جون بولتون.. دبلوماسي متشدد يبحث عن دور

من رموز «المحافظين الجدد» وأحد معارضي الصفقة النووية مع إيران والمنادين بإسقاط نظامها

جون بولتون.. دبلوماسي متشدد يبحث عن دور
TT

جون بولتون.. دبلوماسي متشدد يبحث عن دور

جون بولتون.. دبلوماسي متشدد يبحث عن دور

منذ فوز الرئيس المنتخب دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية، تنشغل – بل تشتعل – الدوائر السياسية في واشنطن بـ«بورصة» ترشيح الشخصيات التي يتوقع أن تحتل مناصب مهمة في الإدارة الأميركية المقبلة. وعلى مدى الأيام الماضية برز اسم جون بولتون سفير الولايات المتحدة الأسبق إلى الأمم المتحدة كمرشح محتمل لمنصب وزير الخارجية أو أي منصب رفيع له صلة بشؤون السياسة الدولية والاستراتيجية. وكانت «بورصة التكهنات»، منذ فوز ترامب المفاجئ، قد شملت خلال الأيام الماضية عددا من الشخصيات الجمهورية المرتقب إسناد المناصب الحساسة إليها، أبرزها إلى جانب بولتون، ميت رومني المرشح الجمهوري السابق أمام باراك أوباما في انتخابات 2012 والحاكم السابق لولاية ماساتشوستس، الذي وجه انتقادات قاسية ضد ترامب خلال الحملة الانتخابية، ورودي جولياني عمدة مدينة نيويورك الأسبق وأشد حلفاء ترامب تحمسا. وأيضا في خيار مفاجئ إلى حد ما جرى تداول اسم نيكي هايلي (44 سنة)، حاكمة ولاية ساوث كارولينا، وهي سيدة أعمال ومحاسبة تتحدر من أصول هندية سيخية واسمها الأصلي نامراتا رانداوا.
في حسابات الخبرة في الشؤون الدولية والاستراتيجية، يعد جون بولتون (68 سنة) المرشح الأوفر خبرة بين أصحاب الأسماء المطروحة لقيادة الدبلوماسية الأميركية للسنوات الأربع المقبلة. ويُعرف عن بولتون أنه أحد «صقور» الحزب الجمهوري المتشدّدين، وواحد من وجوه تيار «المحافظين الجدد» الذي ترك بصماته على السياسة الخارجية للرئيس جورج بوش الابن بين العامين (2001 و2009). أما بالنسبة لقضايا منطقة الشرق الأوسط، فالمعروف عن بولتون، وهو الخبير في عدد من المراكز البحثية البارزة بواشنطن، أنه من كبار المدافعين عن إسرائيل وبالأخص سياسات اليمين فيها، ومن ثم، فهو أيضا يقف في صف أنصار إسرائيل الأميركيين اليمينيين المعادين لنظام طهران.
وحقا أنجز هذا المحامي، الذي انتقل مهنيا إلى عالم السياسة العديد من النجاحات في تحقيق أهدافه السياسية ودفع أجندته المحافظة المتشددة إلى الأمام غير أن فظاظته خلقت له العديد من الأعداء. وسجّلت له تصريحات كثيرة وصفت بأنها «غير دبلوماسية» سواء ضد إيران أو السلطة الفلسطينية أو كوريا الشمالية أو كوبا. ولطالما اتهمه الأعضاء الديمقراطيون في الكونغرس بأن لغته المنافية للأعراف والأساليب الدبلوماسية عرّضت لخطر الانهيار والفشل كثرة من المساعي التي كانت تقودها الولايات المتحدة. مع هذا، ترى أوساط مقربة من ترامب التقتها «الشرق الأوسط» أن الرئيس المنتخب، يميل شخصيا نحو تسمية بولتون ليكون على رأس الدبلوماسية الأميركية، مع أن بعض قيادات الحزب الجمهوري الأقل ميلا للمواقف الصدامية تفضل شخصية معتدلة مثل ميت رومني على الرغم من أن الأخير لم يسبق له أن خاض غمار العمل الدبلوماسي أو الشؤون السياسية الدولية. في أي حال، حين سئل بولتون عن احتمال ترشيح ترامب إياه لتولي حقيبة وزارة الخارجية، أجاب «لقد كان من دواعي الشرف لي أن أخدم بلدي في الماضي، وسيكون (هذا المنصب) شرفا لي مرة أخرى، لكن القرار الفصل سيظل قرار الرئيس المنتخب».
