تعيين بانون مستشارًا رفيعًا انتصار لمعارضي منظومة واشنطن السياسية

سياسيون ينتقدون سعيه لـ«تدمير» المؤسسات بدلاً من إدارتها

كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
TT

تعيين بانون مستشارًا رفيعًا انتصار لمعارضي منظومة واشنطن السياسية

كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

دعم دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب حديثًا، بترشيحه لستيفن بانون لشغل منصب بارز في البيت الأبيض، الحركة القومية اليمينية المتشددة التي يرعاها بانون منذ سنوات بنقلها من أطراف المشهد السياسي الأميركي إلى قلبه.
يمثل هذا القرار تحولاً ملحوظًا يزيد القلق بشأن توجهات الإدارة الجديدة. وينشر موقع الأخبار والآراء الاستفزازي «بريتبارت نيوز» الذي يديره بانون، باستمرار مقالات تؤكد وجود رابط بين المهاجرين وانتشار الأمراض. وينتقد كتاب مقالات الرأي به السياسيين الذين لا يدعمون إخضاع المهاجرين لاختبار ديني من أجل التأكد من عدم تبنيهم فكرًا إرهابيًا. وروّج الموقع الإلكتروني لروايات حاولت الإشارة إلى علاقة هما عابدين، وهي واحدة من أبرز مساعدي هيلاري كلينتون، والتي تدين بالإسلام، بمسلحين متطرفين.
ورفض بانون، البالغ من العمر 62 عامًا، في مقابلة ما أسماه توجهات «عرقية - قومية» للبعض داخل الحركة. وأوضح أن اهتمامه بالشعبوية، والقومية الأميركية، يتعلق بالحد مما يرى أنه التأثير التآكلي للعولمة. ويعتقد أن خصومه يتلاعبون بآرائه، وآراء الكثير من مؤيدي ترامب. وقال إن «هؤلاء الناس وطنيون. إنهم يحبون بلدهم، ولا يريدون سوى أن يتم الاعتناء بها». وأضاف قائلا: «الأمر هو أن هناك البعض على الهامش طالحون، كما هو الحال في أي حركة، لكن هذا أمر غير ذي صلة».
وتعرضت بعض تصريحات بانون وسلوكه إلى انتقادات من جانب قيادات دينية، وجماعات مناهضة للتمييز، شعروا بالقلق بسبب قرار تعيينه يوم الاثنين. وأشارت بعض الجماعات اليهودية إلى اتهامات وجهتها زوجة بانون السابقة له بقوله تعليقات معادية للسامية بشأن طلبة في مدرسة ابنته. كذلك أشار منتقدون له إلى مواقف سابقة له، ومنها مقابلة أجراها عام 2011 سخر فيها من الليبراليين الذين ينتقدون النساء المحافظات، إذ وصفهم بأنهم «حفنة من خريجات مدارس سيفن سيسترز».
وسرعان ما أصبح صعود بانون محطّ أنظار واهتمام هؤلاء المنتقدين، الذي أدانوا هذا الاختيار بوصفه تكريسًا لحالة الانقسام، إن لم يكن اختيارا يتسم بالعنصرية. مع ذلك، كان يمثل هذا القرار انتصارًا ذي أبعاد واسعة بالنسبة إلى رجل يعد مستجدًا على الدائرة المقربة من الرئيس المنتخب. عندما انضم بانون إلى حملة ترامب الرئاسية الانتخابية في أغسطس (آب) الماضي، كان يؤكد لأصدقائه أنه حتى في حال خسارة ترامب، سيتمكن على الأقل من تخفيف حدة أي ضرر يقع للحركة القومية، التي ساعد في تعزيز قوتها من موقعه كرئيس لموقع «بريتبارت». عوضًا عن ذلك، سوف يكون لتلك الحركة القومية، التي روّجت لمشاعر معاداة المهاجرين، والمسلمين، والمواقف العنصرية، ودعمتها، بطل في معسكر ترامب في الجناح الغربي بالبيت الأبيض.
