ترامب سيفتح صفحة جديدة لمكافحة الإرهاب

خبراء: مصلحة بلاده تصب في هذا التوجه

شرطي عراقي يتأكد من فاعلية طائرة «درون» قريبًا من الموصل خلال العمليات العسكرية لاستعادة المدينة العراقية من أيدي المجموعات الإرهابية (أ.ف.ب)
شرطي عراقي يتأكد من فاعلية طائرة «درون» قريبًا من الموصل خلال العمليات العسكرية لاستعادة المدينة العراقية من أيدي المجموعات الإرهابية (أ.ف.ب)
TT

ترامب سيفتح صفحة جديدة لمكافحة الإرهاب

شرطي عراقي يتأكد من فاعلية طائرة «درون» قريبًا من الموصل خلال العمليات العسكرية لاستعادة المدينة العراقية من أيدي المجموعات الإرهابية (أ.ف.ب)
شرطي عراقي يتأكد من فاعلية طائرة «درون» قريبًا من الموصل خلال العمليات العسكرية لاستعادة المدينة العراقية من أيدي المجموعات الإرهابية (أ.ف.ب)

هل يدخل مخطط مكافحة الإرهاب في عهد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مرحلة جديدة من الحسم أم سيظل على وتيرته كما كان في عهد بارك أوباما؟ هذا السؤال بات ملحا الآن عقب انتهاء انتخابات الرئاسة الأميركية، ودخول الإرهاب مرحلة خطيرة في أغلب دول العالم. خبراء أمنيون في مكافحة التطرف، وقيادات منشقة عن جماعة الإخوان المسلمين، أكدوا لـ«الشرق الأوسط» صعوبة توقع ما سيقوم به ترامب في ملف التنظيمات المتشددة؛ لكن الخبراء أوضحوا أن ترامب سيفتح صفحة جديدة تماما لمكافحة الإرهاب «نظريا» ومصلحة بلاده ستكون أولويته الكبرى.
أصبح دونالد ترامب منذ الآن سيد البيت الأبيض، وكان قد تعهد قبل فوزه في الانتخابات بالإبقاء على معتقل غوانتانامو مفتوحا، بعد إعلان بارك أوباما عزمه على إغلاق المعتقل قبل نهاية ولايته؛ بل تعهد بأن يملأ هذا المعتقل بمن وصفهم بـ«الأشرار». ويذكر أن ترامب كان اقترح فتح معتقل غوانتانامو أمام المواطنين الأميركيين المشتبه بعلاقاتهم بالأنشطة الإرهابية لمحاكمتهم عسكريا أيضا.
ويشار أيضًا إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن كان قد تعهد، بدوره، بالقضاء على الإرهاب في العالم أثناء حملته الانتخابية؛ ولكن حتى الآن، بعد سنوات من الحرب على الإرهاب، ما زال العالم بشكل عام، والشرق الأوسط على نحو التحديد، يعانيان من هذه الظاهرة، التي تعهد بوش بالقضاء عليها آنذاك.
العميد خالد عكاشة، الخبير الأمني والاستراتيجي، مدير المركز الوطني للدراسات الأمنية في مصر، قال: «أعتقد أن ترامب سوف يأخذ مسارا مختلفا عما سبق، خصوصا بعد توجيه ترامب انتقادات لاذعة لإدارة أوباما وهيلاري كلينتون عن إدارتهما الملف الأمني والعسكري، الذي أدى، بحسب ترامب، إلى تنامي ظاهرة الإرهاب، وأنهما السبب في ظهور تنظيم داعش الإرهابي، وأن هذه الأخطاء كانت السبب في تنامي الإرهاب العالمي سواء عربيا أو أفريقيا أو في أوروبا». وفيما يخص مصر، قال مراقبون إن ترامب أعلن تعاونه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مواجهة الإرهاب، ما يعنى ضمنيا حظر جماعة الإخوان، وكل التنظيمات الإرهابية المنبثقة عنها، وتجميد أرصدتها، وسحب الغطاء السياسي عنها. وكلام المراقبين المصريين أكده الدكتور وليد فارس، مستشار ترامب، في أول تصريح له عقب فوز الأخير برئاسة الولايات المتحدة، إذ قال فارس إن ترامب سيمرر مشروع اعتبار الإخوان «جماعة إرهابية»، مضيفًا أن «المشروع ظل معلقا داخل الكونغرس لعدة سنوات بسبب رفض البيت الأبيض المصادقة عليه، نظرا لأن أوباما كان يدعمهم». وأوضح فارس أن «ترامب يرى أن الإخوان من أخطر الجماعات التي تغذّي الفكر المتطرف. لذا، فهو يريد توجيه ضربة عسكرية للتنظيم الإخواني وليس احتواءه سياسيا، مثلما فعل أوباما وهيلاري كلينتون».
عكاشة أضاف لـ«الشرق الأوسط»، خلال لقاء معه: «من الناحية النظرية ترامب سيفتح صفحة مواجهة جديدة تماما وبصورة مختلفة؛ لكن يبقى الفعل. فتصريحات ترامب عن رفضه الإرهاب جاءت في سياق حملته الانتخابية قبل فوزه بالانتخابات الأميركية، لكن وقت التنفيذ له اعتبارات أخرى».
وسبق أن ذكر ترامب في تصريحات سابقة أن «المحاكم المدنية في الولايات المتحدة لا تؤيد أو تحب فكرة نقل مواطنين أميركيين مشتبه بهم إلى معتقل غوانتانامو؛ لكن أرى أنه من الأفضل إرسالهم إلى خليج المكسيك لمحاكمتهم عسكريا»، مضيفا: «من المرجح أن تكون فكرة فتح معتقل غوانتانامو للزج بالمشتبه بهم إلى جانب المعتقلين الأجانب خطوة غير دستورية؛ إلا أنها تعد تحديا بالنسبة لنا».
