«مايكروسوفت» تسعى لصنع كومبيوتر من الخيال العلمي

لتطوير عقاقير جديدة ونظم للذكاء الصناعي

العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
TT

«مايكروسوفت» تسعى لصنع كومبيوتر من الخيال العلمي

العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»
العالم تود هولمدال يشرف على تطوير الكومبيوتر الكمي لـ«مايكروسوفت»

تكرس شركة «مايكروسوفت» استثمارات مالية وإمكانات هندسية هائلة لمجال الكومبيوتر الكمي، في خضم مساعيها لبناء آلة بمقدورها التعامل مع مشكلات تتجاوز حدود قدرات الكومبيوترات الرقمية المتوافرة حاليًا. ويسود عالم التكنولوجيا شعور بتفاؤل متنامٍ إزاء فكرة أن الكومبيوترات الكمية، وهي أجهزة فائقة القدرة، ظل وجودها مقتصرًا على أعمال الخيال العلمي، ربما يكون من الممكن حقًا، بل ومن العملي، إنتاجها. وحال نجاح مثل هذه الآلات، فإنها ستخلف تأثيرا كبيرًا على مجالات متنوعة مثل ابتكار عقاقير جديدة ونظم للذكاء الاصطناعي، بجانب إتاحة الفرصة لتفهم مبادئ الفيزياء الحديثة على نحو أفضل.

نماذج أولية

ويؤكد قرار «مايكروسوفت» بالانتقال من المجال البحثي الخالص نحو توجيه استثمارات لبناء نموذج أولي عامل، على المنافسة العالمية المشتعلة بين شركات التكنولوجيا، بما في ذلك «غوغل» و«آي بي إم» اللتان وضعتا أيضًا استثمارات كبيرة لهذا المجال سعيًا وراء تحقيق قفزات كبرى.
وفي إطار عالم الفيزياء الكمي العجيب، نجحت «مايكروسوفت» في تمييز نفسها عن منافسيها من خلال اختيارها سبيلا مختلفا. ويعتمد توجه الشركة على «تضفير» الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم «أنيونات» Anyons التي يصفها الفيزيائيون بأنها ثنائية الأبعاد، ولبناء وحدات بنائية لكومبيوتر بالغ الضخامة بمقدوره استغلال الخصائص الفيزيائية الفريدة للجسيمات الدقيقة الأصغر من الذرة.
وقد أقر باحثون بارزون بهذا المجال بأن ثمة عقبات لا تزال قائمة في طريق بناء آلات مفيدة تعتمد على الفيزياء الكمية، على مستويي الفيزياء الأساسية وتطوير أنماط جديدة من البرامج لاستغلال سمات معينة في العناصر المعروفة باسم «كيوبيت» Qubit التي تحمل بداخلها إمكانات حوسبة على نحو لا يتوافر لدى الأنظمة الرقمية الحالية.
وعلى خلاف الحال مع أجهزة «الترانزستور» التقليدية، التي يمكنها فقط أن تعمل أو تتوقف عن العمل في لحظة معينة، لتمثل وحدات رقمية إما 1 أو صفر، فإن «كيوبيت» بمقدورها الوجود في الحالتين معًا في الوقت ذاته. وحال وضع «الكيوبيتات» في وضع «معقد»، بمعنى أن تكون منفصلة فعليًا، لكنها تعمل كما لو كانت متداخلة بعمق مع كثير من «الكيوبيتات» الأخرى، فإنها من الممكن أن تمثل عددًا ضخمًا من القيم في الوقت ذاته. والاحتمال الأكبر أن الكومبيوتر المعتمد على الفيزياء الكمية سيتألف من مئات الآلاف من «الكيوبيتات».
جدير بالذكر أن «مايكروسوفت» كانت قد بدأت تمويل أبحاث بهذا المجال عام 2005 عندما أسست بهدوء مختبرًا عُرف باسم «المحطة كيو» تحت قيادة عالم الرياضيات مايكل فريدمان.
الآن، تعتقد «مايكروسوفت» أنها على وشك تصميم الوحدة البنائية الأساسية لـ«الكيوبيت»، مما يجعل الشركة على استعداد لهندسة كومبيوتر كامل، حسبما أوضح تود هولمدال، مدير الشؤون الهندسية المعني بالإشراف على جهود «مايكروسوفت» على هذا الصعيد. وعلى مدى سنوات عدة، تولى هولمدال قيادة مشروعات متنوعة تابعة لـ«مايكروسوفت»، منها جهاز لعبة الفيديو «إكس بوكس» ونظام «هولولينز» للواقع المعزز.
وقال هولمدال: «بمجرد أن نسبر أغوار (الكيوبيت) الأول، ستصبح لدينا خريطة طريق تقودنا إلى آلاف (الكيوبيتات) على نحو مباشر نسبيًا».
ومع ذلك، يبقى ثمة جدال قائم في أوساط علماء الفيزياء وعلوم الكومبيوتر حول ما إذا كان من الممكن أن تتحول الكومبيوترات الكمية التي تقوم بحسابات مفيدة إلى واقع ذات يوم.
يذكر أن مجموعة متنوعة من البرامج البحثية البديلة التي تحاول إنتاج «الكيوبيتات» تستخدم مواد وتصميمات مختلفة. ويعتمد التوجه الذي تنتهجه «مايكروسوفت»، ويعرف باسم «الكومبيوتر الكمي الطوبولوجي»، على مجال بعلم الفيزياء نال دفعة جديدة هذا العام بحصول ثلاثة علماء على جائزة نوبل في الفيزياء عن العمل الأساسي الذي حققوه بمجال صورة المادة التي قد تكون ثنائية الأبعاد.
أيضًا، يضم مشروع هولمدال، علماء الفيزياء ليو كوينهوفن من جامعة ديلفت، وتشارلز إم ماركوس من جامعة كوبنهاغن وديفيد ريلي من جامعة سيدني وماتياس تروير من «إي تي إتش زيوريخ» وسيصبح هؤلاء موظفين لدى «مايكروسوفت» كجزء من «مجموعة الذكاء الصناعي والبحث» التي شكلتها «مايكروسوفت» حديثا تحت قيادة واحد من كبار مسؤوليها الفنيين، هاري شوم. ويقول العلماء الفيزيائيون الذين استعانت بهم الشركة أخيرا إن قرار محاولة بناء كومبيوتر كمي طوبولوجي جاءت في أعقاب إحراز تقدم علمي على امتداد العامين الماضيين بثت في نفوس العلماء ثقة أكبر حيال قدرة الشركة على إنتاج مزيد من «الكيوبيتات» الأكثر استقرارًا.
في هذا الصدد، أوضح د. ماركوس أن «الوصفة السحرية تتضمن مزيجًا من أشباه الموصلات وموصلات فائقة». ونجح الباحثون أخيرا في تحقيق «إنجاز كبير» على صعيد تعزيز قدرتهم على السيطرة على المواد المستخدمة في تشكيل «الكيوبيتات». وتتضمن معظم التوجهات الأخرى المنافسة تبريد الكومبيوترات الكمية لتصل إلى درجة حرارة قرب الصفر.

