انطلاق مؤسسة تعنى بمستقبل الفيلم العربي

«الشرق الأوسط» في مهرجان دبي السينمائي الدولي (5) الوضع السوري يتبلور في فيلم رائع حول الثورة التي تنحر

المخرجة اللبنانية إيليان الراهب - الفيلم السوري «ذاكرة باللون الخاكي» للمخرج ألفوز طنجور - من «عرق الشتا» للمخرج المغربي حكيم بلعباس
المخرجة اللبنانية إيليان الراهب - الفيلم السوري «ذاكرة باللون الخاكي» للمخرج ألفوز طنجور - من «عرق الشتا» للمخرج المغربي حكيم بلعباس
TT

انطلاق مؤسسة تعنى بمستقبل الفيلم العربي

المخرجة اللبنانية إيليان الراهب - الفيلم السوري «ذاكرة باللون الخاكي» للمخرج ألفوز طنجور - من «عرق الشتا» للمخرج المغربي حكيم بلعباس
المخرجة اللبنانية إيليان الراهب - الفيلم السوري «ذاكرة باللون الخاكي» للمخرج ألفوز طنجور - من «عرق الشتا» للمخرج المغربي حكيم بلعباس

خطوة سبق وأشارت إليها صحيفة «الشرق الأوسط» منذ سنتين، جرى الإعلان عنها يوم أول من أمس؛ مؤسسة سينمائية عربية شاملة، باسم «مؤسسة الفيلم العربي»، تسعى لتكون فاعلاً مؤثرًا في حياة السينما العربية. مؤسسة تقبل، كما يشير منشورها، على «خلق منبر لتبادل الخبرات والأفكار بين محترفي السينما العربية» و«تأمين برامج تدريب من المستوى العالمي للمبدعين في صناعة الأفلام الروائية، الوثائقية والتحريك في المنطقة».
في المؤتمر الصحافي الذي أقيم في اليوم الخامس من أيام «مهرجان دبي السينمائي الدولي» للغاية جلس المؤسسون أمثال الأردني جورج ديفيد والمصري محمد حافظ والتونسية دورا بوشوشة والقطري حافظ علي (هناك من غاب أيضًا) يعرضون أفكارهم حول هذا الموضوع ويكشفون عن أنه بدءًا من عام 2018 سوف تعلن مسابقة على غرار الأوسكار وجائزة الفيلم الأوروبي تشمل 19 بندًا من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل ممثلة، وفي مجالات أخرى مثل السيناريو والتصوير والمونتاج وغيرها. لكن هناك نقص في المعلومات المتوفرة لما هو أبعد وأعمق.
كيف يمكن لهذه المؤسسة أن تتجاوز عثرات الوضع الصناعي الحالي من إنتاج وتسويق؟ كيف ستتيح للسينمائيين المنضمين تحت لوائها (مقابل 1000 دولار سنويًا و80 دولارًا للأفراد) ضمان عرض أفلامهم في سوق تشرف عليها صالات يرفض معظم أصحابها عرض أفلام لا يرونها رابحة؟ هذه وأسئلة أخرى عليها أن تطرح والمؤسسة على أعتاب بدايتها عوض محاولة مواجهتها لاحقًا لضمان فاعلية عملها ونجاحها المرهون بمعطيات وتفاصيل كثيرة.

