تواقيع الكتب... ارتقاء بالعلاقة بين الكاتب والقارئ أم ترويج للرداءة؟

صارت جزءًا من المشهد الثقافي في كثير من المدن العربية المهمة

تواقيع الكتب... ارتقاء بالعلاقة بين الكاتب والقارئ أم ترويج للرداءة؟
TT

تواقيع الكتب... ارتقاء بالعلاقة بين الكاتب والقارئ أم ترويج للرداءة؟

تواقيع الكتب... ارتقاء بالعلاقة بين الكاتب والقارئ أم ترويج للرداءة؟

لم تكتفِ الكتب المطبوعة بوعودها الساحرة لنا بالسفر في عالم الأفكار، بل اقتحمت نقطة التلاقي بين المادة والزمن، فأصبحت النسخ الموقعة من مؤلفيها بمثابة سحر فوق السحر، وقيمة فوق القيمة.
ولا شك أن فضاءاتنا أيضًا قد أصيبت بهذه الحمى الجميلة، فلا يكاد يمضي أسبوع في أي عاصمة عربيّة دون حفل توقيع هنا أو هناك.
هذه الحمى العجائبية بهوس الكتب الموقعة شكلت ظاهرة في المشهد الثقافي الغربي حتى أصبحت المزادات العلنية التي تبيع هذه الكتب تغطى وتتصدر عناوين كثير من الصحف الغربية.
وقد أثار أخيرًا مزاد علني ضخم أجري بالعاصمة الآيرلنديّة دبلن اهتمام قطاعات واسعة من المنتجين والمستهلكين للكتب المطبوعة في العالم، إذ بيعت فيه نسخ طبعات أولى وصلت أكثر من 500 كتاب جميعها موقعة بحبر مؤلفيها. المجموعة كلها كانت من مقتنيات هاو واحد، قالت الصحف إنه اتبع أسلوبًا خاصًا للحصول على توقيعات المؤلفين الذين غدا بعضهم مشهورًا، كغابرييل غارسيا ماركيز وكورماك ماكارثي وغيرهم؛ كان الرجل يرسل رسائل في غاية اللياقة طالبًا من المؤلف توقيع نسخة من كتابه، ثم يرسل إليه النسخة بالبريد مرفقة بمغلف معنون مدفوع القيمة مسبقًا لإعادتها بعد توقيعها دون أن يتحمل الكاتب أية مصاريف. ويبدو أن هذا الأسلوب الشديد اللطف كان مقنعًا لكثير من الكتاب لأن يضعوا تواقيعهم على تلك النسخ التي تحولت بفعل مرور الزمن إلى ثروة ماديّة مجزية لمقتني المجموعة، بل فتحت أحيانا بوابة صداقات دائمة مع بعض هؤلاء المؤلفين.
كان الفنانون حتمًا قد سبقوا الكتاب إلى توقيع أعمالهم، والاعتداد بها، وما لبثت الكتب المخطوطة أن أصبحت بدورها موضوعًا للإهداء والتفاخر، لكن لا يعرف بالتحديد متى ابتدع البشر فكرة إقامة حفلات الطقس الاجتماعي لحفل توقيع الكتب لأول مرّة. المؤكد أن إهداء نسخ الكتب الموقعة حدث حتمًا بعد اختراع الطباعة في ألمانيا نحو عام 1440، لا سيما أن الكتب في بداياتها تلك كانت شيئًا ثمينًا نادرًا يحتفى به.
وتسجل المراجع التاريخيّة أنه في بداية القرن السابع عشر، قام الشاعر الإنجليزي بين جونسون بجمع قصائده في كتاب سماه «أعمالي» (تحديًا للمناخ المعادي للشعر في حينه الذي كان يعتبره ترفًا لا داعي له)، ووقع منه عدة نسخ منحت كإهداءات، وصلنا بعضها اليوم كإشارة أكيدة على وجود تلك الظاهرة أقله منذ 400 عام تقريبًا.
