الغموض يكتنف أسباب إعفاء محافظ بنك السودان المركزي

مصادر مصرفية لـ «الشرق الأوسط»: المرحلة تتطلب قيادة حازمة ضد المضاربين بالدولار

الغموض يكتنف أسباب إعفاء محافظ بنك السودان المركزي
TT

الغموض يكتنف أسباب إعفاء محافظ بنك السودان المركزي

الغموض يكتنف أسباب إعفاء محافظ بنك السودان المركزي

أثار قرار إعفاء محافظ بنك السودان المركزي ونائبه أول من أمس بقرار من رئيس الجمهورية، تساؤلات حول الأسباب التي دعت إلى ذلك، حيث أعرب قياديون وعاملون في البنك اندهاشهم للقرار لما يعرف عن الرجلين بالمقدرات المهنية العالية، فيما يرى آخرون أن تغيير طاقم البنك المركزي كان أمرا حتميا في ظل الوضع الاقتصادي الراهن؛ إذ تتطلب المرحلة من يقود المصرف وينفذ سياسات النقد الأجنبي الجديدة بحزم، وعلى رأسها محاربة المضاربين بالدولار، وجذب العملات الصعبة المهدرة من الخارج للسودان.
ووفقا للقرار، الذي صدر في وقت متأخر من مساء أول من أمس بإعفاء عبد الرحمن حسن عبد الرحمن، المحافظ، والجيلي محمد بشير، نائبه، فقد تم تعيين الدكتور حازم عبد القادر بابكر، مدير الإدارة العامة للخدمات التنفيذية حاليا ومدير إدارة النقد الأجنبي الأسبق، الذي كان يشغل أيضا وظيفة الناطق الرسمي باسم البنك.
وعمل بابكر في بنك السودان لمدة 25 عاما بعد تخرجه في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم في الثمانينات، التي حصل بعدها على شهادات دراسات مصرفية عليا في بريطانيا، قبل وصوله إلى أرفع مكانة في الجهاز المصرفي السوداني.
وفي حين تعثر الوصول إلى مدير الإعلام بالبنك المركزي ونائب المدير المقال، ورفضهما الحديث لوسائط الإعلام المحلية، أوضحت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن قرار الإعفاء والتعيين، كان النقاش حوله قبل إجازة الميزانية خلال اليومين الماضين، وتم ترشيح الدكتور عبد الرحمن ضرار، وزير الدولة بالمالية، والدكتور عبد الحميد جميل، مدير بنك أم درمان الوطني، لهذا المنصب، والهدف من التعديل، هو أن الوضع الاقتصادي الراهن يحتاج إلى إدارة جديدة تواجه التحديات التي تحاصر البلاد، وذلك بتعيين كوادر وقدرات مصرفية ذات مؤهلات، لا تعتمد على الولاء السياسي، ولديهم القدرة على خلق تفاهم وتناغم بين السياسات المالية والنقدية من أجل معالجة المشكلات الراهنة.
وأضافت المصادر، أن إعفاء المحافظ ونائبه جزء أساسي من موجة التغييرات والتعديلات الحكومية التي تشهدها البلاد، حيث من المرجح أن يكون هناك خلاف بين أصحاب العمل والمصارف من جهة والبنك المركزي، فيما يتعلق بالسياسات الحكومية الأخيرة، التي رفعت فيها الحكومة الدعم عن المحروقات وزادت الجمارك، مما شكل عبئا على المنتجين والموردين، وكذلك سياسة الحافز الأخيرة التي ساوى فيها البنك المركزي سعر الدولار في البنك بسعره في السوق السوداء، ومنع استيراد ثمانية سلع ضمن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة؛ وهو ما يضر بمصالح رجال الأعمال السودانيين وشركات الاستيراد.
كذلك، رجحت المصادر أن يكون سبب الإقالة بغرض تمكين البنك المركزي من تنفيذ سياسة النقد الأجنبي للعام المقبل، التي صدر بها منشور قبل يومين، وعين مدير الإدارة المختصة بذلك محافظا للبنك، أو الخلاف بين وزارة المالية والاقتصاد الوطني وبنك السودان حول السياسات والإجراءات الاقتصادية الأخيرة، إضافة إلى فشل البنك وتعتيمه على نتائج اجتماع لندن الشهير الذي انعقد بالعاصمة البريطانية قبل أسبوعين، بين الإدارة الأميركية المسؤولة عن العقوبات الاقتصادية مع مراسلي البنوك العالمية لتنويرهم بالإجراءات الأميركية الجديدة وقرارهم برفع الحظر عن التحويلات البنكية للسودان، فيما يخص الصحة والتعليم وتحويلات الأفراد وغيرها، والتي وافق عليها الأميركيون قبيل أكثر من شهرين.
إلا أن مصادر «الشرق الأوسط» اعتبرت أن قضية مخالفات الأدوية التي نفى فيها بنك السودان المركزي تورط موظفيه في المساهمة في حصول شركات أدوية على عملات صعبة قدرت بـ230 مليون دولار من البنك المركزي، واستفادت منها في عمليات تجارية أخرى، ليس من بينها استيراد أدوية أو معدات طبية؛ ما أوقعها في طائلة القانون، اعتبرت أن هذه القضية وراء الإقالة، حيث اتهم وقتها موظفون في بنك السودان المركزي بالتواطؤ مع الشبكات التي نفذت العمليات، والتي تضم كذلك موظفين في بنوك ورجال مال وأعمال وموظفي دولة.
وأصدر بنك السودان المركزي، وقتها، بيانا نفى فيه أن يكون أحد موظفيه ضالعا، في قضية استغلال نسبة الـ10 في المائة من الصادرات المخصصة للأدوية، في أغراض تجارية أخرى، التي تنظرها المحاكم حاليا، وتواجه فيها 34 شركة محلية وعالمية، اتهامات متنوعة تصل عقوبتها لحجز الحسابات والسجن والغرامة وإلغاء التراخيص.
وأضاف بيان البنك، الذي استرد أموالا من شركات أدوية، متورطة في تبديد 230 مليون دولار في القضية نفسها قبل فتح البلاغ، أن البنك، وموظفيه، لا علاقة لهم بعملية تخصيص النقد الأجنبي من حصيلة الصادرات للشركات وأسماء الأعمال، التي استوردت الدواء محل القضية، بل البنوك التجارية هي التي تخصص هذه الحصيلة للشركات المستوفية للشروط، وتلتزم بمواصفات وأسعار المجلس القومي للأدوية والسموم.



