«مايكروسوفت» تسعى لصنع كومبيوتر من الخيال العلمي

لتطوير عقاقير جديدة ونظم للذكاء الصناعي

العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
TT

«مايكروسوفت» تسعى لصنع كومبيوتر من الخيال العلمي

العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»

تكرس شركة «مايكروسوفت» استثمارات مالية وإمكانات هندسية هائلة لمجال الكومبيوتر الكمي، في خضم مساعيها لبناء آلة بمقدورها التعامل مع مشكلات تتجاوز حدود قدرات الكومبيوترات الرقمية المتوافرة حاليًا. ويسود عالم التكنولوجيا شعور بتفاؤل متنامٍ إزاء فكرة أن الكومبيوترات الكمية، وهي أجهزة فائقة القدرة، ظل وجودها مقتصرًا على أعمال الخيال العلمي، ربما يكون من الممكن حقًا، بل ومن العملي، إنتاجها. وحال نجاح مثل هذه الآلات، فإنها ستخلف تأثيرا كبيرًا على مجالات متنوعة مثل ابتكار عقاقير جديدة ونظم للذكاء الاصطناعي، بجانب إتاحة الفرصة لتفهم مبادئ الفيزياء الحديثة على نحو أفضل.

نماذج أولية

ويؤكد قرار «مايكروسوفت» بالانتقال من المجال البحثي الخالص نحو توجيه استثمارات لبناء نموذج أولي عامل، على المنافسة العالمية المشتعلة بين شركات التكنولوجيا، بما في ذلك «غوغل» و«آي بي إم» اللتان وضعتا أيضًا استثمارات كبيرة لهذا المجال سعيًا وراء تحقيق قفزات كبرى.
وفي إطار عالم الفيزياء الكمي العجيب، نجحت «مايكروسوفت» في تمييز نفسها عن منافسيها من خلال اختيارها سبيلا مختلفا. ويعتمد توجه الشركة على «تضفير» الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم «أنيونات» Anyons التي يصفها الفيزيائيون بأنها ثنائية الأبعاد، ولبناء وحدات بنائية لكومبيوتر بالغ الضخامة بمقدوره استغلال الخصائص الفيزيائية الفريدة للجسيمات الدقيقة الأصغر من الذرة.
وقد أقر باحثون بارزون بهذا المجال بأن ثمة عقبات لا تزال قائمة في طريق بناء آلات مفيدة تعتمد على الفيزياء الكمية، على مستويي الفيزياء الأساسية وتطوير أنماط جديدة من البرامج لاستغلال سمات معينة في العناصر المعروفة باسم «كيوبيت» Qubit التي تحمل بداخلها إمكانات حوسبة على نحو لا يتوافر لدى الأنظمة الرقمية الحالية.
وعلى خلاف الحال مع أجهزة «الترانزستور» التقليدية، التي يمكنها فقط أن تعمل أو تتوقف عن العمل في لحظة معينة، لتمثل وحدات رقمية إما 1 أو صفر، فإن «كيوبيت» بمقدورها الوجود في الحالتين معًا في الوقت ذاته. وحال وضع «الكيوبيتات» في وضع «معقد»، بمعنى أن تكون منفصلة فعليًا، لكنها تعمل كما لو كانت متداخلة بعمق مع كثير من «الكيوبيتات» الأخرى، فإنها من الممكن أن تمثل عددًا ضخمًا من القيم في الوقت ذاته. والاحتمال الأكبر أن الكومبيوتر المعتمد على الفيزياء الكمية سيتألف من مئات الآلاف من «الكيوبيتات».
جدير بالذكر أن «مايكروسوفت» كانت قد بدأت تمويل أبحاث بهذا المجال عام 2005 عندما أسست بهدوء مختبرًا عُرف باسم «المحطة كيو» تحت قيادة عالم الرياضيات مايكل فريدمان.
الآن، تعتقد «مايكروسوفت» أنها على وشك تصميم الوحدة البنائية الأساسية لـ«الكيوبيت»، مما يجعل الشركة على استعداد لهندسة كومبيوتر كامل، حسبما أوضح تود هولمدال، مدير الشؤون الهندسية المعني بالإشراف على جهود «مايكروسوفت» على هذا الصعيد. وعلى مدى سنوات عدة، تولى هولمدال قيادة مشروعات متنوعة تابعة لـ«مايكروسوفت»، منها جهاز لعبة الفيديو «إكس بوكس» ونظام «هولولينز» للواقع المعزز.
