74 مليون دولار تكاليف حفل زفاف يثير موجة من الغضب في الهند

تأثر حفلات الزواج المترفة بإلغاء تداول عملتين ورقيتين وتقييد السحب من المصارف

اضطرت الأسر الهندية إلى خفض تكاليف حفلات الزفاف بسبب القيود التي فرضتها الحكومة («الشرق الأوسط»)
اضطرت الأسر الهندية إلى خفض تكاليف حفلات الزفاف بسبب القيود التي فرضتها الحكومة («الشرق الأوسط»)
TT

74 مليون دولار تكاليف حفل زفاف يثير موجة من الغضب في الهند

اضطرت الأسر الهندية إلى خفض تكاليف حفلات الزفاف بسبب القيود التي فرضتها الحكومة («الشرق الأوسط»)
اضطرت الأسر الهندية إلى خفض تكاليف حفلات الزفاف بسبب القيود التي فرضتها الحكومة («الشرق الأوسط»)

يبدو أن أيام عقد حفلات الزفاف الهندي الكبير، الذي يمتد إلى أسبوع، ويتم دعوة مئات الأقارب إليه، وتعزف فيه الموسيقى ويكثر به الرقص، قد مضت وولت بسبب قرار إلغاء تداول فئتين من العملات الورقية عالية القيمة.
الضربة الجريئة التي سددها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، يوم 8 نوفمبر (تشرين الثاني) حين حظر تداول فئتي الألف روبية، والخمسمائة روبية، ووضع قيودا على المبالغ النقدية التي يمكن سحبها من المصارف، كانت تهدف إلى تجفيف مستنقع السوق السوداء، أو الاقتصاد غير الرسمي، والتصدي لتمويل الإرهاب، لكنها في الوقت ذاته طالت واحدا من أهم التقاليد الهندية التي يتم الإنفاق عليها ببذخ، وهي حفلات الزفاف الهندية.
فرضت الحكومة قيودًا مؤقتة على المبالغ النقدية التي يمكن للناس استبدالها، أو سحبها من المصارف، في محاولة لإبعادهم تدريجيًا عن استخدام النقد، وضخّ مزيد منه إلى القطاع المصرفي الرسمي الخاضع للضرائب. بعد غضب الأسر، ومنظمي حفلات الزفاف، سمحت الحكومة بإتمام عملية سحب خاصة لمبلغ 250 ألف روبية لكل حفل زفاف، وذلك لمرة واحدة، من أجل المساعدة في تغطية تكاليف الحفل. مع ذلك يظل هذا المبلغ ضئيلا جدا، ولا يكفي لإقامة حفل زفاف هندي.
كان كل من شوبام وساريكا، وهما مهندسان متخصصان في البرمجيات، منشغلين في التحضير لحفل زفافهما خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) عندما صدر قرار إلغاء تداول تلك الفئتين من العملات فجأة، وكانت العروس وعريسها يعتزمان إقامة حفل زفاف ضخم، لكن بسبب عدم توافر ما يكفي من المال قررا إقامة حفل واحد للخطوبة والزفاف معًا، وتم إلغاء حفل استقبال الصبية.
والجدير بالإشارة أن قيمة قطاع حفلات الزفاف في الهند خلال عام 2015 تجاوزت الـ40 مليار دولار أميركي، مع نمو متوقع يتراوح بين 25 في المائة و30 في المائة سنويًا بحسب التقديرات. وتشير الدراسات إلى أن الفرد في الهند ينفق في المتوسط خُمس مدخراته على إقامة حفل زفاف. حتى في أكبر 15 مدينة في الهند ومنها جايبور، وأودايبور، ودلهي، ومومباي، وحيدر آباد، وكلكوتا، وتشيناي، وولايات مثل غوا، وكيرالا، ينفق المقبلون على الزواج ما يتراوح بين مليوني روبية (30 ألف دولار) و20 مليون روبية (300 ألف دولار)، لإقامة احتفالات ومراسم الزفاف الضخمة التي تستمر من يومين إلى خمسة أيام. لذا لا تشتهر حفلات الزفاف الهندية ببذخها من فراغ، حيث يتم استخدام الديكورات المترفة، وأعجب أنواع الزهور، ويحمل جهاز العروس توقيع مصممين، فضلا عن الحضور الطاغي للمجوهرات المتلألئة المصنوعة من الذهب، والألماس، والبلاتينيوم، وأطايب الطعام الذي يسيل له اللعاب الوارد من مختلف أنحاء العالم.
