«مايكروسوفت» تسعى لصنع كومبيوتر من الخيال العلمي

لتطوير عقاقير جديدة ونظم للذكاء الصناعي

العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
TT

«مايكروسوفت» تسعى لصنع كومبيوتر من الخيال العلمي

العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»

تكرس شركة «مايكروسوفت» استثمارات مالية وإمكانات هندسية هائلة لمجال الكومبيوتر الكمي، في خضم مساعيها لبناء آلة بمقدورها التعامل مع مشكلات تتجاوز حدود قدرات الكومبيوترات الرقمية المتوافرة حاليًا. ويسود عالم التكنولوجيا شعور بتفاؤل متنامٍ إزاء فكرة أن الكومبيوترات الكمية، وهي أجهزة فائقة القدرة، ظل وجودها مقتصرًا على أعمال الخيال العلمي، ربما يكون من الممكن حقًا، بل ومن العملي، إنتاجها. وحال نجاح مثل هذه الآلات، فإنها ستخلف تأثيرا كبيرًا على مجالات متنوعة مثل ابتكار عقاقير جديدة ونظم للذكاء الاصطناعي، بجانب إتاحة الفرصة لتفهم مبادئ الفيزياء الحديثة على نحو أفضل.

نماذج أولية

ويؤكد قرار «مايكروسوفت» بالانتقال من المجال البحثي الخالص نحو توجيه استثمارات لبناء نموذج أولي عامل، على المنافسة العالمية المشتعلة بين شركات التكنولوجيا، بما في ذلك «غوغل» و«آي بي إم» اللتان وضعتا أيضًا استثمارات كبيرة لهذا المجال سعيًا وراء تحقيق قفزات كبرى.
وفي إطار عالم الفيزياء الكمي العجيب، نجحت «مايكروسوفت» في تمييز نفسها عن منافسيها من خلال اختيارها سبيلا مختلفا. ويعتمد توجه الشركة على «تضفير» الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم «أنيونات» Anyons التي يصفها الفيزيائيون بأنها ثنائية الأبعاد، ولبناء وحدات بنائية لكومبيوتر بالغ الضخامة بمقدوره استغلال الخصائص الفيزيائية الفريدة للجسيمات الدقيقة الأصغر من الذرة.
وقد أقر باحثون بارزون بهذا المجال بأن ثمة عقبات لا تزال قائمة في طريق بناء آلات مفيدة تعتمد على الفيزياء الكمية، على مستويي الفيزياء الأساسية وتطوير أنماط جديدة من البرامج لاستغلال سمات معينة في العناصر المعروفة باسم «كيوبيت» Qubit التي تحمل بداخلها إمكانات حوسبة على نحو لا يتوافر لدى الأنظمة الرقمية الحالية.
وعلى خلاف الحال مع أجهزة «الترانزستور» التقليدية، التي يمكنها فقط أن تعمل أو تتوقف عن العمل في لحظة معينة، لتمثل وحدات رقمية إما 1 أو صفر، فإن «كيوبيت» بمقدورها الوجود في الحالتين معًا في الوقت ذاته. وحال وضع «الكيوبيتات» في وضع «معقد»، بمعنى أن تكون منفصلة فعليًا، لكنها تعمل كما لو كانت متداخلة بعمق مع كثير من «الكيوبيتات» الأخرى، فإنها من الممكن أن تمثل عددًا ضخمًا من القيم في الوقت ذاته. والاحتمال الأكبر أن الكومبيوتر المعتمد على الفيزياء الكمية سيتألف من مئات الآلاف من «الكيوبيتات».
جدير بالذكر أن «مايكروسوفت» كانت قد بدأت تمويل أبحاث بهذا المجال عام 2005 عندما أسست بهدوء مختبرًا عُرف باسم «المحطة كيو» تحت قيادة عالم الرياضيات مايكل فريدمان.
الآن، تعتقد «مايكروسوفت» أنها على وشك تصميم الوحدة البنائية الأساسية لـ«الكيوبيت»، مما يجعل الشركة على استعداد لهندسة كومبيوتر كامل، حسبما أوضح تود هولمدال، مدير الشؤون الهندسية المعني بالإشراف على جهود «مايكروسوفت» على هذا الصعيد. وعلى مدى سنوات عدة، تولى هولمدال قيادة مشروعات متنوعة تابعة لـ«مايكروسوفت»، منها جهاز لعبة الفيديو «إكس بوكس» ونظام «هولولينز» للواقع المعزز.
وقال هولمدال: «بمجرد أن نسبر أغوار (الكيوبيت) الأول، ستصبح لدينا خريطة طريق تقودنا إلى آلاف (الكيوبيتات) على نحو مباشر نسبيًا».
ومع ذلك، يبقى ثمة جدال قائم في أوساط علماء الفيزياء وعلوم الكومبيوتر حول ما إذا كان من الممكن أن تتحول الكومبيوترات الكمية التي تقوم بحسابات مفيدة إلى واقع ذات يوم.
يذكر أن مجموعة متنوعة من البرامج البحثية البديلة التي تحاول إنتاج «الكيوبيتات» تستخدم مواد وتصميمات مختلفة. ويعتمد التوجه الذي تنتهجه «مايكروسوفت»، ويعرف باسم «الكومبيوتر الكمي الطوبولوجي»، على مجال بعلم الفيزياء نال دفعة جديدة هذا العام بحصول ثلاثة علماء على جائزة نوبل في الفيزياء عن العمل الأساسي الذي حققوه بمجال صورة المادة التي قد تكون ثنائية الأبعاد.
أيضًا، يضم مشروع هولمدال، علماء الفيزياء ليو كوينهوفن من جامعة ديلفت، وتشارلز إم ماركوس من جامعة كوبنهاغن وديفيد ريلي من جامعة سيدني وماتياس تروير من «إي تي إتش زيوريخ» وسيصبح هؤلاء موظفين لدى «مايكروسوفت» كجزء من «مجموعة الذكاء الصناعي والبحث» التي شكلتها «مايكروسوفت» حديثا تحت قيادة واحد من كبار مسؤوليها الفنيين، هاري شوم. ويقول العلماء الفيزيائيون الذين استعانت بهم الشركة أخيرا إن قرار محاولة بناء كومبيوتر كمي طوبولوجي جاءت في أعقاب إحراز تقدم علمي على امتداد العامين الماضيين بثت في نفوس العلماء ثقة أكبر حيال قدرة الشركة على إنتاج مزيد من «الكيوبيتات» الأكثر استقرارًا.
في هذا الصدد، أوضح د. ماركوس أن «الوصفة السحرية تتضمن مزيجًا من أشباه الموصلات وموصلات فائقة». ونجح الباحثون أخيرا في تحقيق «إنجاز كبير» على صعيد تعزيز قدرتهم على السيطرة على المواد المستخدمة في تشكيل «الكيوبيتات». وتتضمن معظم التوجهات الأخرى المنافسة تبريد الكومبيوترات الكمية لتصل إلى درجة حرارة قرب الصفر.