وقال هولمدال: «بمجرد أن نسبر أغوار (الكيوبيت) الأول، ستصبح لدينا خريطة طريق تقودنا إلى آلاف (الكيوبيتات) على نحو مباشر نسبيًا».
ومع ذلك، يبقى ثمة جدال قائم في أوساط علماء الفيزياء وعلوم الكومبيوتر حول ما إذا كان من الممكن أن تتحول الكومبيوترات الكمية التي تقوم بحسابات مفيدة إلى واقع ذات يوم.
يذكر أن مجموعة متنوعة من البرامج البحثية البديلة التي تحاول إنتاج «الكيوبيتات» تستخدم مواد وتصميمات مختلفة. ويعتمد التوجه الذي تنتهجه «مايكروسوفت»، ويعرف باسم «الكومبيوتر الكمي الطوبولوجي»، على مجال بعلم الفيزياء نال دفعة جديدة هذا العام بحصول ثلاثة علماء على جائزة نوبل في الفيزياء عن العمل الأساسي الذي حققوه بمجال صورة المادة التي قد تكون ثنائية الأبعاد.
أيضًا، يضم مشروع هولمدال، علماء الفيزياء ليو كوينهوفن من جامعة ديلفت، وتشارلز إم ماركوس من جامعة كوبنهاغن وديفيد ريلي من جامعة سيدني وماتياس تروير من «إي تي إتش زيوريخ» وسيصبح هؤلاء موظفين لدى «مايكروسوفت» كجزء من «مجموعة الذكاء الصناعي والبحث» التي شكلتها «مايكروسوفت» حديثا تحت قيادة واحد من كبار مسؤوليها الفنيين، هاري شوم. ويقول العلماء الفيزيائيون الذين استعانت بهم الشركة أخيرا إن قرار محاولة بناء كومبيوتر كمي طوبولوجي جاءت في أعقاب إحراز تقدم علمي على امتداد العامين الماضيين بثت في نفوس العلماء ثقة أكبر حيال قدرة الشركة على إنتاج مزيد من «الكيوبيتات» الأكثر استقرارًا.
في هذا الصدد، أوضح د. ماركوس أن «الوصفة السحرية تتضمن مزيجًا من أشباه الموصلات وموصلات فائقة». ونجح الباحثون أخيرا في تحقيق «إنجاز كبير» على صعيد تعزيز قدرتهم على السيطرة على المواد المستخدمة في تشكيل «الكيوبيتات». وتتضمن معظم التوجهات الأخرى المنافسة تبريد الكومبيوترات الكمية لتصل إلى درجة حرارة قرب الصفر.

تفكيك الشفرات

حتى الآن، لا تتوافر سوى القليل نسبيًا من الخوارزميات المؤكدة التي بإمكانها المساهمة في حل المشكلات بصورة أسرع عن الكومبيوترات الرقمية الموجودة حاليًا. ومن بين المحاولات الأولى ما عرف باسم «خوارزمية شور» التي جرى استخدامها في «تفكيك» الأرقام، وهي تحمل أملاً في إمكانية استخدام الكومبيوترات الكمية في المستقبل في «تفكيك» الشفرات.
ومن المحتمل أن يخلف ذلك تداعيات جذرية كبرى على الصعيد العالمي، نظرًا لأن التجارة الإلكترونية الحديثة قائمة على مجموعة من الأنظمة الشفرية التي يتعذر بوجه عام «تفكيكها» باستخدام كومبيوترات رقمية تقليدية. وقد تسمح توجهات أخرى مقترحة بإجراء عمليات بحث أسرع عبر قواعد البيانات أو تنفيذ خوارزميات تعلم آلي، التي يجري استغلالها لإحراز تقدم بمجال التعرف على الصوت والرؤية الحاسوبية.
إلا أنه على المدى القريب، قد تتمكن هذه الآلات من تعزيز تفهم أساسي للفيزياء، الإمكانية التي ذكرها العالم ريتشارد بي فينمان عندما توقع نجاح الإنسان في بناء كومبيوتر كمي عام 1982.
من ناحيته، قال د. كوينهوفن: «التطبيق الذي أحلم به بالنسبة لكومبيوتر كمي يتمثل في إنتاج آلة قادرة على حل مسائل الفيزياء الكمية».

