اليسار في أميركا اللاتينية إلى أين؟

وفاة كاسترو وصعود ترامب وتصادم سياسات إعادة التوزيع بالواقع

ثمانية مرشحين يتنافسون على منصب الرئيس في الإكوادور، منهم سينثيا فيتيري من الحزب الاجتماعي المسيحي وهي تملك خبرة سياسية واسعة في الكونغرس الوطني. (ا.ف.ب)
ثمانية مرشحين يتنافسون على منصب الرئيس في الإكوادور، منهم سينثيا فيتيري من الحزب الاجتماعي المسيحي وهي تملك خبرة سياسية واسعة في الكونغرس الوطني. (ا.ف.ب)
TT

اليسار في أميركا اللاتينية إلى أين؟

ثمانية مرشحين يتنافسون على منصب الرئيس في الإكوادور، منهم سينثيا فيتيري من الحزب الاجتماعي المسيحي وهي تملك خبرة سياسية واسعة في الكونغرس الوطني. (ا.ف.ب)
ثمانية مرشحين يتنافسون على منصب الرئيس في الإكوادور، منهم سينثيا فيتيري من الحزب الاجتماعي المسيحي وهي تملك خبرة سياسية واسعة في الكونغرس الوطني. (ا.ف.ب)

رئيس الإكوادور رافاييل كوريا صرح في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي - أي قبل تنظيم الانتخابات الأميركية بشهر - بأن وصول ترامب إلى السلطة قد يكون «أفضل لأميركا اللاتينية»، مذكرًا بأن «الرفض» الذي غذاه جورج بوش سمح «بوصول حكومات تقدمية» إلى السلطة خلال ولايتيه الرئاسيتين (2001 - 2009). لكن يرى الكثير من الخبراء أن من المبكر جدًا الحديث عن «تهديد يشكله ترامب»، إذ إنه لا يبدو مهتمًا بأميركا اللاتينية باستثناء القضايا المتعلقة بالهجرة.
لكن بوفاة فيدل كاسترو، الذي كان مصدر وحي ودعم لكثير من المتمردين السابقين والقادة النقابيين الذين وصلوا إلى السلطة في الألفية الثالثة، وبدفع من شخصيات مثل الراحل هوغو تشافيز في فنزويلا، وإيفو موراليس في بوليفيا، ولويس إيناسيو لولا دا سيلفا في البرازيل، ورافاييل كوريا في الإكوادور، تمكن يسار متنوع وفي أوج عملية تجديد من تولي السلطة في نحو 15 بلدًا في أميركا اللاتينية. لكن يوم وفاة زعيم الثورة الكوبية لم يبق من هؤلاء في السلطة سوى ثمانية.
ومن الانتخابات الرئاسية في البيرو والأرجنتين إلى الاستفتاء في بوليفيا والانتخابات التشريعية في فنزويلا، يواجه اليسار هزيمة تلو أخرى في صناديق الاقتراع. إقالة ديلما روسيف في البرازيل بتهمة التلاعب بحسابات عامة، جاءت لتعبر عن المعضلة التي تواجهها الحكومات اليسارية في أميركا اللاتينية.
الحكم الذي أصدره القاضي الأرجنتيني مؤخرًا بتوجيه الاتهام لرئيسة البلاد السابقة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر بالتورط في قضايا فساد تتعلق بتعاقدات لأعمال عامة خلال فترة رئاستها، وكذلك التحقيقات التي خضع لها الرئيس البرازيلي السابق لويس إيانكو لولا ديسلفا في فضيحة الفساد الكبرى المتعلقة بشركة نفط «بيتروبراس» المملوكة للدولة، أظهرا تراجع شعبية حكومات اليسار بدول أميركا اللاتينية. وحتى الساسة الذين من المفترض أن ينبروا للدفاع عن مصالح الفقراء في تلك القارة النامية لم يكونوا على قدر من الشفافية كما تتخيل.