ثلاث مواهب

طبعًا من السهل (والمطلوب) طرح هذه الأسئلة وأكثر منها، لكن هذا الطرح لا يجب أن يغطي على أهمية الخطوة بحد ذاتها. نجاحها مرهون بالتوافق بين المؤسسين على تحديد تفاصيل تلك الأهداف المنوطة بها وعلى حيادية واستقلالية المؤسسة بحيث لا تنقلب، وهي مؤسسة خاصة، إلى محط تجاذب للمصالح.
مهرجان دبي نفسه لا يتوقف عن الكشف عن مواهب جديدة وهذا العام تساعده مؤسسة «سكرين» (ناشرة مجلة Screen البريطانية التي تصدر هنا نشرة يومية بالإنجليزية (لأكثر من نصف صفحاتها) والعربية. فهي تدأب على لفت الأنظار إلى مجموعة واعدة من السينمائيين الذين يقفون على درجات المستقبل الأولى.
من بين هؤلاء اللبنانية مٌنيا عقل وهي أنجزت سابقًا فيلمًا حاز الإعجاب عنوانه «بيروت، أحبك» مع شريكة عمل اسمها سيريل عريس. هذا الفيلم القصير دفعهما لتحقيق أفلام قصيرة أخرى تحت العنوان ذاته وكل هذا قبل أن تنجز فيلمها الجديد «غواصة» والآن هي طالبة بجامعة كولومبيا في نيويورك وستتخرّج في مطلع العام المقبل.
على النحو ذاته، نجد المخرجة اللبنانية إيليام الراهب التي تعد العدّة للبدء بتصوير فيلم بعنوان «العائلة العظيمة» The Great Family الذي يقوم على حكاية مثيرة للاهتمام: طفلة فلسطينية لجأت إلى أغصان شجرة لكي تنجو بنفسها خلال مذبحة تل الزعتر في لبنان الحرب الأهلية. تكتشفها عائلة فرنسية وتنقلها إلى مدينة تولوز حيث تعيش. الآن هي امرأة في أربعينات حياتها تكتشف حقيقة تاريخها وأنها ليست طفلة هذه العائلة. ليليان من بين أكثر المواهب اللبنانية الشابة وسبق لها أن أنجزت «أيام بلا نوم» الذي عرض في أحد دورات مهرجان دبي السابقة.
هناك أيضًا عبد الله طايا، وهو مخرج مغربي سبق له أن حقق «جيش الخلاص» سنة 2014 روى فيه، بجدية، حكاية شخصية جريئة تفسر، لمشاهدي الفيلم (وقارئي روايته التي تم اقتباس الفيلم عنها) الظروف العاطفية والاجتماعية التي جعلته مثليًا.
الآن يخطط عبد الله لتحقيق فيلمه المقبل «الكنز» وعلى عكس الفيلم السابق، سوف لن يكون من بطولته ولن يخلو من النجوم أو بعضهم على الأقل. إيزابيل أوبير هي واحدة من الممثلين والممثلات الفرنسيين الذين سيلتحقون بهذا العامل.

حياة خاصة

في الحقيقة، ليس هناك نقص في المواهب العربية العاملة. فجأة رهط جديد من المخرجين ينطلقون للعمل وتقديم أفلامهم الأولى، كما كان الحال في السنوات السابقة، ومهرجان دبي هو من نجح، أكثر من سواه من المهرجانات، في احتواء العدد الأكبر من المحاولات.
هناك، على سبيل المثال فقط، المخرج التونسي محمد بن عطية صاحب «نحبك هادي» الذي يتنافس على المهر الطويل هذا العام. الفيلم كان حظي بفضية مهرجان برلين السينمائي في مطلع هذه السنة ويتحدث عن ذلك الموظف الذي ينتفض من واقعه الرتيب (عمل، بيت، زواج تم إقراره من دون حب) حال يتعرّف على امرأة تعمل مرشدة سياحية. فيلم جيد في كل أركانه مع حاجة لإتمام قدر من التوازن في السرد. الحبكة متواضعة والانتقال بالسيارة ما بين المدينة الكبيرة والبلدة الصغيرة على الشاطئ أكثر من مرّة منهك للفيلم بسبب تكراره. لكن الفيلم، عدا هذه الناحية، جيد ويحمل سمات السينما الأوروبية كحال عدد غير قليل من الأفلام التي ينفذها سينمائيون من شمال أفريقيا.
موهبة أخرى شاهدنا لها فيلمًا هنا في عداد مسابقة المهر الطويل (الذي يضم أفلاما روائية وغير روائية) هو «النسور الصغيرة». المخرج هو محمد رشاد، الذي سبق له أن حقق فيلمين ربما قصيرين. فيلمه الحالي هذا تسجيلي طويل يطوف بعلاقة المخرج نفسه بأبيه وبالذكريات وبثورة الربيع ومن خلال ذلك يكتشف ماضي والده ويقف على المستقبل الافتراضي لحياته.
هذا واحد من أفلام متكاثرة شملت للآن أفلاما لبنانية وعراقية ومصرية تصر على أن تدور حول شخوص مخرجيها أو عن عائلاتهم المباشرة. لكن في حين أن فيلمًا هادرًا بالأحداث في هذا المفاد، مثل «أوديسا عراقية» للمخرج سمير (كما يكتفي باسم واحد)، تعجز كثير من الأفلام الأخرى عن جذب الاهتمام لما هو سرد رتيب لحياة خاصة قد يؤمن المخرج بضرورة صنع فيلم عنها، لكن غالبًا لا يوازي هذا الاهتمام أي تفعيل يُثيره.
في العروض المتسابقة أيضًا فيلم آخر لمخرج جديد هو فاتشي بولغورجيان عنوانه «ربع». دراما أسرة مصنوعة بقدر كبير من العناية حتى لا تتهاوى تحت أي ثقل ميلودرامي حول شاب أعمى اسمه ربيع (عنوان الفيلم أيضًا) يريد السفر لكن جواز السفر الذي بحوزته مزوّر. عليه الآن البحث عن وثيقة ميلاده وبالتالي عن هويته في بلد بات يعيش بلا هوية.

