د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

الناقد العراقي عمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس
TT

د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس

مع سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي - الغربي في أبريل (نيسان) 2003، اكتشف الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم، معنى مختلفًا لـ«الآخر»، الذي ظلّ يدرسه باعتبار وجوده ضروريًا للوجود الإنساني برمته «من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر»، هكذا يقول، لكن بعد الغزو أصبح مهتمًا أكثر بدراسة الآخر وصوره علميًا وأكاديميًا ونقديًا، وذلك في الأدب، وبشكل خاص في الرواية. وتمخض مشروعه في دراسة الآخر في الأدب عن أربعة مؤلفات وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، التي تصب في هذا الموضوع، من بين كتبه: «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، و«الآخر في الشعر العربي الحديث».
مشروعه الآخر، كان العمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام، عبر مؤلفه «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» ضمن مشروع غير مكتمل لـ«الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019».

> درستَ موضوع «الآخر» في الأدب والشعر، وحصلتْ بعضُ دراساتكَ عن هذا الموضوع على جوائز عربية.. ماذا يعني لك «الآخر»؟
- بعيدًا عن تمثّله في الأدب والإبداع، يمثّل «الآخر» لي مكمِّلاً، بل أشعر بأن ليس من وجود إنساني حقيقي لي دونه، ولهذا تراني أريد الآخر دومًا، فأكون قريبًا منه بكل أنواعه؛ الآخر طائفيًا أو دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا أو جنسًا. بل إني لأستغرب أنْ أجد الكثيرين لا يتقبلون إلا المشابه لهم، ولا أفهم لماذا يكتفون به بينما من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر. ولكن لأعترف بأنّ هناك نوعًا من الحيرة في الموقف الذي يجب أن نتخذه من الآخر أحيانًا، وهي عندي نشأت من رؤيتي لاحتلال الآخر - الأميركي وإلى حد ما الأوروبي - لبغداد، ورؤيتي لها في أعقاب عودتي إليها بعد غربة سبع سنوات، محتلّةً منه، ورؤية قسوته وهمجيته، مع تواصل حضور هذا الآخر - عينه تقريبًا، أعني الأوروبي والأميركي - في ذاكرتي بشكل أصدقاء وأحبة عشت وإياهم في بلدانهم وخبِرت تحضرهم ورقيّهم، بل تعلّمت منهم وتطورت بهم.
> لكن هذه الحيرة كانت حافزًا..
- نعم، هذه الحيرة إزاء هاتين الصورتين المتناقضتين جعلت دراسة الآخر وصوره موضوعي الأثير الذي أهتم به، ولكن في الأدب، وبشكل خاص في الرواية، أي علميًا وأكاديميًا ونقديًا، محاولاً حل إشكالات هذا التناقض، والإجابة عن أسئلة كثيرة تُثار فيها، وربما، على العكس، إثارة أسئلة أخرى. وهكذا جاءت أربعة من كتبي، وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، تصب في هذا الموضوع.
> وما سمات هذا «الآخر» في الأدب؟
- قد تشتبك مجموعة صور للآخر مع بعضها، وقد تحضر واحدة منها في هذا العمل وتحضر أخرى في عمل آخر. وكل ذلك يعتمد، بظني، على مجموعة عوامل، لعل أهمها اثنان، الأول تجربة الكاتب العملية والحقيقية، وأعني هنا تجربي أنا الشخصية مع الآخر، والثاني الرؤية الثقافية والفكرية وربما السياسية له التي تجعل الفرد باحثًا أو مفكرًا أو دارسًا أو قارئًا أو حتى إنسانًا عاديًا يرى الآخر، ولا سيما الغربي، بهذا الشكل أو ذلك، أو تسهم في صياغة هذه الرؤية وبالتالي رسم صورته.
> ومن أين يستمد وجوده؟
- في الأدب وفي الفن، يستمد وجوده من تجربة الكاتب ومن رؤيته الفكرية، وقد يمكن إضافة عوامل كثيرة تلعب دورًا أو أدوارًا في هذا الوجود وطبيعته، كما تطرقت إلى هذا فعلاً في دراساتي.
> هل تعريف الآخر معتمد على تعريف الذات؟
- بشكل أدق أقول: معرفتك بالآخر تنطلق في بدايتها على معرفتك لنفسك، بتعبير آخر تعتمد معرفة الآخر، في كثير منها، على معرفة الذات، والعكس صحيح، لتعرف نفسك يجب أن تعرف الآخر. وكلامي هنا يخرج عن حدود الآخر الذي أُعنى به، فالآخر هنا كل من هو ليس أنت، على مستوى الشخص والعائلة والملّة أو الشعب والديانة والطائفة.. إلخ.
> على الصعيد الأدبي، كتبتَ «الرواية العربية والآخر»، كيف عالجتْ الرواية العربية هذا الموضوع؟
- الحقيقة أن لدي كتابين: الكتاب الأول، هو الذي تشير إليه، وهو عبارة عن مجموعة دراسات، واحدة منها فقط تُعنى بالآخر حضورًا وصورةً في الرواية العربية وموقف العربي منه وعلاقته به. أما بقية دراسات هذا الكتاب فهي عن الرواية والآخر من حيث علاقتها به وبأدبه والتأثير والتأثّر بينهما، أحدها عن «كافكا» في الرواية العربية. الكتاب الثاني هو «الآخر في الرواية العربية المعاصرة» أحد أسسه الدراسة التي ضمها الكتاب الأول عن الآخر في الرواية العربية، وهو الفائز بجائزة الإبداع العربية التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي المعروفة. فضلاً عن دراسات كثيرة عالجت جوانب مختلفة من هذا الموضوع في الرواية العربية، مثل المرأة الغربية في الرواية العربية، ونحن والآخر إلى أين؟ وغيرها، إضافة إلى كتاب خرجت فيه عن الرواية إلى الشعر، وهو «الآخر في الشعر العربي الحديث».
> بعيدًا عن موضوع «الآخر»، لك كتاب «مشكلة الحوار في الرواية العربية»، الذي قد يكون الكتاب الوحيد عربيًا الذي قام على موضوع «الحوار في الرواية العربية». ما هذه المشكلة؟
- الواقع (مشكلات) وليست مشكلة واحدة، وبظني أن الكثير من العرب، كتّابًا وروائيين وقاصين ومؤلفي أفلام ودراما وكتّاب سيناريو ومخرجين وممثلين، يُخفقون في الحوار. ولكي تعي هذا وتتلمسه تلمّس اليد، إن لم تكن منتبهًا إلى هذا أصلاً، يمكنك أن ترجع إلى كثير من الأفلام والأعمال الدرامية العربية، التي لا تكاد تسلم من الضعف في الحوار، ولهذا بدأتُ كتابي، في المقدمة، بأمثلة مضحكة من أفلام عربية، بوصفها جزءًا من مبررات تأليف كتابي، وكنت أتمنى أن أتناول الفيلم والدراما، ولكن لأن تخصصي واهتمامي بالرواية، فقد جاء الكتاب عن هذه المشكلة في الرواية العربية، وهي مشكلة موجودة، على أية حال، فيها. ومن أهم جوانب الضعف والخطأ اللذين يجعلان من القضية مشكلة، التعامل مع العربية من حيث فصحاها وعاميّاتها، وطول الحوار والجملة الحوارية، وتناسب وعدم تناسب الحوار مع الشخصية المتكلمة به، واستخدام الحوار بوصفه تقنية فنية، وغير ذلك.

