عناق سينمائي مغربي ـ روسي في مهرجان مراكش للفيلم

عناق سينمائي مغربي ـ روسي في مهرجان مراكش للفيلم

الجمهور المغربي يتعرف على التاريخ الحافل للفن السابع الروسي
الجمعة - 10 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 09 ديسمبر 2016 مـ
الممثلة والمخرجة الفرنسية فاني أردان في مهرجان مراكش في تكريم السينما الروسية - تكريم السينما الروسية - عرض راقص من تراث المغرب وروسيا في مهرجان مراكش

ثلاثون فيلما تضمنها برنامج تكريم السينما الروسية في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، في دورة هذه السنة. أفلام تختصر تطورا، ينقل فترة الاتحاد السوفياتي وصولا إلى ما بعد انهيار جدار برلين وتفتت الاتحاد، لنصير إلى روسيا الاتحادية. من فيلم «المدرعة بوتمكين» (1925)، مرورًا بأفلام «حين تطير اللقالق» (1958) و«أنشودة الجندي» (1960) و«مدينة الصفر» (1989) و«المنهكون من الشمس» (1994) و«سجين الجبال» (1997)، وصولاً إلى «عشاق الصرعات» (2008) و«الأحمق» (2014) و«التلميذ» (2016)، تعرف الجمهور المغربي على أعمال مخرجين، قدموا لسينما مختلفة، بشكل كبير عما يقدم في غرب أوروبا؛ لذلك قالت الممثلة والمخرجة الفرنسية فاني أردان، التي قدمت نجمة تكريم السينما الروسية في أمسية حضر فيها تراث البلدين الراقص، إنه بفضل هذه السينما القادمة من الشرق اغتنت السينما الأوروبية فصارت «أكثر إنسانية وروحانية».
وشكل حفل تكريم السينما الروسية في المهرجان السينمائي المغربي فرصة لاكتشاف التطور الذي حصل ما بين مرحلتي الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية، وعبرهما التاريخ الحافل للفن الروسي.
المخرج، كاتب السيناريو والمنتج والمدير العام لاستوديو موسفيلم، كارين شاخنازاروف، الذي ترأس وفد بلاده المكون من عشرين سينمائيا، قال إن الأفلام المبرمجة في المهرجان المغربي «تجسد الحقب التي تنتمي إليها»، كما «تجسد عمق وجوهر اللحظة التي نشأت فيها» بشكل يمكن المتتبع من إدراك «الفرق بين الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية».
وكان شاخنازاروف قد كتب، في تقديم تكريم سينما بلاده في مراكش إن «سنة 2016 في روسيا هي سنة السينما، لذلك نأمل في أن يكتشف الجمهور المغربي التاريخ الحافل للفن السابع الروسي. وعلى الرغم من أن المغرب وروسيا تفصلهما القارات والثقافات والتقاليد، لكننا نتفاهم بشكل جيد من خلال لغة السينما. ومهما كانت الجوانب التاريخية المختلفة لبلدينا، فإن الجمهور سيستوعب أفلامنا التي تتحدث عن المشكلات المشتركة للإنسانية جمعاء، ولكن، أيضًا، عن الحب والعاطفة والأمل واليأس والهزائم وكذا الانتصارات. هناك مقولات متشابهة في المغرب وفي روسيا؛ فنحن، مثلا، لدينا حكمة تقول إن قيمة الصداقة والأخوة أغنى من الثروة، بينما يقول مثل مغربي إن فرحة اللقاء بالأصدقاء كطعم العسل. أتمنى أن يكتشف جمهور مراكش السينما الروسية بفضل المهرجان، وأن يمنحنا هذا الأخير جميعا، كما تقول هذه الحِكم، فرحة اللقاء بأصدقاء جدد».
من جهتها، قدمت فاني أردان، مخرجة فيلم «كنبة ستالين»، من بطولة جيرار دوبارديوه، للسينما الروسية بكلمة دافئة، تحدثت فيها عن الوفد الروسي، فقالت إن «كل واحد من بين أعضائه أتى محملا بشخصيته وخصوصيته وعوالمه ورؤيته الخاصة للإنسان والعالم. كلهم روس، لكنهم مختلفون كأشجار الغابة. هم جزء من كل. يوحدهم عشقهم للسينما. يعبرون عن تاريخ مضطرب، وكلهم مرتبطون بعادات فنية قديمة وخلاقة. جزء من موروث مليء بالوعود». كما أبرزت كيف أن الفنان الروسي فتح طريقًا للحرية بالمقاومة وروح السخرية، دفاعًا عن الكرامة مهما كان الثمن، وبتفضيل طرح السؤال على تلقي الجواب.
وضمن البرنامج العام لعروض التكريم، تضمنت أمسية التكريم عرض فيلم «المبارز» لمخرجه أليكسي ميزكيريف، وهو فيلم تدور أحداثه في سانت بيترسبورغ، في 1860، من خلال قصة ياكوفليف، الجندي السابق الذي أصبح مبارزًا محترفًا، فبات يحارب لفائدة من يدفعون له أجرًا ممن لا يريدون القتال أو لا يقدرون على ذلك، إما بدافع الخوف أو الضعف. لكن، ياكوفليف لم يعد له سوى هاجس واحد فقط؛ هو استعادة شرفه والانتقام ممن جعله يفقد كل شيء.
ولاحظ المتتبعون، من خليط الأفلام المعروضة، التطور الذي حصل بين الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية، على صعيد الممارسة السينمائية. وكتب جويل شاربون، المتخصص في السينما الروسية، مستعرضًا تطورها، أنه «رغم وجود مخترعين كبار من الروس في مجال الصورة المتحركة، فإن الفرنسيين هم من فرضوا أجهزتهم ومعداتهم الخاصة في المجال من خلال قيامهم بأول عرض سينمائي في سانت بيترسبورغ يوم 4 مايو (أيار) 1896». وكان ماكسيم كوركي أول كاتب في العالم علق على هذا الحدث الجديد في شهر يوليو (تموز) من سنة 1896. وقام لوميير، ومن بعده كومون وباطي سنة 1904 بعرض الصور الوافدة من فرنسا وبتصوير الأحداث الكبرى. وشهدت سنة 1908 حدث إخراج أول فيلم روائي روسي بعنوان «ستينكا رازين» لألكسندر درانكوف. وفي سنة 1910، قامت نحو خمس عشرة شركة بإنتاج أفلام سينمائية، ومنها من قام كذلك باستيراد وتوزيع أفلام أجنبية. ومع صعود البلاشفة إلى الحكم في أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 1917 تعطلت حركة القطاع السينمائي برمته، ولأنها كانت رهينة الخارج، بحيث لم يحدث أن صنعت من قبل كاميرات للتصوير ولا أشرطة فيلمية، فقد توقفت روسيا عن أي نشاط في مجال الفن السابع، ووجد كثير من المخرجين أنفسهم أمام لازمة مغادرة البلاد، كان ذلك شأن جوزيف إرمولييف، وموسجوكين، وبروتازانوف، الذي رجع لاحقًا، فاستطاعوا أن ينالوا في بلدان المهجر الحظوة المفقودة.
وفي عام 1919، صدر قرار تأميم قطاع السينما، وتم تأسيس أول مدرسة للسينما في العالم (المعهد العالي للسينما بموسكو)، وأصبحت السينما منذ ذلك الحين الوسيلة الرئيسية للاتصال والتثقيف والدعاية، وهو قرار انخرط فيه كذلك السينمائيون الطلائعيون، أمثال بوريس بارنيت وليف كوليشوف.
ومنذ أواخر عقد العشرينات من القرن الماضي، كان للاستحواذ الآيديولوجي الذي عاشته البلاد في عهد ستالين أثره على السينما التي «يجب أن يستوعبها الملايين»، وباتت السينما الطلائعية التي يحملها سينمائيون من قبيل كوليشوف وفيرتوف وآيزنشتاين تعتبر «نخبوية».
وفي نهاية عقد السبعينات اتسعت الهوة بين الصورة التي رسمها السوفيات عن سينماهم (الشعبية) وتلك التي كونها عنها الغرب (سينما المؤلف)، وذلك بالنظر لاختيارات المهرجانات الدولية، حيث كان النصيب الأكبر لمن يعانون من تضييق الرقابة، وذلك نظرًا لتدهور صورة الاتحاد السوفياتي في الخارج (التدخل العسكري السوفياتي في براغ، السباق نحو التسلح، غزو أفغانستان، مقاطعة الألعاب الأولمبية)، وهي هوة لم يتم تقليصها بعد، إذ ما زالت السينما الروسية المعاصرة تعاني من هذه الازدواجية نفسها.
وأفسد مجيء البيريسترويكا بريق الآيديولوجيا والإنتاج والتوزيع والاستغلال، وأبعد مؤتمر اتحاد المخرجين السينمائيين الذي انعقد في شهر مايو من سنة 1986 الحرس القديم، ومهد الطريق للإصلاحيين.
ولم تعرف السينما الروسية انتعاشتها الحقيقية، في جميع فروعها، إلا في سنة 2004 مع خروج أول فيلم لقي إقبالا جماهيريا كبيرا هو «ساعة ليلية» (2013) لتيمور بيكمامبيتوف، حيث أقرت الدولة الروسية إصلاحا جديدا لنظام تمويل السينما، أعادت به وضع اليد على القطاع، وفرضت مزيدا من الرقابة على محتويات الأفلام التي يجب أن تنسجم والصورة التي تريد السلطة أن تقدمها عن البلاد.
و«بين أفلام الفرجة التي تجد صعوبات كبرى للذهاب خارج الحدود، وأفلام سينما المؤلف التي تلقى الحظوة الكبرى لدى الجماهير والمهرجانات الأجنبية، والتي تبقى مغمورة في الداخل، ما زالت السينما الروسية تحيا حياة مزدوجة، من دون آفاق تعطي الأمل في التغيير» كما أوضح جويل شاربون، المتخصص في السينما الروسية.


اختيارات المحرر

فيديو