تغيير ترامب في قوانين الضرائب قد يشجع نمو الثروات العائلية

ضريبة العقارات على رأس القائمة

خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)
خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)
TT

تغيير ترامب في قوانين الضرائب قد يشجع نمو الثروات العائلية

خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)
خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)

في حال وفى دونالد ترامب بالوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، فسوف تُرفع حزمة من مختلف أنواع الضرائب من على كاهل الأميركيين من بالغي الثراء، وستستجد حوافز ضريبية للتشجيع على المساهمة في المشروعات الخيرية، وستكون الفرصة أسهل أمام العائلات الثرية لتكديس مزيد من المال لتزداد ثراء.
تأتي ضريبة العقارات أعلى القائمة، فقوانينها الحالية مباشرة وصريحة؛ إذ تنُص على أن الزوجين معفيان من سداد الضرائب على ممتلكاتهما العقارية طالما كانت قيمتها السوقية أقل من 10.9 مليون دولار، في حين يتحتم عليهما سداد ضريبة تعادل 40 في المائة من أي قيمة تزيد على هذا المبلغ. كذلك يبدو مقترح ترامب مباشرا وصريحا، حيث ألغى الضريبة العقارية وضريبة التركات. ففي عام 2012 اعتبر أغلب خبراء الضرائب أن قضية الضريبة العقارية قد حُلت عندما توصل غالبية أعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري والرئيس أوباما، عشية احتفالات العام الجديد، إلى ما وصفوه بأكبر صفقة مقايضة ضريبية. وكجزء من تلك الصفقة، جرى الاتفاق على الإعفاء المعمول به في الضرائب العقارية حاليا، مع زيادة سنوية لتتواكب مع نسب التضخم. وبمقتضى الاتفاق، أعفي أكثر من 99 في المائة من الأميركان من الضريبة العقارية.
والعام الماضي، على سبيل المثال، قامت «هيئة العوائد الداخلية» بمراجعة 4918 حالة ضرائب عقارية فيدرالية (وبلغ مجموع ما تحصلت عليه الهيئة 17 مليار دولار). فالعمل لمجرد استرضاء مجموعة صغيرة من الناس يمكن النظر إليه من زاويتين: كإهدار لرأس المال السياسي، أو كنهاية لضريبة شجبها أنصار الحزب الديمقراطي بوصفها غير عادلة واعتبرها أنصار الحزب الديمقراطي حارسا لثروات الأجيال.
لكن اقتراح ترامب لم يأت مباشرا مثلما الحال في اقتراح الإلغاء، حيث قالت خطته أيضا إن «مكاسب رأس المال التي احتفظ بها الإنسان حتى موته والتي تتعدى 10 ملايين دولار سوف تخضع للضريبة، على أن تعفى المشروعات الصغيرة والمزارع العائلية من الضرائب». بمعنى آخر، ستدفع الضريبة على الممتلكات التي تتعدى قيمتها 10 ملايين دولار فقط في حال جرى بيع الأصول.
بالنسبة لبعض المحاسبين، فقد أحيا المقترح ذكريات عام 2010 عندنا أُلغيت الضريبة العقارية، وخضعت أصول الأثرياء لضريبة رأس الماس بحسب قيمتها المتزايدة، وهو ما مثل صداعا حقيقا، إذ إن قلة من الناس فقط هي من تحتفظ بسجلات تفصيلية للرجوع للثمن الأصلي، أو لتحديد السعر بعد خضوع الأصل للتحسينات على مدار عقود.