التضخم يحاصر اليابان ويدفع عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى 2.69 %

مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)
TT

التضخم يحاصر اليابان ويدفع عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى 2.69 %

مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)

تسارعت معدلات تضخم أسعار الجملة في اليابان خلال مايو (أيار) الماضي، بأسرع وتيرة لها منذ 3 سنوات، تحت ضغط صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب الخليج، ما أدى إلى موجة هبوط في سوق أدوات الدين السيادية دفعت عوائد السندات الحكومية للارتفاع بشكل جماعي، وسط ترقب الأسواق لقرار تشديد السياسة النقدية من قبل بنك اليابان (المصرف المركزي) في اجتماعه المرتقب الأسبوع المقبل.

وأظهرت البيانات الصادرة عن بنك اليابان يوم الأربعاء، أن مؤشر أسعار المنتجين (الذي يقيس أسعار الجملة لباب المصنع) قفز بنسبة 6.3 في المائة على أساس سنوي في مايو، متجاوزاً توقعات الأسواق البالغة 5.5 في المائة، ومسجلاً أسرع معدل نمو منذ مارس (آذار) 2023.

وجاء هذا التسارع الحاد مدفوعاً بالارتفاع القياسي لتكاليف النفط الخام و«النفتا» والكيميائيات والمعادن غير الحديدية، جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الاستراتيجي، مما أدى إلى صعود مؤشر أسعار الاستيراد المقوم بالين بنسبة قياسية بلغت 25.5 في المائة على أساس سنوي.

وفي المقابل، أسهم الطلب العالمي القوي على أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دفع مؤشر التصدير للصعود بـ20.6 في المائة، مما خفف جزئياً من تدهور الشروط التجارية للبلاد.

ضغوط على سوق السندات

وانعكست هذه الضغوط التضخمية بشكل فوري على سوق السندات الحكومية اليابانية؛ حيث ارتفعت عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس لتصل إلى 2.695 في المائة (حيث تتحرك العوائد عكسياً مع الأسعار)، مدفوعة بمخاوف المستثمرين من تآكل قيمة المدفوعات الثابتة جراء التضخم المستورد.