إيران وروسيا
كما سبقت الإشارة، يتبنى جون بولتون مواقف متشددة وعدوانية ضد كل من روسيا وإيران. وكان قد انتقد مرارا توجهات الرئيس باراك أوباما للدخول في تعاون محدود مع روسيا في كل من سوريا وإيران. وخلال شهادته أمام الكونغرس عام 2004، اتهم إيران صراحةً بالكذب مرارا حول اليورانيوم المخصب.
أكثر من هذا، دعا بولتون علنا للإطاحة بالسلطة الحالية في طهران، وقال صباح الخميس عبر شبكة «بريتبارت» اليمينية المتشددة التي يمتلكها ستيف بانون، الذي عيّنه ترامب أخيرا في منصب كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض: «الحل الوحيد على المدى الطويل هو تغيير النظام في طهران وآية الله (علي خامنئي) هو الخطر الرئيسي على السلام والأمن الدوليين في الشرق الأوسط». وأضاف بولتون في تصريحه: «لا أعتقد أن النظام (الإيراني) يتمتع بالشعبية إلا أنه يملك السلاح، وبالتالي، هناك طرق لمساعدة المعارضة، وهذا لا يشمل بالضرورة استخدام القوة العسكرية الأميركية، بل يكفي أن نساعد المعارضة لتغيير الحكومة». كذلك، في مقابلة سابقة، انتقد بولتون الرئيس أوباما لإحجامه عن بذل المزيد من الجهد لدعم احتجاجات «الحركة الخضراء» في إيران عام 2009.
غزو العراق.. وقصف إيران
وحقا، لم يكن هذا التصريح بالشيء الجديد في سياسات جون بولتون، المسؤول السابق بإدارة جورج بوش الابن الذي ساند بقوة – مع أترابه في تيار «المحافظين الجدد» – قرار بوش غزو العراق في عام 2003. كما أنه كان واحدا من مسؤولي الإدارة الذين روّجوا – عن اقتناع شبه كامل – التقارير التي تبين أنها باطلة عن امتلاك نظام صدام حسين برنامج أسلحة دمار شامل. وحتى بعد اكتشاف حقيقة أن نظام صدام حسين ما كان يمتلك أسلحة دمار شامل، ظل موقف بولتون على حاله، ولم يندم على ما حصل، إذ قال في تصريح له «ما زلت أعتقد أن قرار الإطاحة بصدام صحيح، إلا أن بعض القرارات المتخذة بعد هذا القرار كانت خاطئة، لكن أسوأ القرارات بعد عام 2011 على الإطلاق كان قرار سحب القوات الأميركية من العراق».
من ناحية أخرى، ناشد جون بولتون مرارا القيادة الأميركية مساعدة إسرائيل على قصف إيران أو على الأقل السماح لإسرائيل بأن تفعل ذلك بمفردها. ولقد تكررت تصريحاته بضرورة قصف الأهداف العسكرية الإيرانية، حتى إبان الفترة التي كانت إدارة أوباما تتفاوض فيها مع الجانب الإيراني حول البرنامج النووي. وواقع الأمر، أن بولتون وصف في عدة مقالات كتبها الاتفاق النووي مع إيران بأنه «أسوأ صفقة في التاريخ»، داعيا إلى «الامتناع عن التفاوض مع الإرهابيين» والتراجع عن الصفقة. ويقول المحللون إن تصريحات بولتون المتشددة ضد إيران تشير إلى «صقر المحافظين الجدد» والدبلوماسي اليميني المخضرم، القريب فكريا من الرئيس المنتخب ترامب، لن يخفف على الأرجح لهجته، ولن يتراجع عن وجهة نظره في السياسة الخارجية الأميركية، وبالتالي، قد تؤدي هذه المواقف إلى توترات ومشاحنات خارجية. كذلك يرى المحللون أن تولي جون بولتون حقيبة وزير الخارجية – إذا ما أسندها إليه ترامب – سيعني أن إدارة الرئيس المنتخب ستعمل على إلغاء الاتفاق النووي الإيراني في وقت مبكر من عمرها.