في قعر الحياة

هؤلاء المخرجون، وسواهم في المسابقة أو خارجها، يشاطرون المخرجين الأكثر تجربة من بينهم إيليان الراهب ذاتها التي قدّمت هنا «ميّل يا غزيّل»: انسياب تسجيلي حول رجل مسيحي اسمه هيكل يعيش في أعالي جرود عكّار وكيف يدير شؤون حياته ويتواصل مع أبناء المنطقة التي تضم مسيحيين ومسلمين. للفيلم ناصية حب الاكتشاف ممارسة بدافع فضول واضح. إيليان تحب إثارة الشغب بصمت. تترك كاميرتها معلّقة بأهداب وجوه قد تقول الحقيقة وقد تخفيها.
على ذلك، فإن الفيلم يعجز - بكليّته عن تبرير موضوعه على نحو يتجاوز شخصيته المحتفى بها. هو حريص على إظهار رغبة هيكل حماية أصر المودة والعلاقات القائمة بين مختلف الأطراف، لكنه يستمر على نحو استطرادي (كان بالأصل فيلمًا قصيرًا) بحرارة محدودة.
إنها الشخصيات الوحيدة التي تركتها الحياة تعيش بأقل ما يمكن لها من فرص وحظوظ وقدرات. لكن «ميّل يا غزيّل» لا يثير الأسى مطلقًا وشخصياته تظهر قوية ومتحدية على عكس أفلام أخرى شوهدت هنا.
أحد هذه الأفلام هو المصري «أخضر يابس» للمخرج محمد حمّاد. دراما رائعة التنفيذ، كتابة وإخراجًا مع تمثيل جيد من هبة علي التي تقود الحكاية منفردة. إنها الشقيقة الأكبر التي عليها أن تعمل وتؤمن الحياة المعيشية للبيت وتساعد شقيقتها الصغرى (أسماء فوزي) على تجهيز نفسها لحفل العرس وتبحث عن معين بين أقربائها من الرجال لكي يؤمّوا حفلة الزفاف وينوبوا عن الأب الراحل في إتمام شعائرها. لكنها لا تجد أذنًا صاغية. هناك عم قطع العلاقة وآخر يتحجج بقرب سفره وخال مريض.
يفتح الفيلم بؤرته على الحياة التي تركض أمام بطلته وليس معها. المدينة التي تخيب الرجاء والشخصيات الأخرى المكتفية بأقل قدر من المسؤوليات والهموم. إنها وحيدة وسينتهي الفيلم بها على ذلك الوضع.
في هذا التكوين من الشخصيات التي لا تعلو كثيرًا عن مستوى الأرض التي تعيش فوقها، يأتينا فيلم المغربي حكيم بلعباس الروائي «عرق الشتا». إنه المخرج الذي أوفد أفلامه إلى هذا المهرجان أكثر من مرّة فشاهدنا له سابقًا «خيط الروح» و«علاش البحر» و«أشلاء» و«هذه الأيادي» و«شي غادي شي جاي». أعمال دائمًا ما قامت بالالتفاف نحو الناس الأقل حظًا من الآخرين. يعيشون في الريف. يقتاتون من الأرض ويتعاملون مع مواسمها وشروطها القاسية ويودعون أحلامهم وآمالهم في غياهب إدراكهم بأن لا شيء سيتغير بالنسبة إليهم.
«عرق الشتا» هو عن عائلة مؤلفة من الأب وأبيه الخرف وابنه المعاق وزوجته. المصرف يحاول انتزاع أرضه منه وهو يرى كيف سيخسر تلك الأرض إذا ما لم ينقذه نفسه بالهجرة بعدما سدّت سبل الدين أمامه.
خلفية المخرج في السينما التسجيلية موظّفة بجدارة. هناك مخرجون بخلفية تسجيلية يحققون أفلامهم الروائية بالطريقة ذاتها. لكن بلعباس ينسج الروائي والتسجيلي بالأسلوب الموحد نفسه. يعامل من أمامه من شخصيات بنبش تفاصيلها وتجسيد تلك التفاصيل مؤلّفًا قدرة على منح الحياة بكاملها كل ما هو حاضر منها. هناك البشر وهناك الماعز وهناك الدجاجات والثعابين والعقارب والنمل تعيش مع الشخصيات الناطقة حياة مشتركة. مصيرها جميعًا مصير واحد.
يلتقط بلعباس خيوطه الدرامية بتأنٍ ويؤسس لشخصياته من دون عجلة. لكنه في النهاية، وبعدما يسبر مليّا وعلى نحو رائع، كل شخصية على نحو منفرد، يواصل التصوير حتى من بعد أن تنتهي، على حسب قوله «الحياة في الفيلم» معتبرًا أن ربع الساعة الأخيرة أو نحوها هي متابعة لـ«الحياة في الحياة».

تسجيلي عن سوريا

كل هذا ما يدلف بنا إلى فيلم رائع آخر هو الفيلم السوري (التسجيلي) «ذاكرة باللون الخاكي» (كما يحرص الفيلم تسمية اللون الكاكي المميز للشرطة والأمن) للمخرج ألفوز طنجور.
يبدأ بما يبدو تنفيذ حكم إعدام بحق ولد صغير ثم ينطلق صوب عدة شخصيات سورية انتقلت مضطرة من سوريا إلى الدول التي هاجرت إليها (عبر الأردن وتركيا إلى فنلندا بين أخرى). يسرد المخرج وسط هذه الشخصيات ذكرياته ورؤاه حول سوريا في الأمس القريب واليوم. وتشاركه مختلف الشخصيات الثلاث التي تروي ما حدث لها ووجهات نظرها في تسديد التهم فيما وصلت إليه سوريا من وضع مأسوي وتمزق كبير إلى ذلك المنهج الديكتاتوري لحكّامها متسائلاً، قبيل النهاية، عن كيف يمكن لفرد واحد أن يتحدث عن كل ملايين الأفراد من الناس ويخبرهم ما يقولون ومتى يقولونه.
يعود الفيلم إلى الثمانينات ومجزرة حماة التي أمر بها حافظ الأسد ثم يتقدم تدريجيًا إلى الوضع الحالي ويربط بين الزمانين بنفق ملؤه السجن والتعذيب والإهانة لكل من جرؤ على المعارضة. يأتي على تلك السطوة التي تمتع بها النظام منذ عقود والتي كانت السبب في الثورة العفوية التي انطلق بها الشعب السوري في مطلع الأحداث.
المضمون السياسي والإنساني لا يسيطر وحده ولا كان يمكن له أن يأتي بهذه القوّة لولا نجاح المخرج في رفع مستوى أدواته التقنية والفنية إلى حد يجعل من هذا الفيلم التسجيلي أهم عمل تسجيلي عن الوضع السوري تم تحقيقه منذ بداية الأزمة قبل أكثر من خمس سنوات.
قدرة المخرج على متابعة ما يرد على ألسنة شهود عيانه (كلهم خريجو زنزانات التعذيب) واختيار الصادم مما يروونه والإنساني فيما يتلونه بنسيج من البصريات المؤيدة التي لا تضن على مشاهديها بالرقي في مستوى الصورة ولا في تحميلها المعاني والرموز المتصلة بالوضع المأسوي العام.
أهم ما في كل ذلك أن الفيلم ليس وثائقيًا ولا - بحد ذاته مأسويًا بل يرفض الإذعان لما تذهب إليه أفلام متجزئة أخفقت في منح الموضوع المعالجة الفنية التي يحتاج إليها. المخرج طنجور يهتم بكيف يحقق العمل وليس فقط بماذا يروي فيه. يحشد، ببراعة، كل تلك المشاعر التي يستعرضها ثم يفجرها مونتاجيًا قرب النهاية كبركان ثورة فاعل وحتمي. القصف يختلط بالكلمات الموجعة. الدمار بمشاهد من الوداعة في الدول التي هاجر الآخرون إليها. يكثر من تصوير الجماليات حتى تلك المستنتجة من الواقع المؤسف والحزين. الفيلم بذلك كتلة فنية متلاحمة لا تستعطف ولا تكيل الخطب ولا تستثمر في المأساة إلا في نطاق تقديم عمل راق في معالجته، حريص على إنجازه الفني بقدر حرصه على استطلاع الحقائق وربما أكثر.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».