غير أن خطة ترامب، وفق تفسير بعض المحامين والمحاسبين، ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية طالما أنهم لم يبيعوا ما ورثوه. وسوف يمثل ذلك صعوبة لمن ورث تركة متواضعة لأنهم عادة ما يبيعون وينفقون ما ورثوه، لكن ذلك لن ينطبق بالضرورة على من ورثوا تركات ضخمة مثلما الحال بالنسبة لأبناء ترامب لأن العقارات التي ستؤول ملكيتها لهم ستدر دخلا كبيرا، ناهيك عن ملاعب الغولف التي سيستطيعون الاقتراض بضمانها من دون الحاجة إلى بيعها.
وأفاد مارك بلوستين، شريك بمؤسسة روبس آند غراي، بأن «أغلب الناس ممن لديهم ثروات كبيرة عادة ما تكون ثرواتهم على هيئة أصول رأسمالية تزيد قيمتها بمرور الوقت»، مضيفا: «يعتمد الأمر هنا على ما إذا كنت تنوي بيع الأصول أم لا. فمثلا في حال ورث شخص ما مجمع منشآت عائلية فسيكون الأمر عظيما، لكن بالنسبة لشخص ورث مشروعا تجاريا تحصلت عليه عائلته عن طريق مزاد علني فسوف يتعين عليه سداد الضرائب المستحقة».
وفيما يخص الخصم في حال المساهم في المشروعات الخيرية، فقد تعرض ترامب لهذا في خطبه الجماهيرية مرتين. فمن ضمن مقترحاته بشأن الضريبة العقارية، أنه «لكي نتجنب الظلم، فلن يسمح بمشاركة الأصول المتزايدة في الجمعيات الخيرية الخاصة التي أسسها المتوفى أو أقاربه». وفي الجزء المتعلق بضريبة الدخل، قال ترامب إن جميع الشرائح الموضحة التي تمتعت بخصومات ضريبية سيكون حدها الأقصى مائتي ألف دولار أميركي للزوجين. في حين يستخدم أغلب الناس خصومات محددة للدخل الضريبي الحكومي المدفوع وفوائد الرهن العقاري، فإن هذه الخصومات - المقدمة للأثرياء المقيمين في ولايات لا يخضعون فيها لضريبة الدخل ولا لفوائد الرهن العقاري للمنازل التي يعيشون فيها - جميعا تأتي من المساهمات في الجمعيات الخيرية. وغالبا ما تكون هذه المساهمات بالملايين، أو مئات الملايين من الدولارات.
فحسب الخبراء الماليين فإن تحديد الحد الأقصى للخصومات بمبلغ مائتي ألف دولار، ومنع أي خصومات أخرى، فوضع الأصول المتزايدة في مؤسسة عائلية خاصة من شأنه أن يحد من الحوافز المالية للأثرياء ولن يشجعهم على الدخول في مؤسسات خيرية.
بالطبع، سيقول كثير من المستشارين إن الحوافز الضريبية ليست هي السبب الوحيد في تقديم الناس المال للجمعيات الخيرية. لكن عامل الحوافز المالية، في بعض المستويات، كان له الفضل في جعل الأميركان أكثر شعوب العالم إقبالا على الأعمال الخيرية في العالم.
«أشعر بالضيق من إمكانية أن تكون خصوماتي مشروطة بمساعدة مزيد من الناس»، وفق تود مرجان، رئيس مؤسسة بي أير للاستشارات الاستثمارية، وأحد المؤيدين لمقترح إلغاء الضريبة العقارية، مضيفا: «لكني سأستمر في فعل ذلك للأسف. لكن إن لم يجر تخفيف ذلك، فإن هذا الجانب من قانون الضرائب سوف يكون أمرا سلبيا بالنسبة للمحتاجين».
من ضمن القوانين الحديثة المرتبطة بقانون العقارات هناك قانونان يمكن أيضا أن يلغيا: «ضريبة الهدايا» وضريبة «تخطي الأجيال»، وهما الضريبتان اللتان لم يتناولهما ترامب في خطاباته بشكل مباشر، لكن مستشاري الضرائب أفادوا بأن ترامب قد يقدم على إلغائهما أيضا. فإن حدث فإن التأثير الاقتصادي لذلك سوف يكون أكبر من تأثير إلغاء الضريبة العقارية نفسها.