الأنيونات والكومبيوتر الكمي الطوبوبوجي

> «الأنيونات»: هي أشباه جسيمات في فضاء ثنائي الأبعاد، وهي ليست فرميونات أو بوزونات على وجه التحديد (جسيمات ذرية صغيرة)، بيد أنها تشترك مع خاصية الفرميون من حيث عدم القدرة على الاستقرار في حالة واحدة. ومن ثم لا يمكن أن تتقاطع أو تتداخل الخطوط العامة لاثنين من الأنيونات، مما يسمح بتكوين الضفائر التي تشكل دائرة معينة.
> الكومبيوتر الكمي الطوبولوجي: هو حاسوب كمي نظري يستخدم أشباه الجسيمات ثنائية الأبعاد المسماة أنيونات التي تعبر الخطوط العامة فيها فوق بعضها البعض لتكون الضفائر في زمكان ثلاثي الأبعاد (أي بُعد واحد زماني وبعدين مكانيين). وهذه الضفائر تشكل البوابات المنطقية التي يتكون منها الحاسوب.
وفي حين أن عوامل الحاسوب الكمي الطوبولوجي نشأت في مجال رياضي صرف، فإن التجارب التي أجراها مايكل إتش فريدمان (Michael H. Freedman) بالتعاون مع زينغان وانغ (Zhenghan Wang) كلاهما مع شركة «مايكروسوفت» عام 2002، وتجارب مايكل لارسن (Michael Larsen) من جامعة إنديانا، بينت أن من الممكن إنشاء تلك العوامل في العالم الواقعي باستخدام أشباه موصلات مصنوعة من زرنيخيد غاليوم ثلاثي، تقترب من الصفر المطلق وتخضع لحقول مغناطيسية قوية.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.


روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
TT

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

لطالما سعى المهندسون في مجال الروبوتات إلى محاكاة ركوب الدراجة واحدة من أبسط القدرات البشرية ظاهرياً. لكن ما يبدو سهلاً للإنسان هو في الواقع عملية توازن معقدة تتطلب تعديلات مستمرة واتخاذ قرارات سريعة وتنسيقاً دقيقاً بين الحركة والثبات. واليوم يقترب الباحثون من تمكين الآلات من إتقان هذه المهارة، بل وتجاوزها.

يُظهر نظام روبوتي جديد أن الآلة القائمة على الدراجة لا تقتصر على الحفاظ على توازنها، بل يمكنها التحرك بسرعات عالية، والحفاظ على توازن ديناميكي، وتجاوز العقبات بطرق تحاكي مهارات متقدمة لدى راكبي الدراجات.

تصميم عالي الكفاءة

يرتكز هذا المشروع على سؤال أساسي في علم الروبوتات: إلى أي مدى يمكن تحقيق الأداء بحد أدنى من التعقيد الميكانيكي؟

بدلاً من الاعتماد على عدد كبير من المحركات والمكونات، صمّم الفريق نظاماً بعدد محدود من الحركات المتحكم بها. ورغم ذلك، يتمكن الروبوت من تحقيق حركة مستقرة وسريعة ومناورات مرنة.

