هل تصبح «برايتبارت نيوز» أول صحيفة حكومية أميركية؟

ترامب اختار رئيس تحريرها «مستشارًا استراتيجيًا»

ستيفن بانون رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز» أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية، اختاره الرئيس المنتخب ترامب مديرًا لحملته الانتخابية («الشرق الأوسط»)
ستيفن بانون رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز» أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية، اختاره الرئيس المنتخب ترامب مديرًا لحملته الانتخابية («الشرق الأوسط»)
TT

هل تصبح «برايتبارت نيوز» أول صحيفة حكومية أميركية؟

ستيفن بانون رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز» أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية، اختاره الرئيس المنتخب ترامب مديرًا لحملته الانتخابية («الشرق الأوسط»)
ستيفن بانون رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز» أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية، اختاره الرئيس المنتخب ترامب مديرًا لحملته الانتخابية («الشرق الأوسط»)

في الصيف الماضي، استغرب كثير من الأميركيين (وخصوصًا الصحافيين) عندما اختار المرشح الجمهوري دونالد ترامب رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز»، ستيفن بانون، مديرًا لحملته الانتخابية. وذلك لأن الصحيفة ربما أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية. في ذلك الوقت، لم يدم الاستغراب طويلاً، لأن كثيرًا من الأميركيين (وخصوصًا الصحافيين) ما كانوا يتوقعون أن يفوز ترامب.
لكن، لم يفز ترامب فقط، بل، أيضًا، اختار، أول ما اختار، بانون «مستشارًا استراتيجيًا» في البيت الأبيض (ربما على بعد مكاتب قليلة من المكتب البيضاوي).
لهذا، في الأسبوع الماضي، سألت صحيفة «واشنطن بوست»، في غمز واستهزاء واستخفاف: «هل ستكون صحيفة (برايتبارت نيوز) أول صحيفة حكومية في تاريخ الولايات المتحدة؟».
ما هي «برايتبارت نيوز»؟ ومن هو بانون؟ وماذا تعني كل هذه المفاجآت والتغييرات في تاريخ الصحافة الأميركية، بل في تاريخ أميركا؟
في عام 2007، أسس الصحيفة أندرو برايتبارت، من عائلة يهودية ألمانية (تعني كلمة «برايتبارت» الألمانية: «صاحب الذقن الكثيف»).
في البداية، كانت الصحيفة مجرد موقع في الإنترنت لنشر الأخبار. لكن، في وقت لاحق، ومع تطور تكنولوجيا الإنترنت، أضاف مؤسسها أخبارًا بالصور والفيديو. وحولها بصورة واضحة نحو اليمين، بل اليمين المناكف. وكرر، دون تردد: «موقع هافنغتون بوست ليبرالي مناكف، وموقع برايتبارت يميني مناكف».
هذه بعض الفيديوهات التي نشرها في ذلك الوقت:
أولاً: عضو الكونغرس الديمقراطي أنتوني واينار (زوج هوما عابدين، مستشارة هيلاري كلينتون) في وضع بذيء.
ثانيًا: خطاب شيرلي شيرود، مساعدة وزير الزراعة، في مؤتمر للأميركيين السود، وفيه إساءات عنصرية.
ثالثًا: مسؤولة في منظمة «اكرون» لمساعدة الفقراء تتعاون مع فتيات عاهرات (كن، في الحقيقة، مندوبات وهميات من مركز «برايتهارد»).
في الحالات الثلاث، استقال المسؤولون فورًا.
يتحالف بانون مع شخصيات أميركية يمينية مشهورة، منهم:
الأول: روبرت ميرسار (71 عامًا): من أوائل أباطرة الإنترنت. وتقدر ثروته بأكثر من مليار دولار. وهو من بين الذين يدعمون مركز «هيرتدج» اليميني في واشنطن، ومركز «كاتو» شبه اليميني في واشنطن، ومركز «ميديا ريسيرش» اليميني في رستون (ولاية فرجينيا، ضواحي واشنطن).
الثاني: جارد تايلور، رئيس تحرير مجلة «أميركان رينيصانص» (النهضة الأميركية) اليمينية، ورئيس مركز «نيو سينشاري» (القرن الجديد)، وعضو مجلس إدارة «مجلس المواطنين المحافظين»، ومؤلف كتب، من بينها: «وجهًا لوجه مع العرق» و«الهوية البيضاء» و«سباق مع الزمن» و«العرق والهجرة ومستقبل أميركا».
في الشهر الماضي، في مقابلة صحافية مع صحيفة «واشنطن بوست»، فرق بانون بين «عنصرية» و«متعنصر». وقال إنه، وترامب ليسا من «العنصريين»، لكن من «المتعنصرين».
وضجت أميركا بنقاش جديد عن كلمة جديدة: «متعنصر». هل هي الكلمة الصحيحة؟ ما الفرق بينها وبين «عنصري»؟ حسب بعض التعليقات، هذا هو الاختلاف:
الأولى: «ريسيزم» (عنصرية): عقيدة، مثل الشيوعية، شيء أشبه بالدين، يؤمن به الشخص، ويضحي في سبيله، ويعادي الآخر.