ففي الأصل، كان الهدف من سن قانوني «الهدايا» و«تخطي الأجيال» منع الأثرياء من تجنب سداد الضريبة العقارية. لكن، على سبيل المثال، في حال أراد ثري منح أصوله لأطفاله أو أحفاده من ذوي الشرائح الضريبية الأقل، فسوف يدفعون ضرائب أقل على النقل إلى ملكيتهم، مما يقلل المال المفترض أن يذهب إلى الخزانة الأميركية.
ولمواجهة ذلك، بدت خطة ترامب بشأن الضريبة العقارية وكأنه قد فصلها لتناسب مقاس الأثرياء مثله: فثروته مركزة في العقارات، ولن يحتاج ورثته لبيعها، ولذلك لن يخضعوا للضريبة العقارية المفترض سدادها بعد بيع عقار يتعدى ثمنه 10 ملايين دولار، ناهيك عن أنه ليس من طبعه التبرع للمساهمة في الجمعيات الخيرية، ولذلك لن يستفيد كثيرا من الخصم المقدم للمتبرعين لتلك الأعمال.
وقالت سارة كونلي، شريكة بشركة نيكسون بيبودي للمحاماة والاستشارات، إن «الضريبة العقارية لن تؤثر على سكان المناطق الريفية الذين توافدوا بأعداد غفيرة للتصويت له».
فرغم أن الجمهوريين سيسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ، فقد يناضل ترامب لإلغاء الضريبة العقارية. وأفاد ريتشارد بهرنديتت، مدير التخطيط العمراني بمؤسسة إنيكس ويلث مانجمنت ومستشار سابق بدائرة الإيرادات الداخلية، بأنه «لن يكون الأمر بالسهولة التي نراها الآن». لكن بالنسبة لبالغي الثراء، فقد يكون انتخاب ترامب قد تسبب بالفعل في إثارة الجدل حول موضوع كان من المقرر له أن يثار في الأول من ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ وهو مناقشة المزايا الضريبية الضخمة الممنوحة للشراكة العائلية.
مثل تلك الشراكة عادة ما تستخدم للحفاظ على الأصول العائلية، مثلما هي الحال في الشركات الخاصة. وكانت دائرة الإيرادات الداخلية قد سمحت بخصم بلغ نحو 30 في المائة من الأسهم بتلك الهيئات نظرا لقلة عدد المساهمين (في حال ما كان الشركاء أقارب، فيحق للشريك الخارجي الشراء بتخفيض كبير).
غير أن تلك الكيانات تخضع للتدقيق منعا لإساءة استخدام القانون، فقد يقدم مثلا بعض الأثرياء على ضخ الأصول سهلة التقييم داخل هذا الكيان العائلي، مثل السندات المالية السوقية ليستفيد من التخفيضات الكبيرة الممنوحة لتلك الشريحة. أفاد المستشارون الأسبوع الحالي أنهم يرون أن الاجتماع المفترض أن يسد تلك الثغرة لن يسفر عن شيء يذكر، هذا إن عقد الاجتماع من الأساس. فجميع هذه التغييرات الضريبية تأتي أعلى القائمة وقبل قوانين أكثر أهمية والتي تهدف إلى إعادة صياغة ضريبة الشركات، والتي تمثل أهمية كبيرة لأصحاب المشروعات، وقوانين أخرى مثل تخفيض ضريبة الدخل الشخصي وإلغاء نسبة 3.8 في المائة المقررة كضريبة دخل استثماري والتي استهدفت «قانون الرعاية بأسعار معقولة» التي قال ترامب إنه ينوي إلغاءها.
فبالنسبة لمرشح وصفت رسالته بأنها شعبية، جاءت مقترحاته الضريبية لتوحي بعكس ما يقول. فمقترحاته ستسمح بخلق ثروات عبر الأجيال كمنافس لما يعرف بـ«العصر المُذهب» في الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي والذي كان سببا في سن قانون الضرائب بالدولة الحديثة عام 1916.
*خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.