كان من المتوقع أن يشهد سوق حفلات الزفاف ازدهارًا خلال العام الحالي، بل كان هناك أمل في أن يحطم الرقم القياسي، الذي تم تسجيله العام الماضي، لكن ذلك كان قبل قرار مودي الصادم، حيث لم يعد من الممكن دعوة عدد كبير من الضيوف إلى الحفلات، أو إقامة كل المراسم والفقرات المعتادة من حنة، ورقص، وموسيقى، وكوكتيل، وحفل الزفاف الرئيسي، وحفل استقبال، وغير ذلك. ونظرًا لعدم توفر ما يكفي من المال لدفعه مقابل إقامة هذه المراسم الكثيرة، تم إلغاء كثير من حفلات الزفاف، أو تأجيلها، في حين استغنت بعض الأسر عن الحفل السابق واللاحق لحفل الزفاف الرئيسي، والاكتفاء بالفقرات المهمة الرئيسية. وخضعت حفلات الزفاف المترفة لقيود الميزانية الجديدة.
بالنسبة إلى حفل زفاف شقيق ساكشي مالهوترا، كانت الخطة في البداية هي تعديل فقرات الحفل، بحيث يكون حفلا للخطوبة، وكوكتيل، وحنة، قبل حفل الزفاف الرئيسي. وقال ساكشي: «لقد قررنا تقليل عدد الفقرات، بحيث نكتفي بإقامة حفل ما قبل الزفاف في منزلنا. وبعد انتهاء الزفاف، أدركنا أن هذا كان قرارًا حكيمًا، حيث تمكنا من توفير مبلغ كبير من المال». لا يتعلق الأمر بالنسبة إلى بعض العائلات بتوفر النقود، بقدر ما يتعلق بالانتباه الذي يمكن أن يلفته حفل الزفاف الفخم. تقول سمية كورانا، منظمة حفلات زفاف: «أي حفل زفاف فخم وضخم تتم إقامته هذه الأيام يجذب الأنظار، ولا يريد أحد المخاطرة بذلك. يطلب عملاؤنا ألا يبدو حفل الزفاف ضخمًا، وحتى إذا كانوا سينفقون كثيرا من المال، ينبغي أن يظل الحفل يبدو عاديًا، بل ومتواضعًا. لدينا خيار الدفع عن طريق البطاقات الائتمانية، والشيكات، لكن لا يرغب أحد في أن يلفت الأنظار في وقت تتم مراقبة كل شيء فيه بدقة، وتوجد فيه قيود تحدد سقف عملية السحب النقدي. إذا أقام أحدهم الآن حفل زفاف من خمسة أجزاء، وهو الشكل المعتاد في دلهي، سوف يبدأ الأقارب والأصدقاء في الحديث عن الأمر».
وتتكرر القصة في كل المنازل التي من المقرر أن يقام فيها حفل زفاف.
يشهد عمل راجيف غويل، عامل محطة كيبل في سادارا بازار في دلهي، ازدهارًا، وهو ما يسمح له بتقاضي راتب شهري كبير، لكن أدى قرار منع تداول تلك الفئتين من العملات الورقية إلى إفلاسه، مما أجبره على طلب المساعدة من أقاربه في الترتيب لحفل زفاف ابنته. وكان راجيف ينتظر في صف أمام المصرف عندما أعلن مصرف «آر بي آي» الهندي القرار الذي يسمح للعائلات، التي بصدد إقامة حفلات زفاف، بسحب 250 ألف روبية، لكنه فشل في سحب هذا المبلغ، ثم قررت ابنته أرتي، العروس، تولي الأمر بنفسها. واتجهت العروس الشابة إلى المصرف وطلبت السماح لأبيها بسحب النقود فورًا.
وقال شراوان كومار، منظم حفلات زفاف في دلهي، إن أكثر عملائه ينفقون ما يتراوح بين بمليونين و23 مليون روبية على إقامة حفل زفاف، لكن خفض البعض ميزانية الحفلات بنسبة تصل إلى 40 في المائة، في حين قرر البعض الآخر تأجيل الحفل أو إلغائه. وقال كومار: «لا يمكنني أن أدفع أجر النادل، والمصور الفوتوغرافي، والمواصلات، ومنسق الزهور، وبائع الخضراوات، بشيكات. نحن في ورطة».
