هل تصبح «برايتبارت نيوز» أول صحيفة حكومية أميركية؟

هل تصبح «برايتبارت نيوز» أول صحيفة حكومية أميركية؟

ترامب اختار رئيس تحريرها «مستشارًا استراتيجيًا»
الاثنين - 20 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 19 ديسمبر 2016 مـ
ستيفن بانون رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز» أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية، اختاره الرئيس المنتخب ترامب مديرًا لحملته الانتخابية («الشرق الأوسط»)

في الصيف الماضي، استغرب كثير من الأميركيين (وخصوصًا الصحافيين) عندما اختار المرشح الجمهوري دونالد ترامب رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز»، ستيفن بانون، مديرًا لحملته الانتخابية. وذلك لأن الصحيفة ربما أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية. في ذلك الوقت، لم يدم الاستغراب طويلاً، لأن كثيرًا من الأميركيين (وخصوصًا الصحافيين) ما كانوا يتوقعون أن يفوز ترامب.
لكن، لم يفز ترامب فقط، بل، أيضًا، اختار، أول ما اختار، بانون «مستشارًا استراتيجيًا» في البيت الأبيض (ربما على بعد مكاتب قليلة من المكتب البيضاوي).
لهذا، في الأسبوع الماضي، سألت صحيفة «واشنطن بوست»، في غمز واستهزاء واستخفاف: «هل ستكون صحيفة (برايتبارت نيوز) أول صحيفة حكومية في تاريخ الولايات المتحدة؟».
ما هي «برايتبارت نيوز»؟ ومن هو بانون؟ وماذا تعني كل هذه المفاجآت والتغييرات في تاريخ الصحافة الأميركية، بل في تاريخ أميركا؟
في عام 2007، أسس الصحيفة أندرو برايتبارت، من عائلة يهودية ألمانية (تعني كلمة «برايتبارت» الألمانية: «صاحب الذقن الكثيف»).
في البداية، كانت الصحيفة مجرد موقع في الإنترنت لنشر الأخبار. لكن، في وقت لاحق، ومع تطور تكنولوجيا الإنترنت، أضاف مؤسسها أخبارًا بالصور والفيديو. وحولها بصورة واضحة نحو اليمين، بل اليمين المناكف. وكرر، دون تردد: «موقع هافنغتون بوست ليبرالي مناكف، وموقع برايتبارت يميني مناكف».
هذه بعض الفيديوهات التي نشرها في ذلك الوقت:
أولاً: عضو الكونغرس الديمقراطي أنتوني واينار (زوج هوما عابدين، مستشارة هيلاري كلينتون) في وضع بذيء.
ثانيًا: خطاب شيرلي شيرود، مساعدة وزير الزراعة، في مؤتمر للأميركيين السود، وفيه إساءات عنصرية.
ثالثًا: مسؤولة في منظمة «اكرون» لمساعدة الفقراء تتعاون مع فتيات عاهرات (كن، في الحقيقة، مندوبات وهميات من مركز «برايتهارد»).
في الحالات الثلاث، استقال المسؤولون فورًا.
يتحالف بانون مع شخصيات أميركية يمينية مشهورة، منهم:
الأول: روبرت ميرسار (71 عامًا): من أوائل أباطرة الإنترنت. وتقدر ثروته بأكثر من مليار دولار. وهو من بين الذين يدعمون مركز «هيرتدج» اليميني في واشنطن، ومركز «كاتو» شبه اليميني في واشنطن، ومركز «ميديا ريسيرش» اليميني في رستون (ولاية فرجينيا، ضواحي واشنطن).
الثاني: جارد تايلور، رئيس تحرير مجلة «أميركان رينيصانص» (النهضة الأميركية) اليمينية، ورئيس مركز «نيو سينشاري» (القرن الجديد)، وعضو مجلس إدارة «مجلس المواطنين المحافظين»، ومؤلف كتب، من بينها: «وجهًا لوجه مع العرق» و«الهوية البيضاء» و«سباق مع الزمن» و«العرق والهجرة ومستقبل أميركا».
في الشهر الماضي، في مقابلة صحافية مع صحيفة «واشنطن بوست»، فرق بانون بين «عنصرية» و«متعنصر». وقال إنه، وترامب ليسا من «العنصريين»، لكن من «المتعنصرين».
وضجت أميركا بنقاش جديد عن كلمة جديدة: «متعنصر». هل هي الكلمة الصحيحة؟ ما الفرق بينها وبين «عنصري»؟ حسب بعض التعليقات، هذا هو الاختلاف:
الأولى: «ريسيزم» (عنصرية): عقيدة، مثل الشيوعية، شيء أشبه بالدين، يؤمن به الشخص، ويضحي في سبيله، ويعادي الآخر.
الثاني: «ريشياليزم» (الانتماء العنصري): مثل الافتخار بالانتماء إلى قبيلة، أو لون، أو عرق، دون معاداة الآخر.
وقال بانون قبل سنوات قليلة في مقابلة مع تلفزيون «سي سبان»: «ليوفق الله السود، والسمر، والصفر. لست في معركة معهم. لكن، لا تقدر قوة في الأرض أن تنفي لوني الأبيض. إنه سلالة أفتخر بها».
