روائيون سوريون: لا يمكن لأي عمل أن يعكس حياة ثورة كاملة

كتابات موضوعية... منحازة... متسرعة؟

الثورة السورية في بدايتها - غلاف «الروائي يقرع طبول الحرب»
الثورة السورية في بدايتها - غلاف «الروائي يقرع طبول الحرب»
TT

روائيون سوريون: لا يمكن لأي عمل أن يعكس حياة ثورة كاملة

الثورة السورية في بدايتها - غلاف «الروائي يقرع طبول الحرب»
الثورة السورية في بدايتها - غلاف «الروائي يقرع طبول الحرب»

قد تأتي الكتابة الإبداعية عن الأحداث الجسيمة متأخرة كثيرًا؛ فقد ينتهي الحدث بسنوات قبل أن يعبر الكاتب عن رأيه الروائي بما حدث، فلم تصدر أعمال روائية، إلا فيما ندر، أثناء أو بعد زمن قصير من الثورات العربية التي وقعت عبر العصور، سواء الداخلية منها مثل ثورة يوليو (تموز) في مصر أو الثورات ضد الاستعمار في أكثر من بلد عربي. أما اليوم، فإن روايات كثيرة صدرت وتصدر والحدث ما يزل طريًا. وساعد على ذلك ثورة أخرى هي ثورة الاتصالات، التي سهلت الوصول إلى الأحداث ونقلها للناس بشتى الوسائل. ولكن هل هذا يخدم العمل الروائي وجودته ومصداقيته، أم يفقده كل ذلك لعدم نضج الحدث والرؤية بعد، وأيضًا ربما غلبة الآيديولوجيا أو الميل السياسي مما قد يفقد العمل قراءته الحقيقية للواقع؟
أسئلة توجهت بها إلى عدد من الروائيين السوريين المنخرطين في الحراك السياسي:
تقول الروائية السورية ابتسام التريسي التي أصدرت عددًا من الروايات عن الثورة:
تجربتي في الكتابة عن الثّورة كانت استكمالا لمشروع روائي بدأته في «جبل السمّاق» حين تناولت الثورة ضدّ المستعمر الفرنسي واستمرّ المشروع في «عين الشّمس» التي تحدّثت فيها عن فترة الثّمانينات، وواكبت الثورة في عامها الأول برواية «مدن اليمام» ثمّ كتبت عن تاريخ الاستبداد للعائلة الحاكمة على لسان معتقل قتل تحت التّعذيب في رواية «لمار» وكانت ثالث رواية «لعنة الكادميوم» تتحدّث عن تحوّل الثورة إلى السّلاح ودخول «داعش» إلى الشّمال ورصدت فيها التّحولات التي حصلت في السّنة الرابعة للثورة.
أمّا عن الشّق الثّاني من السّؤال، فتقول ابتسام التريسي:
أعتقد أنّ الرّواية المواكبة للحدث تكون أكثر مصداقية من رواية ستكتب بعد زمن طويل، لأنّ الكثير من التّفاصيل قد تضيع أو تُنسى أو تهمل عن عمد لأنّ الرؤيا قد اكتملت في أذهان الكتّاب وصار بإمكانهم محاكمة ما جرى واللعب على عنصر التّشويق والتّجميل الرّوائي من خلال اختراع أشياء وحذف أشياء.
وتضيف التريسي:
إنّ الرواية والدراما وأي عمل فني لا يمكنه «الإحاطة» بكلّ التفاصيل والأحداث التي جرت خلال السّنوات السّت الماضية، وإنّ الثّورة السورية تحتاج إلى آلاف الأعمال الرّوائية والفنية لتفيها حقّها... ملايين من السّوريين تعرضوا للقتل والاعتقال والتّهجير والنّزوح الدّاخلي والجوع والحصار والاضطهاد فكيف يمكن للرواية أن تحكي قصة هؤلاء جميعًا! لا يمكنني اعتماد توصيف «الارتقاء» فالرواية ليست في منافسة مع الواقع الثوري بل هي انعكاس لذلك الواقع لكنّها لا تعكسه كما تفعل المرآة لأنّ من يقوم بذلك العمل يتدخل في الصّياغة والتّحليل وقد يتنبأ بما سيأتي.