ويمكن أن تواصل «الموجة الوردية» تراجعها في القارة. فرئيس الإكوادور رافاييل كوريا لن يحاول البقاء في منصبه لولاية ثالثة في 2017، ورئيسة تشيلي ميشال باشيليه تستعد لمغادرة السلطة بعد ولاية شابتها فضائح ووعود لم تف بها.
وقال مايكل شيفتر، من المعهد الفكري الأميركي «إنتر أميركان دايلوغ»، إن عاملين كانا حاسمين في ضعف هذا اليسار، الأول تراجع أسعار المواد الأولية التي كانت عائداتها تدعم هذه الحكومات، والثاني رغبة طبيعية في التغيير. هذه الانتكاسات المتتالية تؤدي بحكم الأمر الواقع إلى تراجع تأثير كوبا، التي تعد المرجع الأخير لليسار الأميركي اللاتيني. وقد تأثرت داخليًا أيضا بالأزمة الخطيرة التي تواجهها حليفتها الرئيسية التي تمدها بالنفط فنزويلا.
في 19 فبراير (شباط) من العام الحالي تنتخب الإكوادور رئيسًا جديدًا خلفًا للاشتراكي رافاييل كوريا الذي استمر على رأس السلطة في البلاد لمدة 10 أعوام كاملة في حكومة أثارت الكثير من اللغط والجدال. وهذه الدولة صغيرة المساحة الواقعة في قارة أميركا اللاتينية، والتي تقع بين كولومبيا وبيرو، ويبلغ تعداد سكانها 16 مليون نسمة، أصبحت تواجه عددًا من التحديات المتزايدة التي يتعين على أي رئيس جديد للبلاد التعامل معها ومواجهتها.
ووفقًا للخبراء، تشوهت سمعة إدارة الرئيس كوريا خلال الشهور الأخيرة، إثر فضائح الفساد كمثل تلك التي طالت شركة بترو إكوادور المملوكة للدولة، حيث يجري المدعي العام للبلاد تحقيقاته مع 80 شخصية بشأن الكثير من الجرائم؛ من شاكلة الإثراء غير المشروع، وغسل الأموال.
ورغم ذلك، تشير آخر استطلاعات للرأي أجريت في البلاد إلى توقعات بعدم حدوث تغيرات كبيرة بين سياسات الرئيس كوريا وتلك التي سوف يتبناها المرشح الرئاسي الجديد، وهو لينين مورينو النائب السابق للرئيس كوريا، وهو مرشح حزب اليانزا باييس الحاكم، والذي تتقدم أسهمه بشكل واضح في استطلاعات الرأي الأخيرة. ولكن سيزار مونتانو، المحامي البارز، والأستاذ الجامعي المعروف، والعميد الأسبق لجامعة سيمون بوليفار في الإكوادور كان قد أوضح لمراسل صحيفة «الشرق الأوسط» من العاصمة كيتو أنه على الرغم من حالة الاستقطاب السياسي السائدة في البلاد، فإن الهدف هو تغيير مسار البلاد التي اتسمت ولفترة طويلة بالسياسات الاشتراكية. «هناك انقسام واضح بين المرشحين، ولكن نقطة التقائهم تتمثل في الهدف لإنجاز التغيير السياسي في الإكوادور بعد حكومة استمرت عشر سنوات وفشلت في الاستفادة من الدعم والتأييد الشعبي لها طوال تلك الفترة، ولا من الطفرة الاقتصادية الأكبر في تاريخ البلاد، من أجل تحقيق وضع أفضل في المستقبل القريب».