في المقابل، ثمة محللون آخرون يلفتون إلى أن ترامب وإن كان قد وصف الاتفاق النووي الإيراني بـ«الكارثي»، وقال أيضا إنه «أسوأ صفقة تفاوضية من أي وقت مضى»، فإنه لم يشر صراحةً إلى العمل على إسقاط نظام طهران. ثم إن بعض أعضاء مجلسي الكونغرس أعربوا علانية عن تخوفهم من احتمال ترشيح بولتون، الذي يتطلب إسناد المنصب إليه موافقة الكونغرس، ولقد قاد السيناتور الجمهوري اليميني راند بول (من ولاية كنتاكي) هجوما مباشرا عليه، قائلا «إن شخصا دافع عن الحرب على العراق ولم يتعلم من الدروس المستخلصة من حرب العراق لا يجوز أن يكون وزيرا للخارجية».
ولكن، بينما يتساءل بعض المحللين السياسيين عن خلفيات احتمال إقدام ترامب على ترشيح جون بولتون لقيادة الدبلوماسية الأميركية، ثمة خبراء مطلعون يشيرون إلى أن الإجابة تكمن في المقربين من الرئيس المنتخب الذين ينصحونه هذه الأيام بانتقاء شخصيات الإدارة الجديدة، وأبرز المقربين من الرئيس المنتخب هو صهره جاريد كوشنر، المعروف عنه – كما يقال – أنه يحب بولتون ويعجب بمواقفه المتشددة من إيران، وكذلك من دعمه غير المشروط لإسرائيل. أيضا، يأتي التأييد لبولتون من ريبيكا ابنة الملياردير روبرت ميرسر، أحد أكبر ممولي حملة ترامب الانتخابية. وتجدر الإشارة إلى أنه إبان شغل بولتون منصب مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة لأقل من سنتين توحّد ضده الساسة الديمقراطيون، وعملوا على منع تعيينه لفترة طويلة. كذلك، اتسمت الفترة التي أمضاها في أروقة الأمم المتحدة بتنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة بين أعضاء السلك الدبلوماسي الدولي. وباختصار، يعد بولتون وفق كثيرين أحد وجوه السياسة الخارجية الأميركية «المكروهة» على الساحة الدولية.
بطاقة شخصية
يعد جون روبرت بولتون أحد الوجوه المعروفة في السياسة الأميركي؛ فهو محام ودبلوماسي عمل بالعديد من الإدارات الجمهورية وكان منصبه الأخير هو سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة من أغسطس (آب) 2005 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2006 وعمل بعدها زميلا في معهد أميركان إنتربرايز ومستشارا بشركة كابيتال لإدارة الاستثمارات، ومعلقا في شبكة «فوكس نيوز»، وقد عمل مستشارا للسياسة الخارجية في حملة المرشح السابق ميت رومني. ويشارك بولتون في عدد من مؤسسات الفكر والرأي المحافظة مثل المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (KINSA) واللجنة الأميركية للحرية الدينية والرابطة الوطنية للبنادق (NRA) ومجلس السياسة الوطنية ورئيس معهد جايتستون.