وفي دليل واضح على تراجع شهية المخاطرة، باعت وزارة المالية اليابانية سندات حكومية لأجل 30 عاماً بقيمة إجمالية بلغت نحو 600 مليار ين (3.74 مليار دولار)، إلا أن نسبة التغطية (العطاءات المقدمة إلى المقبولة)، التي تقيس حجم الطلب، هبطت إلى مستوى 2.94، وهو أدنى مستوى يسجل في مزاد علني منذ عام كامل. وامتدت قفزة العوائد لتشمل السندات لأجل عامين -الأكثر حساسية لأسعار الفائدة قصيرة الأجل- لترتفع إلى 1.42 في المائة، في حين استقر عائد السندات لأجل 30 عاماً عند 3.865 في المائة، وصعد عائد السندات لأجل 5 سنوات إلى 1.94 في المائة.

المركزي الياباني أمام خيار الـ1 %

ويرى المحللون في الأوساط المالية أن استمرار نمو أسعار المنتجين الذي يعد مؤشراً قيادياً لتضخم أسعار المستهلكين، يضع بنك اليابان تحت ضغوط قصوى لمواصلة تفكيك سياساته التحفيزية السابقة؛ حيث توقع أبهيجيت سوريا، كبير اقتصاديي منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «كابيتال إيكونوميكس»، أن يعمد البنك المركزي في اجتماعه الذي ينتهي في 16 يونيو (حزيران) الجاري إلى رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل من مستواها الحالي البالغ 0.75 في المائة إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى للفائدة اليابانية منذ أكثر من 3 عقود، مرجحاً تسارع وتيرة التشديد لتشمل زيادات متتالية بمعدل مرة كل 4 أشهر للوصول بالفائدة إلى 1.25 في المائة بحلول نهاية العام الحالي.

من جانبه، أوضح أتارو أوكومورا، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في مؤسسة «إس إم بي سي نيكو للأوراق المالية»، أن كبح جماح التراجع الحاد للين الأميركي، ومنع الارتفاعات المفرطة في عوائد السندات طويلة الأجل، يمثل أولوية مشتركة للحكومة وبنك اليابان على حد سواء في الوقت الراهن؛ ولذلك ستتركز أنظار المتعاملين في السوق على مدى قوة الإشارات والرسائل التي سيبعث بها المحافظ كازو أويدا حول وتيرة رفع الفائدة المستقبلية؛ خصوصاً بعد التقارير التي أشارت إلى إمكانية إبقاء البنك المركزي على وتيرة شراء السندات الحالية لتجنب إحداث صدمة عنيفة في أسواق الدين المحلية والتجارية.


توقعات بقفزة التضخم الأميركي إلى 4.2 % في أعلى مستوى بـ3 سنوات

زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)
زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)
TT

توقعات بقفزة التضخم الأميركي إلى 4.2 % في أعلى مستوى بـ3 سنوات

زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)
زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)

تتجه أنظار الأوساط المالية العالمية يوم الأربعاء نحو وزارة العمل الأميركية، ترقباً لإصدار بيانات مؤشر أسعار المستهلكين، وسط توقعات قوية بقفزة نوعية في معدلات التضخم خلال مايو (أيار) الماضي للمرة الثالثة على التوالي.

ويضع هذا الارتفاع المستمر لضغوط التكلفة صُناع السياسة النقدية في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أمام تحديات حرجية لكبح الأسعار، بالتزامن مع تنامي الضغوط السياسية على إدارة الرئيس دونالد ترمب مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.

وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد في مسح أجرته مؤسسة «فاكت ست» للبيانات، إلى احتمال وصول معدل التضخم السنوي إلى 4.2 في المائة في مايو، صعوداً من القراءة المسجلة في أبريل (نيسان) الماضي البالغة 3.8 في المائة، في حين يتوقع المحللون زيادة التضخم على أساس شهري بنسبة صلبة تصل إلى 0.5 في المائة. وكان التضخم قد بدأ رحلة الهبوط التدريجي قبل أن يفرض الرئيس دونالد ترمب رسوماً جمركية واسعة النطاق في أبريل 2025 تسببت في رفع أسعار كثير من السلع، تلتها الصدمة السعرية الناتجة عن اندلاع حرب الخليج التي قفزت بأسعار النفط والغاز، ليتحول ملف «القدرة المعيشية» إلى قضية سياسية واقتصادية محورية في البلاد.