تكمن أهمية هذا النهج في أنه يخالف الأساليب التقليدية التي تعتمد على أنظمة معقدة لتحقيق التوازن. فالدراجة بطبيعتها غير مستقرة، وتتطلب تصحيحات مستمرة للبقاء في وضعية مستقيمة. ومحاكاة هذا السلوك في روبوت، خاصة عند السرعات العالية، تتطلب تحكماً دقيقاً واستجابة فورية من الحساسات.

بيئات واقعية متغيرة

ما يميز هذا النظام قدرته على التعامل ليس فقط مع الحركة السلسة، بل أيضاً مع التغيرات المفاجئة في البيئة. يستطيع الروبوت اكتشاف العقبات والتفاعل معها بشكل ديناميكي، مع الحفاظ على توازنه أثناء التنقل. وهذا ينقله من بيئة المختبرات إلى سيناريوهات أقرب للواقع وأكثر تعقيداً.

استُلهم التصميم من راكبي الدراجات المحترفين، خصوصاً في رياضات مثل ركوب الدراجات الجبلية أو الاستعراضية. يعتمد هؤلاء على الزخم والتوازن والتوقيت لتجاوز العقبات والتكيف الفوري مع البيئة. نقل هذه القدرات إلى نظام روبوتي يمثل خطوة نحو آلات قادرة على العمل في بيئات مشابهة.

أنظمة تحكم متكيفة

يعتمد أداء الروبوت على نظام تحكم يجمع بين تخطيط الحركة والتعديل اللحظي. فبدلاً من اتباع مسار ثابت، يقوم النظام بتقييم موقعه وتوازنه بشكل مستمر، ويجري تصحيحات سريعة عند الحاجة. هذا النهج يتيح له الحفاظ على السرعة دون فقدان الاستقرار. كما أن السرعة تضيف تحدياً إضافياً، إذ تقلل من زمن الاستجابة المتاح. لذلك، يتطلب الحفاظ على التوازن دقة في الاستشعار وسرعة في المعالجة، وهو ما يعكس تطوراً في كل من تصميم العتاد والخوارزميات.

تفاعل مع العقبات

ميزة أخرى لافتة هي قدرة الروبوت على التعامل مع العقبات بدلاً من مجرد تجنبها. يمكنه تجاوز بعض العوائق أو التفاعل معها مباشرة، ما يعكس مستوى أعلى من الحركة الذكية. هذا يتماشى مع توجهات أوسع لتطوير روبوتات قادرة على العمل في بيئات مصممة للبشر.

تتجاوز أهمية هذا الابتكار النظام نفسه. فالروبوت القائم على الدراجة يمثل نموذجاً فعالاً للحركة، خاصة في البيئات الضيقة أو المتغيرة. مقارنة بالأنظمة الأكبر، قد يوفر هذا التصميم كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة وسهولة في المناورة. كما يسهم هذا العمل في إعادة التفكير في كيفية تحقيق الرشاقة الحركية دون تعقيد ميكانيكي مفرط، ما قد يؤثر على تصميم الجيل القادم من الروبوتات.

يعتمد النظام على تصميم بسيط بعدد محدود من الحركات دون تعقيد ميكانيكي كبير (Bokser, et al)

نحو التطبيق العملي

قد يفتح هذا النهج المجال لتطبيقات مستقبلية في مجالات تتطلب السرعة والمرونة، مثل التنقل الحضري أو مهام الاستكشاف. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين التجارب المخبرية والتطبيقات الواقعية، حيث تفرض البيئة الحقيقية تحديات إضافية مثل الأسطح غير المستوية والعوامل الجوية. مع ذلك، فإن التقدم واضح. ما كان يُعد تحدياً كبيراً. فالحفاظ على التوازن على عجلتين أصبح اليوم نقطة انطلاق نحو قدرات أكثر تعقيداً تشمل السرعة والتفاعل مع البيئة. ومع تطور هذا المجال، لم يعد الهدف مجرد منع الروبوت من السقوط، بل تمكينه من التحرك بثقة ومرونة في العالم الحقيقي، على غرار الإنسان.


تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
TT

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

في المراحل الأولى من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان الحديث يدور في معظمه حول الإمكانات المستقبلية أكثر من النتائج الفعلية، إلا أن هذه المرحلة بدأت تتلاشى تدريجياً. فبيانات الشركات اليوم تشير بوضوح إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت محركاً حقيقياً للعوائد المالية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية.

تقرير عالمي أعدته شركة «سنوفليك»، استند إلى آراء نحو 1900 من قادة الأعمال وتقنية المعلومات في تسع دول، يقدم صورة واضحة عن كيفية قياس المؤسسات لأثر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى نمط متكرر، حيث إن المؤسسات التي تبنّت التقنية مبكراً قد بدأت بالفعل في تحقيق عوائد ملموسة، وفي بعض الحالات عوائد كبيرة.

الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها

أبرز ما يكشفه التقرير هو حجم النجاح في تبني التقنية. إذ أفادت 92 في المائة من المؤسسات بأن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار.

هذا الرقم لافت، خاصة أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل ما زال حديثاً نسبياً. وهو مؤشر على انتقال التقنية من مرحلة التجارب إلى مرحلة التأثير الفعلي في الأعمال.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً، حيث إن 98 في المائة من المشاركين يخططون لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. هذا الجمع بين العوائد الحالية المرتفعة والرغبة شبه الجماعية في زيادة الاستثمار يعكس تحولاً هيكلياً، وليس مجرد موجة مؤقتة.

يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة وتجربة العملاء وتسريع الابتكار وليس فقط خفض التكاليف (غيتي)

من التجربة إلى العائد القابل للقياس

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد وعود، بل بدأت الشركات في قياس أثره بدقة.

فنحو ثلثي المؤسسات باتت تقيس العائد على الاستثمار من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير البيانات إلى أن متوسط العائد يبلغ 1.41 دولار مقابل كل دولار يتم إنفاقه، أي ما يعادل عائداً بنسبة 41 في المائة.

عملياً، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يسهم أيضاً في خلق مصادر دخل جديدة. وتأتي هذه العوائد من تحسين الكفاءة وتسريع العمليات وتعزيز القدرة على استخراج الرؤى من البيانات، كما يظهر التقرير أن 88 في المائة من المؤسسات سجلت تحسناً في الكفاءة في حين لاحظت 84 في المائة تحسناً في تجربة العملاء. كما أن 84 في المائة أيضا شهدت تسارعاً في الابتكار. ويشير ذلك إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في حالات استخدام محدودة، بل أصبح يمتد إلى وظائف الأعمال الأساسية.

تفاوت بين القطاعات

رغم أن متوسط العائد يقارب 41 في المائة، فإن الأداء يختلف بين القطاعات. فبعض الصناعات تحقق نتائج أسرع من غيرها. على سبيل المثال، سجلت شركات الإعلام والإعلان عوائد تصل إلى 69 في المائة، مقارنة بمتوسط عام يبلغ نحو 49 في المائة في بعض القياسات الأحدث. يعكس هذا التفاوت طبيعة الاستخدام. فالقطاعات التي توظف الذكاء الاصطناعي مباشرة في التفاعل مع العملاء، مثل التسويق وصناعة المحتوى، تحقق عوائد أسرع وأكثر وضوحاً.

ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام ثابتاً، فعبر مختلف القطاعات، يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة قابلة للقياس حتى في المراحل المبكرة من اعتماده.

البيانات... العامل الحاسم

رغم هذه النتائج الإيجابية، يسلط التقرير الضوء على تحدي جاهزية البيانات. فنجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على جودة البيانات وتنظيمها. وتشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من الشركات تقوم بالفعل بتخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بياناتها الخاصة.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه 64 في المائة صعوبة في دمج البيانات عبر الأنظمة المختلفة.