ولد بولتون يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1948 في مدينة بالتيمور كبرى مدن ولاية ماريلاند، القريبة من العاصمة الأميركية واشنطن. وكان أبوه إدوارد جاكسون بولتون يعمل رجل إطفاء، بينما كانت أمه فرجينيا كلارا ربة منزل. ونشأ الصغير جون طموحا محبا للعلم، في بيئة شعبية من الطبقة دون المتوسطة، فحصل على منحة للدراسة في مدرسة ماكدونوه في مدينة اوينغز ميلز، ثم التحق بجامعة ييل العريقة، حيث نال منها درجة البكالوريوس بامتياز عام 1970، قبل أن يلتحق بكلية الحقوق الشهيرة فيها ويتخرج محاميا عام 1974. وكان بولتون خلال فترة دراسته في ييل صديقا حميما لقاضي المحكمة العليا المحافظ كلارنس توماس، وزميلا لكل من بيل كلينتون وهيلاري كلينتون أثناء دراستهما الجامعية في ييل.
ولكن قبل التخرج، وتحديدا عام 1969 بينما كانت حرب فيتنام مشتعلة تطوّع جون بولتون في الحرس الوطني التابع للجيش في ولاية ماريلاند (يومذاك كان التطوع في قوات الاحتياط أو الحرس الوطني وسيلة لتجنب الاستدعاء للخدمة العسكرية في ميدان القتال) وأمضى في الحرس الوطني أربع سنوات. ولقد كتب بولتون عن تلك الفترة: «أعترف أنه لم يكن لدي الرغبة بالموت في حقل أرز بجنوب شرقي آسيا، وكنت أرى أننا خسرنا بالفعل الحرب في فيتنام».
وبعد التخرّج، من عام 1974 إلى عام 1999، عمل بولتون في عدة مكاتب للمحاماة في العاصمة واشنطن، قبل أن ينضم عام 1997 إلى معهد «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت»، أحد أهم مراكز الأبحاث المحافظة في الولايات المتحدة، ولاحقا، أصبح نائب الرئيس للبحوث السياسية، وعمل مساعدا لوزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر عندما عيّنه أمين عام المتحدة في حينه كوفي أنان مبعوثا شخصيا للصحراء الغربية.
وخلال فترات إدارتي رونالد ريغان وجورج بوش الأب تقلب بولتون في عدة مناصب داخل وزارة العدل وفي وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وإبان عمله مساعدا لوزير الخارجية لشؤون المنظمات الدولية (1989 - 1993) قاد بولتون محاولات ناجحة لإلغاء قرار الأمم المتحدة الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية. ولعب أيضا دورا بارزا في استصدار قرار من الأمم المتحدة لتأييد استخدام القوة لتحرير الكويت من الغزو العراقي.
ثم في عهد إدارة الرئيس جورج بوش الابن عمل بولتون في إدارة ضبط التسلّح والأمن الدولي بوزارة الخارجية، وكانت من أهم مسؤولياته منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وبعد ذلك، عين مندوبا (سفيرا) للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وهنا كان من أهم إنجازاته خلال الفترة القصيرة التي أمضاها بالمنصب معارضة المحكمة الجنائية الدولية ووضع المادة 98 لاستثناء المواطنين الأميركيين من المقاضاة أمام المحكمة (التي لا تعترف بها الولايات المتحدة)، ويومذاك، وقعت أكثر من 100 دولة على الاتفاقية لكن بولتون وصف قرار الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية بأنها أسعد لحظات حياته السياسية. ولكن من المفارقات، بالنسبة لشخصية جون بولتون، هذا الرجل المتشدد في سياساته، أنه رشّح في عام 2006 لنيل جائزة نوبل للسلام (!) غير أن الجائزة ذهبت ذلك العام إلى الدكتور محمد يونس وبنك غرامين لتعزيز الفرص الاقتصادية للفقراء.
أخيرا، بولتون متزوج من سيدة اسمها غريتشن ويعيشان في منطقة بيثيسدا بضواحي العاصمة الأميركية، ولديهما ابنة واحدة هي جنيفر سارة بولتون. ولقد ألف كتابا بعنوان «الاستسلام ليس خيارا» انتقد فيه إدارة بوش لتغيير أهداف سياستها الخارجية في بداية فترة الإدارة الثانية.



حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.