ومن ضحايا ذلك القرار واحد من أقدم أسواق الذهب في دلهي، حيث أغلق أبوابه مؤقتًا بعد الحملة التي شنّها موظفو الضرائب على متاجر المجوهرات في مختلف أنحاء البلاد على خلفية بلاغات عن حدوث حمى شراء للذهب عقب قرار منع تداول فئتين من العملات الورقية، نظرًا لمحاولة الناس تحويل أموالهم النقدية إلى ذهب. وترتبط نحو 50 في المائة من مبيعات الذهب في الهند بحفلات الزفاف، وذلك بحسب مجلس الذهب العالمي، في الوقت الذي يتم فيه إتمام أكثر عمليات الشراء باستخدام النقود.
وأصبحت صفوف الانتظار الطويلة أمام المصارف مشهدًا شائعًا في مختلف أنحاء البلاد في ظل تباطؤ تداول العملات الجديدة. في منطقة غازي آباد القريبة من دلهي اضطر والد العروس إلى رهن المجوهرات، التي طلب صنعها لابنته، من أجل إقامة حفل بسيط قبل حفل الزفاف. وحاول راجو سحب المال، الذي ادخره لزواج ابنته، لكن دون جدوى، حيث كان يرفض المصرف طلبه باستمرار. وأوضح راهوشيرينغ قائلا: «لقد ظلوا يقولون لي عد لاحقًا، لم أكن أعرف ما الذي يمكن فعله. لقد ادخرت ما يكفي من المال لإقامة حفل زفاف لابنتي، لكن كل شيء ضاع، لأنني لا أستطيع سحب أي مبلغ. في النهاية لجأت إلى رهن مجوهراتها لإقامة حفل خطوبة لها». لكنه قام بتأجيل حفل الزفاف إلى شهر فبراير (شباط) 2017 أملا في تحسن الأوضاع.
على الجانب الآخر، في الوقت الذي كان يعاني فيه ملايين الهنود من أزمة النقود، أثار زفاف مترف باذخ أقيم في مدينة بنغالور في الجنوب موجة عارمة من الغضب؛ حيث أنفق قطب التعدين، جاناردان ريدي، 5 مليارات روبية (74 مليون دولار) على إقامة حفل زفاف ابنته. ويحقق مسؤولو الضرائب حاليًا في تكاليف هذا الزفاف، ومصدر المال.
على العكس من ذلك، وبعيدًا عن حفلات الزفاف الهندية الباذخة، تزوج عريس وعروس في منزل مودي بولاية غوجارات بتكلفة 500 روبية فقط، وهو ما جذب انتباه وسائل الإعلام، وكذلك حاز على ثناء رئيس الوزراء الهندي. قالت العروس إنها وعريسها وعائلتيهما كانوا في مأزق بعد القرار المذكور آنفًا، الذي اتخذه رئيس الوزراء، وكان قد تم تحديد موعد زفافهما بالفعل، لكن بعدها قررت العائلتان إقامة حفل الزفاف في موعده.
وقالت العروس داكشا: «في البداية شعرنا بتوتر بعد قرار مودي بشأن إلغاء تداول فئتين من العملات الورقية، حيث كان قد تم تحديد موعد الزفاف بالفعل؛ لكن بعد التفكير في الأمر مليًا، قررنا إقامة حفل الزفاف، والاكتفاء بتقديم الشاي والماء للضيوف». وقال العريس بهارات: «لقد قررنا التخلي عن فكرة الزفاف الفخم الكبير، واكتفينا بحفل شاي بدلا منه».
الأمر المثير للدهشة هو انتحار والد عروس في راجكوت في ولاية غوجارات، نتيجة شعوره بالإحباط، لأنه لم يكن يعتقد أنه سيتمكن من إقامة حفل زفاف لابنته بعد ذلك القرار الخاص بالعملة. وكان تريبوفان سولانكي، وهو سائق عربة ريكشا متواضع الحال، يعتمد على أصدقائه وأقاربه الذين وعدوه بالمساهمة في الأموال اللازمة لإقامة حفل الزفاف.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».