وتعاني 59 في المائة من تحديات في حوكمة البيانات ومراقبة جودتها، إضافة إلى ذلك تجد 58 في المائة صعوبة في جعل البيانات جاهزة للاستخدام في الذكاء الاصطناعي، كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 80 في المائة إلى 90 في المائة من بيانات المؤسسات غير مهيكلة، بينما لا يُستخدم سوى جزء محدود منها فعلياً في تدريب النماذج. تعني هذه النتائج أن هناك فجوة واضحة بين قدرات النماذج المتقدمة والبنية التحتية للبيانات.

تمثل جودة البيانات وتكاملها التحدي الأكبر مع فجوة واضحة بين قدرات النماذج والبنية التحتية للبيانات (شاترستوك)

تكاليف أعلى وتحديات في التوسع

رغم العوائد الإيجابية، لا يخلو المشهد من التحديات، خاصة فيما يتعلق بالكلفة والتوسع، إذ تشير البيانات إلى أن 96 في المائة من المؤسسات تجاوزت توقعاتها من حيث التكلفة في جانب واحد على الأقل من مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تفيد 78 في المائة منها بأن نصف حالات الاستخدام أو أكثر كانت أعلى تكلفة من المتوقع. يُفهم من هذا الواقع أن تحقيق نتائج أولية ممكن، لكن توسيع نطاق الاستخدام عبر المؤسسة يفرض تحديات تقنية ومالية إضافية، كما أن متطلبات البنية التحتية، خصوصاً في مجالات التخزين والمعالجة، تتزايد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

انتقال نحو تبنٍ مؤسسي شامل

أحد أبرز التحولات هو اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إذ لم يعد مقتصراً على فرق محددة أو مشاريع تجريبية، بل أصبح يُستخدم في مجالات متعددة مثل عمليات تقنية المعلومات وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والتسويق، كما تستثمر المؤسسات في عدة محاور متوازية، 83 في المائة منها في البرمجيات الداعمة و82 في المائة في البنية التحتية و81 في المائة في البيانات و78 في المائة في النماذج اللغوية الكبيرة و76 في المائة في الكفاءات البشرية.

يؤكد هذا أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالأدوات فقط، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البيانات والتقنيات والمهارات.

نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي

تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ مرحلة مفصلية، فبعد سنوات من الاستثمارات في التحول الرقمي دون عوائد فورية في بعض الأحيان، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة ملموسة منذ المراحل الأولى. ويتضح ذلك من خلال معدلات عائد تتجاوز 40 في المائة وأن أكثر من 90 في المائة من المؤسسات تحقق نتائج إيجابية.

إضافة إلى التزام شبه كامل بزيادة الاستثمارات ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تنافسية فقط، بل أصبح معياراً أساسياً في بيئة الأعمال.

92 في المائة من المؤسسات تحقق عائداً على الاستثمار مع متوسط عائد يقارب 41 في المائة لكل دولار يُنفق (شاترستوك)

المرحلة المقبلة: التوسع والاستدامة

رغم هذه النتائج، لا تزال المؤسسات في مراحل مبكرة نسبياً من التبني. تشير البيانات إلى أن 71 في المائة من الشركات لديها حالات استخدام للذكاء الاصطناعي أكثر مما يمكنها تنفيذه حالياً، ما يعكس ضغطاً متزايداً لتحديد الأولويات، كما ستركز المرحلة المقبلة على توسيع نطاق الاستخدامات الناجحة، مع معالجة تحديات الكلفة والبيانات والتكامل.

من الإمكانات إلى الأداء الفعلي

يمثل الانتقال من الوعود النظرية إلى العوائد الفعلية نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لم تعد تُقاس بما يمكن أن تفعله، بل بما تحققه بالفعل. الشركات اليوم ترى نتائج مالية وتشغيلية واضحة. ومع ذلك، تبقى الرحلة في بدايتها. فالتحديات المرتبطة بالبيانات والتكلفة والتوسع لا تزال قائمة. لكن ما أصبح مؤكداً هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً. بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل المؤسسات وتنافسها ونموها.