التضخم الأساسي وعقدة الحرب

وينصب اهتمام الأسواق والمحللين على مراقبة «التضخم الأساسي» -الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتذبذبة- لاستشراف الاتجاه الحقيقي للأسعار؛ حيث تتوقع التقديرات ارتفاع المؤشر الأساسي بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، مما يدفع المعدل السنوي الأساسي للصعود إلى 2.9 في المائة مقارنة بـ2.8 في المائة في أبريل، وهي مستويات تبتعد كثيراً عن مستهدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

ويعزو الاقتصاديون هذا الثبات إلى تسرب ضغوط التكاليف لقطاعات غير مرتبطة بالوقود، مثل الرعاية الصحية وصيانة السيارات والخدمات، فضلاً عن امتداد أثر الديزل المرتفع إلى تكاليف الشحن عبر شركات عملاقة مثل «يو بي إس» و«فيديكس»، مما يهدد برفع أسعار البقالة والأغذية التي سجلت بالفعل نمواً سنوياً بـ2.9 في المائة.

وفي قطاع الطاقة، تسببت الخطوات الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز في خنق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، مما قفز بمتوسط أسعار البنزين في المحطات الأميركية من 4.04 دولار في منتصف أبريل إلى 4.49 دولار في منتصف مايو، رغم تراجعها النسبي اللاحق إلى 4.16 دولار للغالون وفقاً لبيانات الجمعية الأميركية للسيارات «إيه إيه إيه»، مما قد يمنح قراءة يونيو (حزيران) الحالي بعض الهدوء الهامشي.

عرض خضراوات في متجر بولاية تكساس (أ.ف.ب)

«الفيدرالي» ومأزق رئيسه الجديد

وأسهم استمرار التضخم المرتفع في إحداث تحول جذري في مناقشات أروقة «الاحتياطي الفيدرالي»؛ فبعد أن لمح المسؤولون في مطلع العام إلى نيتهم خفض أسعار الفائدة المرجعية مرتين هذا العام، تزداد الأصوات الحالية داخل البنك المركزي للتأكيد على أن الخطوة المقبلة ستكون «رفعاً للفائدة» وليست خفضاً، وهو توجه عززته بيانات سوق العمل القوية الصادرة يوم الجمعة الماضي، والتي أظهرت تسارع وتيرة التوظيف وصمود النمو الاقتصادي، مما يمنح الفيدرالي مبرراً لتشديد السياسة دون خوف من ركود فوري.

وأظهرت أسعار العقود الآجلة عبر أداة «فيد ووتش» أن المستثمرين في «وول ستريت» باتوا يحتسبون احتمالية تتجاوز 70 في المائة لقيام «الاحتياطي الفيدرالي» برفع الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مما سيزيد من تكاليف الاقتراض للرهون العقارية وقروض السيارات برياً وعالمياً.

ويضع هذا المشهد المعقد الرئيس الجديد لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، في موقف حرج بالغ الصعوبة؛ حيث كان وارش من أشد الداعمين لخفض الفائدة العام الماضي، وتم اختياره من قبل ترمب ليحل محل جيروم باول عقب انتقادات حادة من البيت الأبيض لباول بسبب بطء وتيرة خفض التكاليف الرأسمالية.

ورغم المأزق الحالي، تحرص الإدارة الأميركية ومسؤولو البيت الأبيض في الوقت الراهن على المطالبة بالاستقرار وتجنب رفع الفائدة بدلاً من الإصرار على خفضها، في وقت لا تزال فيه الرسوم الجمركية تضغط على أسعار الملابس التي قفزت بـ4.2 في المائة سنوياً، بالتزامن مع مخاوف من أن يتسبب وقود الطائرات المرتفع في زيادة تذاكر الطيران ودفع التضخم الأساسي نحو مستويات قياسية جديدة.


تضخم المنتجين في الصين يقفز بـ 3.9% في أعلى مستوياته منذ 4 سنوات

يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)
يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

تضخم المنتجين في الصين يقفز بـ 3.9% في أعلى مستوياته منذ 4 سنوات

يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)
يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)

قفزت أسعار باب المصنع في الصين لترتفع للشهر الثالث على التوالي خلال مايو (أيار) الماضي، مسجلة أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات، في حين استقرت أسعار المستهلكين عند مستويات مرتفعة.

وجاء هذا الصعود الحاد في وقت ألقت فيه أسعار الطاقة العالمية وضغوط التكاليف المتصاعدة جراء الحرب في الخليج بظلالها على الشركات المصنعة، بينما وفر الطلب العالمي المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي صمام أمان لقطاعات التقنية المتقدمة.