وأضاف: «نريد أميركا يتساوى فيها الجميع. لا نريد أميركا فيها حقوق خاصة لهذه الفئة ولتلك الفئة. لينال كل شخص حسب عمله. عندما تتدخل الحكومة في أشكال وألوان الناس، وتفضل هذا على هذا، تبدأ المشكلات».
في كل الحالات، انقسم الصحافيون الأميركيون حول بانون (وحول ترامب):
في جانب: تقول أكثرية كثيرة إنهم حزينون، بل غاضبون. وانعكس ذلك في تغطية أخبار ترامب بعد فوزه. (ترامب، نفسه، غرد مرات كثيرة في «تويتر» عما سماها «كراهية» الصحافيين الأميركيين له).
في جانب: تقول أقلية قليلة إن الغضب والحزن لن يغيرا الأمر الواقع، وهو أن ترامب (و«المستشار الاستراتيجي») غيّر، ليس فقط الوضع السياسي في الولايات المتحدة، بل، أيضًا، تاريخ الولايات المتحدة السياسي.
واحدة من هذه الأقلية القليلة شيلي هيبويرث، صحافية في مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» (تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، في نيويورك). في الأسبوع الماضي، كتبت في الصحيفة: «كفانا عاطفية، كفانا هلعًا وولعًا. لنكن واقعيين. هذه هي أميركا الجديدة».
ودعت الصحافيين إلى «تحليل الأمر الواقع»: لماذا فاز ترامب؟ ما القوة الحقيقية لليمين في أميركا؟ كيف سيؤثر ذلك على حاضر ومستقبل أميركا (خصوصًا الإعلام الأميركي).
واتفق معها وويل سومر، صحافي في صحيفة «هيل» (مستقلة، وتتخصص في أخبار الكونغرس). قال: «لنكن واقعيين، صرنا نعيش في عالم ترامب وبانون. عالم صحيفة (برايتبارت نيوز). لهذا، سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى أن نفهم ما يقولون لبعضهم بعضًا».
وقال إنه استغرب عدم أهمية الصحف اليمينية في أذهان أصدقائه الصحافيين الذين يعملون في الصحف الليبرالية. وقال: «رضعت لبن راش ليمبو، وغيره من المعلقين المحافظين، في سن مبكرة. لكن، الآن، تغيرت. لكن، أستمر أومِن بأن الناس، وخصوصًا الصحافيين، يجب ألا يقللوا من أهمية اليمين، وإعلام اليمين».
في الحقيقة، منذ الانتخابات، صارت بعض الشخصيات الإعلامية الكبيرة تهتم باليمين، وإعلام اليمين:
استضاف تريفور نوح، مقدم برنامج ليلي تلفزيوني، تومي لاهيرن، رئيس تحرير موقع «بليز» اليميني.
واستضاف تاكر كارلسون، في تلفزيون «فوكس»، ليز سبيد، مراقبة صحيفة «نيويورك تايمز» للحديث عن إهمال الإعلام اليميني.
وكتب كينيث شتيرن، صحافي سابق في إذاعة «إن بى آر» (شبه الحكومية) عن «أسرار تصويت الأميركيين مع اليمين».
واشترك في النقاش ألكسندر ستيل، أستاذ في كلية الصحافة في جامعة كولومبيا (في نيويورك). وربط بين ترامب والحالة الراهنة للإعلام الأميركي، وما حدث في إيطاليا في عهد رئيس الوزراء برلسكوني، إمبراطور الإعلام الإيطالي.
وقال: «في البلدين، وبسبب حرية الصحافة دون حدود، وحرية امتلاك وسائل الإعلام دون حدود، تسلق ترامب وبرلسكوني إلى قمة الحكم. وليست صدفة أن البلدين من الديمقراطيات الكبيرة التي ليس فيها أي قانون لضمان تعدد الآراء».
وأشار إلى قانون «ميديا فيرنيس» (نزاهة الإعلام) الأميركي الذي ألغاه، في عام 1984، الرئيس الجمهوري رونالد ريغان. وكان ينص على أن أي رأي سياسي يجب أن يذاع، مقابله، رأي سياسي معارض.
وقال ستيل إن ذلك القانون كان يضمن وجود رأي يميني لكثير من الآراء الليبرالية التي يعج بها الإعلام الأميركي (بسبب ميول كثير من الصحافيين نحو الليبرالية). لكن، كما قال: «ها نحن الآن لا نعرف أي شيء عن اليمين، وعن صحافة اليمين. ها نحن الآن لا نكاد نصدق فوز اليمين في الانتخابات».
عن هذا قال شتيرن، صحافي إذاعة «إن بي آر»: «توجد أشياء كثيرة في صحيفة (برايتبارت نيوز) لا أومِن بها، بل ربما أحتقرها. لكن، لا أقدر على أن أنكر أن الصحيفة تعبر عن رأي قطاع ليس صغيرًا من الشعب الأميركي يؤمن بآراء تبدو لنا غريبة، أو يمينية، أو حتى رجعية».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة