل الأعمال التي تم إنتاجها تأكيدًا وتطويرًا لما قبلها وحتى الآن. وتستمر هذه المرحلة مع صفية بأسلوب واقعي تسجيلي للحياة التقليدية في المملكة بعاداتها، وتقاليدها، وعمارتها، مستندة في ذلك على المعايشة، والنقل من الصور الضوئية، والمقابلات الشخصية، والمراجع التراثية والتاريخية المختلفة.
وقال: هنا نود أن نحتفي بإصرار الفنانة صفية وصمودها بأسلوبها الفني الواقعي التسجيلي أمام الكم الهائل من المدارس والمذاهب الفنية التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين. وبدلاً من الانجراف مع تلك المدارس والتنقل فيما بينها هنا وهناك، عملت على أسلوب خاص بها، وعن طريقه حفظت لنا الكثير من مظاهر التراث وتسجيله ليبقى مرجعًا للأجيال القادمة. وهذا الثبات الفني يؤكد أمرين مهمين: الأول اهتمام صفية بالتراث والبحث فيه وتوظيف ثقافتها الفنية لحفظه وتسجيله. الثاني هو انتماؤها الفكري إلى مدرسة الفن للمجتمع «Art for the Society Sake»، وعدم تأثرها بمدرسة الفن للفن «Art for the Art Sake».
وَفِي حديثه عن إنجازات صفية بن زقر، قال الرصيص: في تتبع السيرة الذاتية لصفية أجد أن حياتها حافلة بالإنجازات الفنية، والثقافية، والتراثية، والاجتماعية، والتعليمية، وما يتفرع من تلك المجالات من أنشطة وفعاليات متنوعة. في مقدمة هذه الإنجازات إنتاجها الفني الذي يصل إلى الخمسمائة من الأعمال الفنية ذات التنوع في الأفكار، والمواضيع، وأدوات وخامات التنفيذ، والمقاسات. ويتضمن هذا المنجز المحافظة على سلامة تلك الأعمال منذ البداية في المعرض الأول عام 1968م وحتى الآن. كما يتضمن إقامة أكثر من عشرين معرضًا شخصيًا، والمشاركة في معارض كثيرة ثنائية، أو جماعية داخل المملكة وخارجها، وهو ما يحتاج إلى مجهود مضاعف في التغليف والشحن والتأمين على الأعمال. وفي معظم الأحوال يكون الجانب الثقافي مصاحبًا لإقامة المعارض وخاصة الشخصية منها عن طريق طباعة الكتيبات، والنشرات، وصور الأعمال، وتنظيم الندوات للحوار والمناقشة مع الجمهور حول الأعمال المعروضة، إضافة إلى كون إقامة المعارض وتنظيمها وإخراجها على الوجه المطلوب هو فن قائم بذاته اعتادت صفية القيام به والإشراف عليه في معارضها الخاصة والشخصية.
ويحتل المجال الثقافي أهمية كبيرة في حياة فنانتنا الرائدة صفية، ولنا أن نحتفي بأمور وفعاليات عدة قامت بها مواكبة لحياتها الفنية، ومن ذلك: نشر سلسلة من المقالات الفنية في الصحف المحلية في فترة مبكرة. وإعداد وتقديم عدد من المحاضرات داخل وخارج المملكة. والإسهام في إعداد ونشر كتاب «المملكة العربية السعودية – رؤية فنان للماضي»، باللغتين الإنجليزية والفرنسية، عام 1979م.
وأضاف: يأتي الإنجاز الكبير الذي يتوج حياة الفنانة صفية ويحقق حلمًا طال انتظاره لديها، ألا وهو إنشاء دارة تحمل اسمها بجدة، وقد تم تصميم الدارة على أسس معمارية متحفية بهدف المحافظة على الأعمال الفنية لصفية وعرضها بصفة دائمة للجمهور، إضافة إلى عرض أكثر من ثلاثمائة قطعة من المقتنيات التراثية من ملبوسات، وحلي، وأثاث. ويمكن تصنيف الدارة على أنها متحف من متاحف الفن الفردية، الصغيرة في مساحتها، والكبيرة في أهدافها وطموحها. كما يمكن القول: إن الدارة حققت السبق الأول في أنها «متحف للفن التشكيلي» بمفهومه الحديث في المملكة، لأنه لا يوجد متحف مماثل حتى الآن، باستثناء متاحف الآثار والتراث الشعبي.
ندوة الشخصيات المكرمة في «جنادرية 31»: رواد في الفكر ومصدر إلهام في العطاء
ضمت الاقتصادي أحمد محمد علي والمؤرخ والإعلامي عبد الرحمن الشبيلي والفنانة صفية بن زقر
أحد المحلات التراثية التي تستهوي كثيرًا من زوار المهرجان (تصوير: سعد العنزي) - صفية بن زقر - د. أحمد محمد علي - د. عبد الرحمن الشبيلي
ندوة الشخصيات المكرمة في «جنادرية 31»: رواد في الفكر ومصدر إلهام في العطاء
أحد المحلات التراثية التي تستهوي كثيرًا من زوار المهرجان (تصوير: سعد العنزي) - صفية بن زقر - د. أحمد محمد علي - د. عبد الرحمن الشبيلي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