وحول انحياز الروائي حسب انتماءاته تقول:
قد تلعب الآيديولوجيا دورًا مهمًا في الكتابات الواقعية وخاصة في الكتابة عن تاريخ الثورات... لكن الأعمال التي كتبت عن الثّورة السورية كانت في مجملها مخلصة للحدث أكثر من إخلاصها للفكرة، ربّما لأنّ معظم من كتب عن الثّورة عاش داخلها والبعض ما زال مقيمًا في سوريا مثل الروائي خالد خليفة.
الناقد والروائي عبد الرحمن حلاق يقول:
بداية لا يمكن لأي عمل روائي أن يعكس حياة ثورة كاملة، وأجد من الإجحاف أن نقول إن هذا العمل ارتقى إلى مستوى الحدث وذلك لم يرتق. فثورة كثورة الشعب السوري لن تكفيها آلاف الروايات، لقد أصبح كل مواطن سوري بحد ذاته بطلا لرواية مختلفة، لذلك أرى أنه كلما كثرت الكتابات كلما لملمنا شمل هذه الأحداث الجسيمة لنخرج في نهاية المطاف بتصنيف أدبي خاص بأدب الثورة السورية. وقد تم إنجاز الكثير من الأعمال الروائية المهمة وذات المستوى التقني العالي وكل منها يعكس جانبًا مهمًا من الجوانب المتعددة للثورة السورية. وإذا كانت بعض الروايات قد أخذت منحى تسجيليًا فإن روايات أخرى جاءت سردية تعنى بخطوط درامية وتلاحق الحدث ضمن رؤيا تخيلية وفكرية واضحة. ولا أدعي الاطلاع على عدد كبير من المنجز الروائي وحديثي يقتصر على مجموعة إصدارات تمكنت من الاطلاع عليها على وجه الخصوص؛ أذكر ما كتبته الروائية ابتسام تريسي، والروائي فخر الدين فياض، وأيضًا غسان جباعي، وسمر يزبك، ومها حسن، ومحمد دركوشي، وعبد الله مكسور.
وعن الانحياز حسب التوجهات السياسية لبعض الروائيين، وهل هل هذه الأعمال الروائية جاءت في وقتها المناسب أم كانت مبكرة، يجيب حلاق:
لعل من أهم منجزات الثورة السورية أنها أسقطت فيما أسقطته تلك التوجهات السياسية والأفكار الآيديولوجية التي تعاملت مع هذا الحدث العظيم بنوع من البلاهة وعدم القدرة على التقاط اللحظة التاريخية، وقد أظهر الآيديولوجيون (اليمين واليسار) قصورًا واضحًا في فهم الحدث والتعامل مع اللحظة الثورية فقد اختلفت المعطيات على الأرض عن تصوراتهم التي كونتها الكتب فأحدث ذلك خللا وارتباكًا في تصوراتهم (طبعًا مع استثناءات قليلة جدًا). تبدى ذلك على المستوى الثقافي بوجه عام، أما على الصعيد الروائي فقد نجا الروائيون من هذا المنزلق فالروائي الحقيقي لا يمكن أن يكون منحازًا لتوجه سياسي معين وإلا أصبح مجرد بوق.
أما عن الشق الثاني من السؤال، فيقول:
لا أعتقد أن للرواية وقتًا محددًا تأتي فيه؛ فالروائي يعيش الحدث ويتفاعل معه ثم تأتي همته الخاصة في الكتابة. وأعتقد أن معظم الروايات حاولت أن تواكب الحدث بشكل معقول جدًا، ويبقى المدى مفتوحًا بشكل واسع على كتابات قادمة. إلا أن الثابت دائمًا في مثل هذه الأحوال أن تكون هناك مسافة بين الزمن الحقيقي والزمن الكتابي كي يكون الكاتب أكثر موضوعية وإلمامًا بخفايا الموضوع المتناول.