وأظهرت البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في بكين، يوم الأربعاء، أن مؤشر أسعار المنتجين (PPI) ارتفع بنسبة 3.9 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً توقعات الأسواق في استطلاع «رويترز» البالغة 3.8 في المائة، ومقارنة بزيادة سجلت 2.8 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي. وأسهمت الصدمة السعرية الناجمة عن الحرب المستعرة منذ أواخر فبراير (شباط) الماضي، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في إخراج أسعار المنتجين في الصين من دائرة الانكماش التي استمرت لسنوات؛ حيث تحول المؤشر السنوي إلى النطاق الإيجابي في مارس (آذار) للمرة الأولى منذ سبتمبر (أيلول) 2022.

التباين التنظيمي بين الذكاء الاصطناعي والقطاعات التقليدية

وفي القراءة التحليلية للمشهد، أشار شو تيانتشن، كبير اقتصاديي وحدة «إيكونوميست إنتليجنس»، إلى وجود تباين واضح في القدرة على مواجهة ضغوط تكاليف المدخلات؛ حيث تملك الشركات العاملة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة، التي تشهد طلباً صلباً، القدرة على تمرير زيادة التكاليف إلى المستهلك النهائي بل وفرض هوامش أرباح إضافية، وهو ما لا ينطبق على الصناعات التقليدية مثل قطاع السيارات. وعزا مكتب الإحصاء هذا الصعود إلى تنامي الطلب على قدرات الحوسبة الفائقة، مما رفع أسعار صهر وتشكيل المعادن غير الحديدية ومعدات الإلكترونيات، برغم تباطؤ النمو الشهري للمؤشر إلى 0.5 في المائة مقارنة بـ1.7 في المائة في أبريل.

وحذر الخبراء من أن استمرار حرب الخليج قد يضغط على أرباح الشركات غير التقنية ويكبح الاستهلاك المحلي، خاصة مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب؛ حيث يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى إضعاف رغبة الأسر في الإنفاق غير الضروري، مما يضع صانعي السياسة الصينيين أمام تحديات حرجية لدعم سوق العمل وتحفيز الطلب المحلي اللين.

أسعار المستهلكين ومخاوف الأجور

وعلى صعيد تضخم المستهلكين، سجل مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ارتفاعاً بنسبة 1.2 في المائة على أساس سنوي في مايو، بدفع رئيسي من قفزة أسعار البنزين والمجوهرات الذهبية وقطاع الخدمات، ليطابق قراءة أبريل، وإن جاء دون توقعات المحللين البالغة 1.3 في المائة. وفي حين تراجعت أسعار الأغذية بنسبة 1.7 في المائة مع هبوط أسعار لحوم الخنزير بـ 16.1 في المائة، سجلت أسعار البنزين المحلية قفزة نوعية بنسبة 23.5 في المائة على أساس سنوي برغم تراجعها الطفيف على أساس شهري بنسبة 0.1 في المائة.

من جانبه، أوضح لين سونغ، كبير اقتصاديي الصين الكبرى في بنك «إي إن جي»، أن تراجع أسعار الغذاء والعقارات يمنع التضخم الرئيسي من تسجيل قفزات غير منضبطة في الوقت الحالي، مؤكداً أن الاقتصاد الصيني يتحرك تدريجياً من بيئة الانكماش نحو بيئة تضخم منخفض. واستبعد سونغ أن تؤدي قوة الأسعار الحالية إلى زيادة الأجور، نظراً لارتفاع معدلات البطالة بين الشباب ومخاوف العمال بشأن الأمان الوظيفي في ظل الطفرة المتسارعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ودفعت هذه التطورات محللي مؤسسة «إيه إن زد» إلى رفع توقعاتهم لمؤشر أسعار المنتجين للعام الحالي بأكمله إلى 2 في المائة بدلاً من 0.8 في المائة، مع الإبقاء على تقديرات أسعار المستهلكين عند 1.2 في المائة. وأظهرت بيانات «أويل كيم» تراجع استهلاك البنزين والديزل في الصين بنسبة 13 في المائة في مايو إثر قرار بكين رفع أسعار التجزئة لـ«الديزل»، بالتزامن مع تراجع حاد في مبيعات السيارات المحلية بنسبة 22.3 في المائة. وأكد أبحيجيت سوريا، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «كابيتال إيكونوميكس»، أن اتجاه التضخم يظل رهناً بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأسواق الطاقة، مرجحاً تراجع ضغوط أسعار المستهلكين بمجرد الانحسار التدريجي للاضطرابات في الإمدادات.