وبهذا القرار سيكون منصب مستشار رفيع المستوى وكبير المخططين الاستراتيجيين، والذي يعد من أهم المناصب التي لها دور في الحكومة، من نصيب شخص يسعى لتدمير المؤسسات بدلا من إدارتها.
وكان الهدف من وراء هذا التعيين إرسال إشارة مطمئنة لأفراد قاعدة ترامب الشعبوية المنزعجة المناهضة لواشنطن، والتي تنتابها شكوك بشأن السلطة، وأي شخص يمتلكها. ويعد ترامب بطلهم، لكن بانون يعد المراقب على مؤسسة واشنطن، وعلى أي محاولات تبذلها من أجل إضعاف عزم الرئيس الجديد.
ولا يأتي بانون من الخلفية السياسية أو الآيديولوجية المعتادة، التي شكلت الحزب الجمهوري على مدى السنوات القليلة الماضية؛ فهو ليس محافظا متدينا يركّز على القضايا الاجتماعية. كذلك لا يعد نموذجا للشخص المحافظ الاقتصادي التقليدي. الأمر الذي يمثل دافعا بالنسبة إلى بانون، كما يوضح أصدقاؤه وزملاؤه، هو الشعور بأن النخبة الثقافية والسياسية تزدري المواطن الأميركي العادي؛ وهذا هو السبب الذي جعله قريبًا إلى قلب ترامب، الذي لم يشعر أبدًا بأنه يلقى الاحترام الذي يليق به ويستحقه لتأسيسه هذه الحركة السياسية الكبيرة. وتفسر «غطرسة النخبة»، كما يقول بانون، عدم انتباه وسائل الإعلام، والطبقة السياسية لبزوغ نجم ترامب. ولا يقل اشمئزاز بانون من السياسة السائدة للحزب الجمهوري عن اشمئزازه من الليبراليين؛ فهو يرى الجمهوريين «حزب متبرعي دافوس»، واحتقرهم بسبب وصفهم لمؤيدي ترامب بـ«الغوغاء السوقيين» و«الفلاحين».
إلى ذلك، يعتبر بانون مقربا من سارة بالين، وكان قد حثّها في وقت من الأوقات على خوض معركة داخل الحزب الجمهوري ممتعة بالنسبة له، تمثلت في معركة أولية ضد جون ماكين، عضو مجلس الشيوخ، الذي كان مرشحًا منافسًا لها عام 2008، لكنها رفضت. وكان بانون وراء بعض التحركات الاستفزازية التي اتخذتها حملة ترامب، مثل دعوة عدة نساء كانوا قد وجهن اتهامات لبيل كلينتون بارتكاب تجاوزات بحقهن إلى الجلوس بجانب أسرة ترامب أثناء إحدى المناظرات.
ولم يعمل بانون في أي حملة قومية قبل حملة ترامب، وله ذوق متنوع في حياته المهنية؛ فقد عمل ضابطا في البحرية، ثم انتقل إلى المجال المصرفي من خلال العمل في مؤسسة «غولدمان ساكس». كذلك ساعد في تشغيل نظام «بايوسفير 2» البيئي ذي القبة في ولاية أريزونا الذي كان يعيش به الناس دون أي اتصال بالعالم الخارجي. ومثل الكثير من قادة الحركة اليمينية المتشددة الصاعدة، انخرط في السياسة مع بزوغ نجم «حزب الشاي» في بداية الفترة الرئاسية الأولى للرئيس باراك أوباما. وشعر أن خطة الإنقاذ الحكومية للنظام المصرفي قد أساءت استخدام أموال دافعي الضرائب، إذ لم تفعل أي شيء لمساعدة المواطن الأميركي العادي. وكان السبب وراء ذلك موقفًا شخصيًا حيث اضطر والده، وهو عامل سابق في شركة هواتف، إلى بيع الأسهم التي يمتلكها في حساب معاشه من أجل تلبية احتياجاته الأساسية.