أما الروائي السوري المقيم في بريطانيا هيثم حسين فيقول:
لم أخض تجربة الكتابة الروائيّة عن الواقع السوري بعد انطلاق الثورة وما تبعها من تداعيات مفجعة، ودخول نفق الحرب التي أعلنها النظام على الشعب، لكنّني حاولت مقاربة واقع الحرب في السنة الأولى من الثورة في كتابي «الروائي يقرع طبول الحرب» حين كنت في ريف دمشق، وكانت الاشتباكات تستعر في المناطق القريبة منّي، وكان النظام قد بدأ مرحلة الانتقام وإحراق البلد بشكل فعليّ. درست في هذا الكتاب تجارب عدد من الروائيين الذين خاضوا غمار الكتابة عن الحروب، أو عانوا من ويلاتها بطريقة ما، أو دوّن بعضهم جانبًا من تجربته في الحرب، وكيف أنّهم لعنوا الحروب ومفتعليها وجاهدوا لإيصال أصواتهم المندّدة بها إلى الآخرين، عساهم يستطيعون لفت الانتباه إلى جزء من الكوارث التي تستطيل وتتكاثر على هوامشها، لكن للأسف لا يكون هناك اعتبار، لا من تجارب الآخرين، ولا من حروبهم، وكأنّ على كلّ شعب أن يعيش حروبه وكوارثه عساه يستقي منها العبر تاليًا، وذلك بعد أن يكون أوان الاعتبار قد فات وطال التدمير كلّ مناحي الحياة، ولغّم المستقبل أيضًا. كتبت في روايتي «إبرة الرعب» عن الفساد الإجرامي الذي كان قد تفشّى، وعن المساعي المتراكمة الدؤوبة لتلويث القيم الإنسانيّة في المجتمع السوري، وقلبه على تاريخه وأخلاقياته وتعميم آليات الانتقام بين أبنائه. وأحاول في روايتي الجديدة التي ستصدر في الفترة القريبة المقبلة مقاربة جانب من التشريد السوري والشتات الذي أصبح صورة عالميّة حاضرة بشكل يوميّ، وكأنّ موتنا اليومي لم يعد مثار اهتمام عالم يدّعي التحضّر والمدنيّة. لا يخفى أنّ الحدث السوري كبير لدرجة تستحيل الإحاطة به من مختلف جوانبه، ويبقى أي عمل يحاول مقاربة جانب منه محكومًا بالنسبيّة والاقتصار على زوايا بعينها، هناك أعمال صدرت اتّسمت بالنضج، حاولت التقيّد بفترة زمنيّة بعينها من عمر الثورة، مع الحفر في التاريخ السوري الحديث، وهناك أعمال أخرى أقلّ نضجًا صدرت في بدايات الثورة وتراكمت بعدها لكنّها ظلّت محكومة بالانفعال والحماسة أكثر من النضج والعمق. أمّا بالنسبة لوقت الكتابة أو إصدار الأعمال، فأعتقد أنّ الوقت دائمًا مناسب للكتابة والنشر، لأنّ الحياة تمضي وتغرقنا كلّ يوم بتفاصيل جديدة، ومع تراكم الأحداث والمواقف يكون انتظار اكتمال الأحداث للكتابة عنها نوعًا من انتظار عدم لا يتحقّق، لأنّ الأحداث ستظلّ متجدّدة متناسلة بطريقة رهيبة، ولا سيما في واقع الحرب وما بعده، حيث سنشهد حروبًا متناثرة وجبهات تشتعل هنا وهناك بين الفترة والأخرى، لذلك فإنّ تمثيل انتظار مجهول يظلّ مثار تخمين يكون نوعًا من عبث حياتي وأدبي لحلم لا غير. ينبغي أن يكتب الروائيّون أعمالهم، ليكتشفوا بعد ذلك ثغرات معينة فيها ويحاولوا تداركها في أعمال لاحقة، وهكذا دواليك تتجدّد الكتابة بتجدّد الحياة نفسها، ويبقى الزمن شاهدًا ومغربلا».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.