الثاني: «ريشياليزم» (الانتماء العنصري): مثل الافتخار بالانتماء إلى قبيلة، أو لون، أو عرق، دون معاداة الآخر.
وقال بانون قبل سنوات قليلة في مقابلة مع تلفزيون «سي سبان»: «ليوفق الله السود، والسمر، والصفر. لست في معركة معهم. لكن، لا تقدر قوة في الأرض أن تنفي لوني الأبيض. إنه سلالة أفتخر بها».
وأضاف: «نريد أميركا يتساوى فيها الجميع. لا نريد أميركا فيها حقوق خاصة لهذه الفئة ولتلك الفئة. لينال كل شخص حسب عمله. عندما تتدخل الحكومة في أشكال وألوان الناس، وتفضل هذا على هذا، تبدأ المشكلات».
في كل الحالات، انقسم الصحافيون الأميركيون حول بانون (وحول ترامب):
في جانب: تقول أكثرية كثيرة إنهم حزينون، بل غاضبون. وانعكس ذلك في تغطية أخبار ترامب بعد فوزه. (ترامب، نفسه، غرد مرات كثيرة في «تويتر» عما سماها «كراهية» الصحافيين الأميركيين له).
في جانب: تقول أقلية قليلة إن الغضب والحزن لن يغيرا الأمر الواقع، وهو أن ترامب (و«المستشار الاستراتيجي») غيّر، ليس فقط الوضع السياسي في الولايات المتحدة، بل، أيضًا، تاريخ الولايات المتحدة السياسي.
واحدة من هذه الأقلية القليلة شيلي هيبويرث، صحافية في مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» (تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، في نيويورك). في الأسبوع الماضي، كتبت في الصحيفة: «كفانا عاطفية، كفانا هلعًا وولعًا. لنكن واقعيين. هذه هي أميركا الجديدة».
ودعت الصحافيين إلى «تحليل الأمر الواقع»: لماذا فاز ترامب؟ ما القوة الحقيقية لليمين في أميركا؟ كيف سيؤثر ذلك على حاضر ومستقبل أميركا (خصوصًا الإعلام الأميركي).
واتفق معها وويل سومر، صحافي في صحيفة «هيل» (مستقلة، وتتخصص في أخبار الكونغرس). قال: «لنكن واقعيين، صرنا نعيش في عالم ترامب وبانون. عالم صحيفة (برايتبارت نيوز). لهذا، سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى أن نفهم ما يقولون لبعضهم بعضًا».
وقال إنه استغرب عدم أهمية الصحف اليمينية في أذهان أصدقائه الصحافيين الذين يعملون في الصحف الليبرالية. وقال: «رضعت لبن راش ليمبو، وغيره من المعلقين المحافظين، في سن مبكرة. لكن، الآن، تغيرت. لكن، أستمر أومِن بأن الناس، وخصوصًا الصحافيين، يجب ألا يقللوا من أهمية اليمين، وإعلام اليمين».
في الحقيقة، منذ الانتخابات، صارت بعض الشخصيات الإعلامية الكبيرة تهتم باليمين، وإعلام اليمين:
استضاف تريفور نوح، مقدم برنامج ليلي تلفزيوني، تومي لاهيرن، رئيس تحرير موقع «بليز» اليميني.
واستضاف تاكر كارلسون، في تلفزيون «فوكس»، ليز سبيد، مراقبة صحيفة «نيويورك تايمز» للحديث عن إهمال الإعلام اليميني.
وكتب كينيث شتيرن، صحافي سابق في إذاعة «إن بى آر» (شبه الحكومية) عن «أسرار تصويت الأميركيين مع اليمين».
واشترك في النقاش ألكسندر ستيل، أستاذ في كلية الصحافة في جامعة كولومبيا (في نيويورك). وربط بين ترامب والحالة الراهنة للإعلام الأميركي، وما حدث في إيطاليا في عهد رئيس الوزراء برلسكوني، إمبراطور الإعلام الإيطالي.
وقال: «في البلدين، وبسبب حرية الصحافة دون حدود، وحرية امتلاك وسائل الإعلام دون حدود، تسلق ترامب وبرلسكوني إلى قمة الحكم. وليست صدفة أن البلدين من الديمقراطيات الكبيرة التي ليس فيها أي قانون لضمان تعدد الآراء».
وأشار إلى قانون «ميديا فيرنيس» (نزاهة الإعلام) الأميركي الذي ألغاه، في عام 1984، الرئيس الجمهوري رونالد ريغان. وكان ينص على أن أي رأي سياسي يجب أن يذاع، مقابله، رأي سياسي معارض.
وقال ستيل إن ذلك القانون كان يضمن وجود رأي يميني لكثير من الآراء الليبرالية التي يعج بها الإعلام الأميركي (بسبب ميول كثير من الصحافيين نحو الليبرالية). لكن، كما قال: «ها نحن الآن لا نعرف أي شيء عن اليمين، وعن صحافة اليمين. ها نحن الآن لا نكاد نصدق فوز اليمين في الانتخابات».
عن هذا قال شتيرن، صحافي إذاعة «إن بي آر»: «توجد أشياء كثيرة في صحيفة (برايتبارت نيوز) لا أومِن بها، بل ربما أحتقرها. لكن، لا أقدر على أن أنكر أن الصحيفة تعبر عن رأي قطاع ليس صغيرًا من الشعب الأميركي يؤمن بآراء تبدو لنا غريبة، أو يمينية، أو حتى رجعية».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.