وأخبر بانون أفراد الدائرة المقربة من ترامب بأن الإدارة الجديدة سوف يكون أمامها فترة زمنية قصيرة لتنفيذ برنامجها، وأن عليها التركيز أولاً على الأولويات التي من المتوقع أن تكون هي الأكثر إثارة للجدل.
ونظرًا لكونه متعطشًا دائمًا للصراع السياسي، من المتوقع أن يؤيد بانون بقوة الكثير من خطط ترامب الأكثر عدائيًا وعنفًا بشأن الهجرة. ويتضمن ذلك منع هجرة اللاجئين السوريين، وترحيل المهاجرين الذين لا يمتلكون أوراقا ولهم ماض إجرامي، إلى جانب تخصيص المزيد من الموارد لتأمين الحدود وضبطها.
وحصل بانون، الذي نشأ في حي للطبقة العاملة في مدينة نورفولك بولاية فيرجينيا، على شهادات من جامعتي «جورج تاون»، و«هارفارد». وكثيرًا ما يشبّه بانون صعود ترامب السياسي بصعود أندرو جاكسون، القائد العسكري والبطل الشعبي، الذي هاجم وعارض النخبة السياسية والاجتماعية في زمنه، بصفته الرئيس السابع للولايات المتحدة الأميركية.
في الوقت الذي أصبح فيه ترامب زعيم حركة الأميركيين الغاضبين، الذي يشعرون بالضياع، والحرمان من الحقوق في دولة تشهد تغيرًا ثقافيًا وديموغرافيًا سريعًا، أصبح بانون طالبا يدرس التوجهات الشعبوية العالمية، والذي يتابع جيدًا صعود الجبهة القومية، التي تقع على أقصى يمين الطيف السياسي في فرنسا، تحت قيادة مارين لوبان، والفوز المميز لحزب الاستقلال البريطاني خلال الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي أجري مؤخرًا خلال العام الحالي في بريطانيا.
بهذا الصدد، قال لاري سولفو، كبير المسؤولين التنفيذيين في «بريتبارت»: «لقد رأى ستيف، الذي كان قائدا ذكيا مفكرا وله رؤية، المشكلات والحركة التي لحق بها ترامب في النهاية وتبناها». وأضاف قائلاً: «إنه مثل قائد ميداني، ويرى بدرجة كبيرة الصراع من أجل روح هذا البلد كحرب».
وسوف يستغل بانون وظيفته في البيت الأبيض في معارضة بول راين، رئيس مجلس النواب، وأحد حلفاء بريباس، الذي يسعى بانون لتدميره منذ زمن طويل. عندما أدار بانون موقع «بريتبارت» الإخباري، دعم منافس راين في ولاية ويسكونسن من خلال الموضوعات التي نشرت على الموقع الإلكتروني، وكذلك خلال المقابلات الإذاعية التي تم إجراؤها معه. وبانون مقرب من أعضاء في الكونغرس الأميركي مثل ديف برات، العضو الجمهوري عن ولاية فيرجينيا، الذي عزل إيريك كانتور، زعيم الأغلبية السابق. كذلك كتب أن عملية توزيع المخصصات المالية تحت قيادة راين كانت «عملية بيع كامل وشامل للشعب الأميركي». ويشير زملاء بانون السابقون إليه بإعجاب، ويصفونه بأنه مثل حيوان «غرير العسل» بسبب مثابرته، وهي صفة يتوقعون أن يستخدمها الآن في مواجهة واشنطن. وقال جويل بولاك، محرر بدوام جزئي في موقع «بريتبارت»: «ما يحرك ستيف هو الطريقة التي تعرقل بها المؤسسة السياسية السياسة الأميركية».
*خدمة «نيويورك تايمز»



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...