لا شك أن العلاقة بين الكاتب والقارئ تأخذ شكلها الأكثر اكتمالاً من خلال عمليّة القراءة ذاتها دون توقع وجود علاقة شخصيّة بينهما، بل إن بعض مدارس الفلسفة الحديثة تحدثت عن موت المؤلف؛ بمعنى انتفاء مطلق الحاجة إلى الكاتب كشخص، واقتصار العلاقة مع القارئ على النص ذاته الذي يكتسب حياة خاصة به بعد أن يكتب، يمتلكه القارئ ويفسره بحسب قدرته المعرفيّة وخبرته الثقافيّة. لكن أجيالاً من القراء الأوفياء وجدت عبر الأيام أن تجربة امتلاك نسخة شخصيّة موقعة من المؤلف تعطي شعورًا سايكولوجيّا خاصًا، كنوع من تحدي سلطة الزمن من خلال تخليد لحظة كرّسها صاحب النص من عمره الفاني المحدود لوضع توقيعه (وربما مع إهداء شخصي منه) على نسخة خاصة. هذا الشعور لم يكن يومًا حكرًا على صاحب النسخة وحده، إذ إن مرور الأيام كان كفيلاً بإعطاء قيمة ماديّة ومعنويّة متزايدة لتلك النسخ، وأصبح بعضها مصدر ثراء مادي تتداوله بيوت المزادات العالميّة وكأنه عمل فني ثمين.
بعض الكتاب وجدوا في موضوع التوقيع هذا تسخيفًا لنصوصهم، وطقسًا اجتماعيًا مبتذلاً، فلم يعثر على أي نسخة موقعة من أعمال الروائية الإنجليزيّة المعروفة جين أوستن، وحتى النسخة الفخمة المهداة إلى القصر الملكي (لا تزال في مكتبة قصر وندسور) لإحدى روايتها لم تكن موقعة، وأرسلت أصلاً من الناشر، لا المؤلفة. على أن أغلب الكتاب اندمجوا في اللعبة حتى أن النسخ التي وصلتنا من الطبعة الأولى لرواية تشارلز ديكنز الثانية (نيكولاس نيكيلبي) التي صدرت عام ١٨٣٩، حملت على الغلاف رسمًا للمؤلف الفخور وتحته توقيعه. هناك في التداول اليوم بين أوساط جامعي الكتب العتيقة نسخ كثيرة موقعة من ديكنز الذي كثيرًا ما كتب إهداءات بأسماء الأشخاص مع توقيعه.
في بريطانيا بداية القرن العشرين، تحولت مسألة توقيع الكتب، وإهداء النسخ الموقعة إلى الأحبة والأصدقاء، إلى معلم أساسي من معالم الحياة الثقافيّة المزدهرة خلال فترة حكم الملك إدوارد التي استمرت من ١٩٠١ حتى ١٩١٠، حيث منحت التحولات في المناخ السياسي المستجدة - بعد انتهاء المرحلة الفيكتورية المتزمتة - مساحة واسعة للكتاب والأدباء المثقفين، فلمعت كثير من الشخصيات الأدبية: تشيسترتون وجوزيف كونراد وكينيث غراهام وروديارد كبلنغ وجورج بيرنارد شو، وغيرهم ممن تحولوا إلى نجوم مجتمع، وكانوا في أدوارهم الاجتماعية هذه يضطرون إلى توقيع نسخ كثيرة من كتبهم كمجاملات للأصدقاء، لكن كثيرًا من القراء خارج دائرة المعارف الشخصيين للكاتب كانوا يرغبون بشدة في الحصول على نسخ موقعة من مؤلفيها، فكانت تلك فرصة لبعض الكتاب النابهين لجمع بعض الأموال الإضافية من خلال فكرة المحاضرات العامة المدفوعة التي كانت تتبعها توقيعات كتب غير منظمة تحت طلب جمهور الحاضرين. لكن فكرة جلوس الكاتب إلى طاولة في مكتبة وأمامه نسخ من كتابه لتوقيعها مسألة حديثة لا ترد في أية مراجع ذات قيمة قبل الحرب العالميّة الثانية، بينما اختلف الحال تمامًا في الخمسيناتـ وتسابقت حتى المحلات التجاريّة الكبرى، مثل سيلفرجيز وهارودز في لندن، على استضافه حفلات التوقيع.