تفكيك الشفرات

حتى الآن، لا تتوافر سوى القليل نسبيًا من الخوارزميات المؤكدة التي بإمكانها المساهمة في حل المشكلات بصورة أسرع عن الكومبيوترات الرقمية الموجودة حاليًا. ومن بين المحاولات الأولى ما عرف باسم «خوارزمية شور» التي جرى استخدامها في «تفكيك» الأرقام، وهي تحمل أملاً في إمكانية استخدام الكومبيوترات الكمية في المستقبل في «تفكيك» الشفرات.
ومن المحتمل أن يخلف ذلك تداعيات جذرية كبرى على الصعيد العالمي، نظرًا لأن التجارة الإلكترونية الحديثة قائمة على مجموعة من الأنظمة الشفرية التي يتعذر بوجه عام «تفكيكها» باستخدام كومبيوترات رقمية تقليدية. وقد تسمح توجهات أخرى مقترحة بإجراء عمليات بحث أسرع عبر قواعد البيانات أو تنفيذ خوارزميات تعلم آلي، التي يجري استغلالها لإحراز تقدم بمجال التعرف على الصوت والرؤية الحاسوبية.
إلا أنه على المدى القريب، قد تتمكن هذه الآلات من تعزيز تفهم أساسي للفيزياء، الإمكانية التي ذكرها العالم ريتشارد بي فينمان عندما توقع نجاح الإنسان في بناء كومبيوتر كمي عام 1982.
من ناحيته، قال د. كوينهوفن: «التطبيق الذي أحلم به بالنسبة لكومبيوتر كمي يتمثل في إنتاج آلة قادرة على حل مسائل الفيزياء الكمية».

الأنيونات والكومبيوتر الكمي الطوبوبوجي

> «الأنيونات»: هي أشباه جسيمات في فضاء ثنائي الأبعاد، وهي ليست فرميونات أو بوزونات على وجه التحديد (جسيمات ذرية صغيرة)، بيد أنها تشترك مع خاصية الفرميون من حيث عدم القدرة على الاستقرار في حالة واحدة. ومن ثم لا يمكن أن تتقاطع أو تتداخل الخطوط العامة لاثنين من الأنيونات، مما يسمح بتكوين الضفائر التي تشكل دائرة معينة.
> الكومبيوتر الكمي الطوبولوجي: هو حاسوب كمي نظري يستخدم أشباه الجسيمات ثنائية الأبعاد المسماة أنيونات التي تعبر الخطوط العامة فيها فوق بعضها البعض لتكون الضفائر في زمكان ثلاثي الأبعاد (أي بُعد واحد زماني وبعدين مكانيين). وهذه الضفائر تشكل البوابات المنطقية التي يتكون منها الحاسوب.
وفي حين أن عوامل الحاسوب الكمي الطوبولوجي نشأت في مجال رياضي صرف، فإن التجارب التي أجراها مايكل إتش فريدمان (Michael H. Freedman) بالتعاون مع زينغان وانغ (Zhenghan Wang) كلاهما مع شركة «مايكروسوفت» عام 2002، وتجارب مايكل لارسن (Michael Larsen) من جامعة إنديانا، بينت أن من الممكن إنشاء تلك العوامل في العالم الواقعي باستخدام أشباه موصلات مصنوعة من زرنيخيد غاليوم ثلاثي، تقترب من الصفر المطلق وتخضع لحقول مغناطيسية قوية.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.