وحول تشديد ترامب على ضرورة وضع المتشددين في مكان آمن، وانتقاده القرار الذي اتخذه أوباما بالسماح لعدد من المعتقلين الأجانب «الذين يشكلون خطرا» بالخروج من المعتقل، أو إرسالهم إلى دولة ثالثة كما فعل من قبل، عقب عكاشة قائلا إن «توقع ما سيقوم به ترامب في ملف الإرهاب سيكون الحديث عنه سابقًا لأوانه»، لكنه في السابق لمح إلى توجيه النقد لأوباما لإدارته هذا الملف، ولافتا إلى أنه يصعب التنبؤ بموقف ترامب لأنه لم يكن له تجربة سياسية قبل ذلك مثل هيلاري مثلا. واستطرد الخبير الأمني المصري: «إن سبب صعوبة التنبؤ بما سيقوم به ترامب، أنه سوف يفتح صفحة جديدة مختلفة في حكمه. وهذا الكلام ليس له علاقة بمكافحة الإرهاب فقط، بل في جميع العناوين السياسية الأخرى الخطيرة التي تخيم عليها مساحة كبيرة من الغموض، فمثلا حلفاؤه في حلف شمال الأطلسي (نات) يسألون عن مصيرهم مع الرئيس الجديد لأميركا، وهكذا فإن مساحة الغموض في مواقف ترامب تفصح عن نفسها، ولا أحد يمتلك إجابة عنها».
من ناحية أخرى، في حين يرى مراقبون أن «ما يتم إعلانه في الحملات الانتخابية لا يعني بالضرورة أنه قابل للتحقيق، لأن الحملات هي دعاية لا غير، وقد يتحقق جزء من تلك الحملة أو لا يتحقق»، قال عكاشة معلقًا إن «مشهد مكافحة الإرهاب بالعالم في مرحلة متفاقمة جدا، ولا يتوقع لإدارة ترامب أن تلتف حوله أو تتجاهله، ولا بد أن تتعامل معه سواء بالسلب أو بالإيجاب». ويذكر أن حملة الرئيس أوباما الرئاسية كانت قد بدأت بمداعبة مشاعر العرب والمسلمين، عندما ألقى خطابه الشهير للعالم الإسلامي من تحت قبة جامعة القاهرة. ومن خلاله أطلق سلسلة من الوعود لم يعرف أي منها التحقيق، وبالتالي، نجد أن ليس كل ما يتم الإعلان عنه ينفذ. ومع أنه يشار إلى أن أبرز محطات أوباما خلال تاريخه في البيت الأبيض كانت القضاء على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، المسؤول عن تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول)، فإن مراقبين يرون أن «قتل بن لادن لم يمنع ظهور تنظيم أكثر شراسة بعد مرور 3 سنوات وهو «(داعش)».
في السياق ذاته، قال اللواء ممدوح عطية، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر، لـ«الشرق الأوسط»، خلال حوار معه إن «ترامب أرقى من أوباما، وخطواته ستكون جادة، وسوف يوفر الدعم لمن يحاربون الإرهاب من هذه الدول»، لافتا إلى أن «العلاقة مع الولايات المتحدة تكفي للحرب على الإرهاب. لكنه يبقى السؤال هل ستحارب أميركا الإرهاب فعلا.. أم ستظل كما يردد كثيرون أنها داعمة أساسية للإرهاب خصوصا «(داعش)»؟ لكي يستمر القتال في مناطق متعددة حول العالم. وهذا، خصوصا، ما تطرّق إليه ياسر السري «أبو عمار المصري»، مدير المرصد الإسلامي، وهو هيئة حقوقية تهتم بأخيار المتطرفين حول العالم، إذ قال السري: «ترامب أظهر عداوته للإسلام صراحة بتصريحاته السابقة المثيرة للجدل حول منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، أما أوباما فقد شن الحرب على الإرهاب بقفازات ناعمة وغارات من طائرات الدرون الأميركية من دون طيار، أدت إلى قتل العشرات من المتشددين من (القاعدة) في الشريط القبلي بين باكستان وأفغانستان وكذلك آخرين من (داعش) في سوريا والعراق».
ومن جهته، قال الدكتور كمال الهلباوي، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، إن «مكافحة الإرهاب في عهد ترامب، سوف تتحدد حسب المصلحة الأميركية»، مضيفا: «المكان الذي تريده أميركا أن يكون هادئا سوف تدعمه وتتدخل فيه لمحاصرة الإرهاب، والمكان الذي تريده أميركا أن يصبح فوضى سوف تتركه للإرهاب. وعن استراتيجية أميركا حال دفاعها عن الإرهاب في الدول، قال الهلباوي لـ«الشرق الأوسط» إن «في جزء من الاستراتيجية العامة أو المصلحة الأميركية، يوجد شيء لديهم يطلق عليه البدائل، فمثلا نجد دولتين اتفقتا على محاربة الإرهاب، وتقومان بتدريب أشخاص على محاربة الإرهاب؛ لكننا نجد الإرهاب للأسف يتزايد في هاتين الدولتين».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.