وقد التقط الناشرون - بحسهم التجاري المحض - الفرصة الكامنة في النسخ الموقعة بحبر مؤلفيها، بوصفها وسيلة تسويقيّة تكاد لا تقاوم من قبل القراء، فمن ذا الذي لا يرغب في أن تكون نسخته من «مائة عام من العزلة» موقعة بقلم ماركيز شخصيًا؟ أو أن تكون نسخته من «عالم جديد شجاع» موقعة بقلم ألدوس هكسلي نفسه؟
وهكذا، تحولت المسألة من مجرد تجمع مجموعة غير قليلة لنساء المجتمع المخملي الطاعنات في السن اللواتي يتحلقن حول كاتب حريص على بناء مكانته الاجتماعية، إلى مناسبات تسويقيّة منظمة وطبعات خاصة ورحلات للمؤلفين إلى دور الكتب عبر القارات، بل يقوم ناشر هاري بوتر أيضًا بإضافة ملصق خاص على النسخ الموقعة من روايات الكاتبة النجمة جيه كيه رولينغ لمواجهة التزوير الذي انتشر على نطاق واسع في بداية مرحلة اشتهار الأجزاء الأولى من سلسلة الكتب الأكثر مبيعًا في التاريخ. كما أصبحت معارض الكتب السنويّة التي تقام في مختلف العواصم أشبه ما تكون بموسم توقيعات مكثف، يمكنك فيه فعليًّا أن تشتري عشرات النسخ من الكتب الممهورة بتوقيع مؤلفيها.
وبعد وصول فكرة الكتاب المطبوع من الغرب إلينا، كان لا بد لعدوى انتشار توقيع الكتب أيضًا أن تستفحل حتى صارت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الثقافي في كثير من العواصم العربيّة المهمة، لا سيما على هامش معارض الكتب.
الاحتفاء بالكتب والكتاب - في عمومه - ظاهرة حضاريّة بالطبع، ولا شك أن فكرة مقابلة روائي معروف أو مفكر أو شاعر مشهور في أجواء اجتماعية بهيجة، والحصول منه على نسخة موقعة بحروفه، تبدو دائمًا كنقيض شديد الإيجابيّة لرتابة العيش (أو قتامته في أجزاء كثيرة من العالم العربي)، إلا أن المعنى الأساسي السامي وراء فكرة حفل توقيع الكتب اختطف من قبل بعض التجار - الناشرين، فحولوه إلى فخ اجتماعي يتم من خلاله إطلاق الرداءة وانعدام المعايير الإبداعية في فضاء الثقافة العربيّة، يخصبه غياب شبه تام للنقد الأدبي عن الساحة. فتلك حسناء - لا تحسن إلا الشكل الحسن - تطلق ديوانها (الشعري) مكتسبة شرعيّة مزيفة كشاعرة مجلّية، بينما نصوصها أقرب إلى ضجيج الأسواق، وذلك روائي - لم يقرأ ديستوفسكي ولم يسمع ببلزاك دع عنك الأدب الحديث - يوقع جذلاً لرفاقه ثرثرة أشبه بحديث عابر يسميها رواية مطالبًا بإدراج اسمه على لوائح المرشحين لجوائز الروايات العربية اعتبارًا من هذا الموسم، وكل ذلك في أجواء من الشللية و«التضامن السياسي» أو الطائفي أحيانًا، وغير ذلك كثير من الظواهر السلبيّة التي بدأت تدفع الجمهور لإعادة النظر في كل موضوع القراءة برمته!



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي