البحرين في ربيعها الثقافي.. أرضها احتضنت العالم كله

الشيخة مي آل خليفة: الثقافة أكثرت فينا الحب والأمل والفرح

حفل «في الربيع.. تزور الأغنيات شجرة الحياة»
حفل «في الربيع.. تزور الأغنيات شجرة الحياة»
TT

البحرين في ربيعها الثقافي.. أرضها احتضنت العالم كله

حفل «في الربيع.. تزور الأغنيات شجرة الحياة»
حفل «في الربيع.. تزور الأغنيات شجرة الحياة»

في جزيرة اعتادت شواطئها الترحيب بالزوار من كل مكان، لتخلق لهم عالما من البهجة والفرح، احتضنت مملكة البحرين للعام التاسع على التوالي الثقافة مهرجانا وربيعا في الوقت ذاته، حيث أوجدت من خلال هذه الفكرة بابا مفتوحا على السياحة الثقافية في المنطقة، وفي مملكة البحرين على وجه التحديد.
فكرة المهرجان الأساسية هي استقطاب فعاليات إقليمية وعالمية بهدف استقطاب زوّار أجانب للتعرف على البحرين عن قرب وتشجيع السياحة الداخلية في الوقت ذاته وإشاعة فكرة الجمال ورفع مستوى الذائقة الثقافية لدى الجماهير في كل مكان. وأكدت وزيرة الثقافة البحرينية الشيخة مي بنت محمد آل خليفة أن ربيع الثقافة بموسمه السنوي يستلهم أجمل ما تصنعه الشعوب ويتّصل بالأوطان الأخرى من خلال منجزاتها الثقافية والفكرية. وقالت «الثقافة أكثرت فينا الحب والأمل والفرح. استطعنا خلال فترة قصيرة أن نحقق العديد من المنجزات على مستوى الوطن العربي والعالم، والتي صارت في الآونة الأخيرة تحتفي بمنجزنا المحلي وتقاسمنا تجاربها كما حدث في المنامة عاصمة الثقافة العربية 2012، والمنامة عاصمة السياحة العربية 2014، وصولا إلى عامنا هذا مع حدث المنامة مدينة السياحة الآسيوية».
في هذه النسخة التاسعة التي حملت عنوان «قوس فرح»، تضمنت فعاليات مهرجان ربيع الثقافة عروضا متنوعة، شملت الموسيقى، الغناء والرقص، المسرح، الفن التشكيلي، الشعر والأدب، المحاضرات الثقافية والنقدية والفكرية، ناهيك عن الندوات وورش العمل التي يخصصها المهرجان للأطفال والناشئة والشباب.
ربيع الثقافة يجسد بطبيعته شراكة دائمة ما بين الجهات الحكومية والجهات الأهلية في البحرين، مثل مجلس التنمية الاقتصادية، ومركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، ودار البارح للفنون التشكيلية، ومساحة الرواق للفنون ولافونتين غاليري. ويمثل هذا الربيع صميم اشتغال مجلس التنمية على استقطاب المستثمرين والسياح، فمشاركة الفِرَق العالميّة تشكل جاذبا للبيئة الحاضنة لهذا التنوع الثقافي، ويكشف عن قدرة المنامة على استيعاب مختلف التوجهات والأفكار، كما يندرج في استراتيجية وزارة الثقافة التي تعزز المشاركة المجتمعية والأهلية في صياغة المفعولات الثقافية والحضاريّة، وتسعى إلى تكامل مختلف الجهات بأدوارها وتوجهاتها.
اشتمل برنامج ربيع الثقافة هذا العام على عدة ألوان، عالمية وإقليمية ومحلية، فمن اللون العالمي مثلا كانت هناك معارض شاركت فرحة الربيع بينها معرض شكيب سابانجي من تركيا بعنوان «خمسمائة عام من روائع الخط الإسلامي»، ومعرض الماكي الياباني، ومعرض طريق الحرير الصيني.
أما على صعيد المسرح العالمي فكان هناك عرض أسطورة طروادة التاريخية من خلال عرض فرقة نار الأناضول التركية، ومسرحية جبران من إنجلترا، وعرض الباليه الصيني لياونينغ ضمن أنشطة الأسبوع الثقافي الصيني في البحرين. وللأطفال كان هناك عرض الدودة الجائعة لإريك كارل ومسرح ميرميد نوفا سكوتيا الكندي، ومسرحية الطفل والوصفات السحرية.
وبالنسبة للأغنيات والموسيقى، فقد استضافت البحرين في ربيعها الثقافي عدة حفلات عالمية، بينها حفل فيليب بايلي، وحفل إريك كلابتون، وحفل الأوبرا لخوسيه كاريراس، وحفل الفنانتين العالميتين فيرتشا غرومزا وآنا كاراديميتروفا، بمرافقة عازف البيانو باتريك.
كما شارك كورال فتيان فيينا في تقديم الأغنية الأصيلة والموروث السماعي لمدينة فيينا. ومن فكر العالم، استقطب مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث عددا من المحاضرات العالمية، مثل محاضرة معركة التنوير العربي للكاتب السوري الفرنسي هاشم صالح، ومحاضرة للكاتب رينيه جاك مايير من فرنسا بعنوان «الجمال: وسيلة تعبّر بها الأوطان عن هويتها الثقافية».
على الصعيد العربي، قدم فنان العرب محمد عبده واحدة من أروع حفلاته في مدرّج قلعة عراد، أما لبنان فقد كانت افتتاحية المهرجان بموسيقاها، برفقة الفنان اللبناني ميشال فاضل الذي أبدع في تقديم اللحن الجميل. إلى جانب ذلك، أحيا المغني الشاب أحمد جمال حفله الذي لاقى إقبالا جماهيريا، خصوصا بعد شهرته في برنامج المواهب «عرب آيدول»، فيما شاركت الفنانة غالية بن علي بأغاني أم كلثوم في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث.
من العالم العربي أيضا، كانت هنالك العديد من المحاضرات، فمن الكويت قدّم نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي السابق الشيخ محمد الصباح محاضرة حول «التنمية المستدامة في عالم مضطرب»، فيما شارك الدكتور طالب الرفاعي الأمين العام لمنظمة السياحة العالمية بمحاضرة بعنوان «السياحة الثقافية: الهوية الحضريّة للمدن التاريخية»، وقدمت المخرجة السعودية هيفاء المنصور محاضرة بعنوان «ملامح السينما الخليجية الوليدة: صوت الشباب والمرأة». وقد امتد الشعر نحو لبنان من خلال أمسية شعرية قدمها الشاعر والمسرحي والصحافي اللبناني يحيى جابر بعنوان «الرجل الأمومي». أما على صعيد المعارض العربية فهناك معرض للفنان حسام ضرار من مصر، وغاية ترفيهية وهو معرض صور جماعي بدأ التحضير له بمناسبة المنامة عاصمة السياحة العربية، وأطلق التقاطاته في ختام مهرجان ربيع الثقافة.
بموازاة هذا الفرح أيضا، احتفى ربيع الثقافة بالثقافة البحرينية عبر العديد من الفعاليات التي تتجاوز فكرة العبور، إلى صناعة مستدامة من خلال تشكيل بنية تحتية ثقافية تستمر إلى ما بعد الربيع، من بينها الافتتاح الرسمي لمركز زوار شجرة الحياة بعد استكمال جميع مراحله، من خلال فعالية «في الربيع، تزور الأغنيات شجرة الحياة».
كما تم افتتاح بيت الغوص، وهو أحد المواقع في المحرق التي يتألف منها طريق اللؤلؤ، من خلال معرض كبير يكشف للزوار تفاصيل حياة الغواصين، وهو أحد بيوت المشروع المدرج على قائمة التراث الإنساني العالمي لليونيسكو. وفي سياق المكان ذاته، شهدت المساحات المفتوحة عقد فعالية «محادثات خاصة في أماكن عامة»، التي استضافت عروضا تقديمية وأحاديث تجمع عددا من المعماريين الإقليميين والعالميين حول الممارسات العامة وتصميم الأماكن العامة. إلى جانب ذلك كشف ربيع الثقافة ملمحا تاريخيا جديدا مع فعالية «ذاكرة البيت» التي أقامها مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، إثر اكتشاف المكون العمراني للبيت القديم من خلال غرفة في البيت الأصلي ما زالت تحتفظ بمعالمها وتفاصيلها.
وعلى مستوى الشخصيات المحلية، وتكريما لمنجزاتها في هذا الربيع، بادرت أسرة الأدباء والكُتاب بدعم من وزارة الثقافة إلى تكريم الشاعر الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، بمناسبة اليوم العالمي للشعر في الصالة الثقافية، وفي هذه اللفتة الأهلية التي تدعمها وزارة الثقافة تكريم وطن لشاعر يحبه الجميع. أما فنيا، فقد احتضن ربيع الثقافة كذلك معرض «المحرقي: الأب والابن» الذي يقيمه مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، برعاية من الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء، شارك فيه الفنان ورسام الكاريكاتير الشهير عبد الله المحرقي، وابنه خالد المحرقي. كما تم تدشين بوسعد آرت غاليري في أحد أحياء المحرق القديمة والتي شهدت إقامة معرض «ظل الوردي»، الذي قدم من خلاله الفنان البحريني إبراهيم بوسعد أحدث نتاجاته الفنية.
كما احتضنت مملكة البحرين معرض البحرين الدولي للكتاب في نسخته السادسة عشرة، ومهرجان التراث السنوي الثاني والعشرين بعنوان حياكة وألوان. إذ ركزت هذه الاحتفالية السنوية على صناعة الأقمشة والأزياء البحرينية التقليدية، وتضمنت معرضا خاصا وسوقا مفتوحة لمختلف أنواع الأقمِشة والألبِسة، إضافة إلى ورش عمل تتعلق بصناعة الأقمشة وسوق للأطعمة البحرينية. بالإضافة إلى ذلك، احتضن ربيع الثقافة مهرجان ألوان 338 الذي تقيمه مساحة الرّواق للفنون في منطقة العدلية، وقدمت من خلاله سلسلة من المعارض الفنية والحوارات والأمسيات الموسيقية والحلقات النقاشية الفنية وعروض أفلام سينمائية في الهواء الطلق، فيما استمر الشباب بتنشيط منطقة باب البحرين من خلال سوق باب البحرين التي يقدم من خلالها المصمّمون المحليون نتاجاتهم ومشاريعهم الخاصة.
وواصل مهرجان ربيع الثقافة رسالته التعليمية لهذا العام أيضا من خلال تنظيم ورش تعليمية للراغبين في تعلم واكتساب مهارات فنية وإبداعية قدمتها بعض الفرق المشاركة في المهرجان وهي فرقة «الدودة الجائعة وحكايات مفضلة أخرى» والفرقة القومية البهلوانية الصينية، كما قدمت وزارة الثقافة ورشا متنوعة حول معرض الحرير ليتعلم خلالها الأطفال كيفية تصميم وتطريز الأزياء الصينية المتنوعة، والتقليدية منها على وجه الخصوص، وذلك في جو من الحب والمرح الطفولي، مما يسهم في رفع رغبة الأطفال في المشاركة والحياكة. كما تعرف الأطفال على كيفية الطهي مع أنكيرو في ورشة عمل مرحة يعدون فيها أنواعا من الأطعمة ويلونونها بمواد صالحة للأكل. واستمتع الأطفال بورشة مصاحبة لحفل فرقة كورال فتيان فيينا وبورشتين مصاحبتين لمسرحية جبران خليل جبران.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».