وبالنسبة للسيد مونتانو، على الرغم من أن استطلاعات الرأي المبكرة تشير إلى فوز مرشح الحزب الحاكم لينين مورينو، فإنه من المتوقع أن يتغير هذا الوضع في القريب بسبب - من وجه نظره - أن نائب الرئيس الأسبق «لم تظهر منه علامات تفيد بمرشح رئاسي يسعى لتغيير مسار سياسات الرئيس الحالي، وأصبح التغيير من الضرورات الملحة في ما يتعلق باتجاه السياسات الوطنية في البلاد». هناك ثمانية مرشحين يتنافسون على منصب الرئيس كوريا، ومن بينهم مورينو الذي يتصدر استطلاعات الرأي. ويعقبه على قائمة الترشح يأتي المصرفي الأسبق غييرمو لاسو من «حركة صدّق»، إلى جانب باكو مونكايوف من تيار اليسار الديمقراطي، والذي شغل فيما سبق منصب عمدة مدينة كيتو العاصمة. وهناك سينثيا فيتيري من الحزب الاجتماعي المسيحي، وهي تملك خبرة سياسية واسعة في الكونغرس الوطني.
كما هو الحال في أغلب بلدان أميركا اللاتينية، فإن من أهم الأولويات لرئيس الإكوادور الجديد، الذي سيتولى مهام منصبه لدورة رئاسية تبلغ 4 سنوات، هي تنشيط الاقتصاد القائم على الدولار الأميركي (الدولار الأميركي هو العملة المحلية المتداولة في الإكوادور)، وخلق فرص العمل الجديدة، ومحاربة الفساد، حتى يتسنى للبلاد الحصول على المزيد من الموارد المتاحة للاستثمار في تحسين الظروف المعيشية للسكان.
سوف يتذكر الشعب الإكوادوري فترة رئاسة السيد كوريا، الذي وصف بالمستبد لسياساته ضد حرية التعبير التي أثرت كثيرا في الصحافة والجامعات وغيرها من المؤسسات الوطنية، لجهوده في تحديث البنية التحتية للطرق التي شهدت استثمارات بقيمة 22 مليار دولار أميركي.
وقبل بضعة أيام، تم تدشين العمل في محطة كوكا كودو سنكلير لتوليد الطاقة الكهرومائية، وهي تعتبر من أحدث وأهم مشروعات البنية التحتية في تاريخ البلاد، والتي بلغت الاستثمارات فيها 2.2 مليار دولار، وسوف تساعد الإكوادور على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة. ومع ذلك، فلقد تأثرت أعمال التشييد والبناء في بعض المشروعات الوطنية الأخرى جراء الفساد المتفشي في البلاد. لدى الرئيس رافاييل كوريا الكثير من الأتباع والمعارضين، مما يرجح من حملة الاستقطاب بين أولئك الذين يريدون الحفاظ على سياساته الحاكمة، وأولئك الذين يرغبون في تحقيق التغيير الكامل. وليس هناك شيء مؤكد حتى الآن في الإكوادور. لقد بدأت الحملة الانتخابية الرسمية فقط وسوف تمر عدة أسابيع قبل أن ينطلق الناخبون إلى صناديق الاقتراع للتصويت في الانتخابات.
ورأى شيفتر أن ميل ترامب إلى الاستفزاز يمكن أن يؤدي إلى إيقاظ التيار الاشتراكي.
وقال هذا الخبير: «إذا حاول ترامب إعادة استراتيجية هيمنة في أميركا اللاتينية بلهجة وأسلوب عدائي، فإن هذا سيؤدي إلى رد فعل في كل المنطقة»، موضحًا أنه يمكن أن «نشهد بذلك ظهور قادة يساريين جدد» في القارة.
لكن في قارة تشهد انكماشًا منذ سنتين، تصطدم الاشتراكية «الأسطورية» وسياسات إعادة التوزيع بالواقع وتضر بها أخطاء بعض القادة الذين لم يظهر خلفاء لهم بعد. ففي دول مثل بوليفيا والإكوادور يتوجب على التحالفات القائمة منذ نحو عشر سنوات أن «تتعلم كيف تنظم صفوفها كأحزاب معارضة»، كما قال كريستوفر ساباتيني من جامعة كولومبيا في نيويورك للوكالة الفرنسية. وخلال أقل من شهر، سيكون على اليسار الأميركي اللاتيني التعامل مع وضع جديد وهو دخول الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.