تفكيك الشفرات

حتى الآن، لا تتوافر سوى القليل نسبيًا من الخوارزميات المؤكدة التي بإمكانها المساهمة في حل المشكلات بصورة أسرع عن الكومبيوترات الرقمية الموجودة حاليًا. ومن بين المحاولات الأولى ما عرف باسم «خوارزمية شور» التي جرى استخدامها في «تفكيك» الأرقام، وهي تحمل أملاً في إمكانية استخدام الكومبيوترات الكمية في المستقبل في «تفكيك» الشفرات.
ومن المحتمل أن يخلف ذلك تداعيات جذرية كبرى على الصعيد العالمي، نظرًا لأن التجارة الإلكترونية الحديثة قائمة على مجموعة من الأنظمة الشفرية التي يتعذر بوجه عام «تفكيكها» باستخدام كومبيوترات رقمية تقليدية. وقد تسمح توجهات أخرى مقترحة بإجراء عمليات بحث أسرع عبر قواعد البيانات أو تنفيذ خوارزميات تعلم آلي، التي يجري استغلالها لإحراز تقدم بمجال التعرف على الصوت والرؤية الحاسوبية.
إلا أنه على المدى القريب، قد تتمكن هذه الآلات من تعزيز تفهم أساسي للفيزياء، الإمكانية التي ذكرها العالم ريتشارد بي فينمان عندما توقع نجاح الإنسان في بناء كومبيوتر كمي عام 1982.
من ناحيته، قال د. كوينهوفن: «التطبيق الذي أحلم به بالنسبة لكومبيوتر كمي يتمثل في إنتاج آلة قادرة على حل مسائل الفيزياء الكمية».

الأنيونات والكومبيوتر الكمي الطوبوبوجي

> «الأنيونات»: هي أشباه جسيمات في فضاء ثنائي الأبعاد، وهي ليست فرميونات أو بوزونات على وجه التحديد (جسيمات ذرية صغيرة)، بيد أنها تشترك مع خاصية الفرميون من حيث عدم القدرة على الاستقرار في حالة واحدة. ومن ثم لا يمكن أن تتقاطع أو تتداخل الخطوط العامة لاثنين من الأنيونات، مما يسمح بتكوين الضفائر التي تشكل دائرة معينة.
> الكومبيوتر الكمي الطوبولوجي: هو حاسوب كمي نظري يستخدم أشباه الجسيمات ثنائية الأبعاد المسماة أنيونات التي تعبر الخطوط العامة فيها فوق بعضها البعض لتكون الضفائر في زمكان ثلاثي الأبعاد (أي بُعد واحد زماني وبعدين مكانيين). وهذه الضفائر تشكل البوابات المنطقية التي يتكون منها الحاسوب.
وفي حين أن عوامل الحاسوب الكمي الطوبولوجي نشأت في مجال رياضي صرف، فإن التجارب التي أجراها مايكل إتش فريدمان (Michael H. Freedman) بالتعاون مع زينغان وانغ (Zhenghan Wang) كلاهما مع شركة «مايكروسوفت» عام 2002، وتجارب مايكل لارسن (Michael Larsen) من جامعة إنديانا، بينت أن من الممكن إنشاء تلك العوامل في العالم الواقعي باستخدام أشباه موصلات مصنوعة من زرنيخيد غاليوم ثلاثي، تقترب من الصفر المطلق وتخضع لحقول مغناطيسية قوية.

* خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.