الرواية العراقية

> لديك دراسات توثيقية وبيلوغرافيا عن الرواية العراقية في 100 عام، ما نتائج هذه الدراسة؟
- نعم، أصبتَ، والعمل المركزي فيها هو «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» وهو في بعض حقيقته طبعة لمشروع غير مكتمل كما أريده وهو «الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019» أنوي أن أنشره، إذا أمدّ الله في عمري، سنة 2020، وعليه يكون المنشور حاليًا هو بمثابة «الفهرست غير الكامل للرواية العراقية في مائة عام». أما عن النتائج التي تسألني عنها، فهي كثيرة، لكن النتيجة الأساسية أو الرئيسية أو المركزية فهي بالطبع عدد العناوين التي ضمها، التي زادت على 1200 عنوان رواية عراقية صدرت خلال 95 سنة. ومن النتائج الأخرى ما قدمته في فهارس فرعية، وملاحق. من ذلك مثلاً «فهرست الرواية النسوية في العراق»، وضمّ أكثر من 150 رواية، و«فهرست رواية الفتيان في القرن العشرين» وضم 50 رواية، وملحق «أرقام وإحصاءات».
> كيف تفسر غياب العراقيين عن الرواية سنوات طويلة، هل للأمر علاقة بهيمنة الشعر؟
- عدم توجه العراقيين نحو الرواية هو من عدم توجه العرب عمومًا نحوها إلا بعد ظهورها في العالم بعد أكثر من مائتي سنة، ولهذا أسباب كثيرة قد يكون بعضها حقائق، بينما يبقى بعضها الآخر اجتهادات نظرية، قد نتفق معها وقد لا نتفق، وفي كل الأحوال لا بد أن يكون لذلك علاقة بطبيعة الشخصية العربية من جهة، وتعلّقًا بذلك بطبيعة الثقافة العربية المتوارثة.
> ماذا عن الطفرة الروائية التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين، هل للأمر علاقة بالتحول السياسي الناجم عن تغير نظام وصعود قوى أخرى؟
- نعم، قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون محقًا في أن لهيمنة الشعر علاقة بتأخر الطفرة التي تشير إليها. البداية الحقيقة للرواية الفنية العراقية التي نستطيع أن نسميها إنجازًا، تعود إلى منتصف الستينات، وجاءت الطفرة في العقدين الأخيرين تقريبًا، ومرة أخرى لأسباب كثيرة منها ما تشير إليه. نعم للتحولات التي شهدها العراق في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، سلبيّها وإيجابيّها، دور في ذلك. ولعل بعض مؤشرات هذه الطفرة تعبّر عن ذلك، ومنها: أولاً ازدياد عدد الروايات، فبعد أن كان عدد الروايات التي تصدر كل عام قبل عقدين أو ثلاثة يتراوح ما بين 10 و20 صار العدد في السنوات الأخيرة عادة ما يتعدى الستين، وثانيًا ازدياد عدد الروائيات والروايات النسوية، وثالثًا حصول الروائيين العراقيين على جوائز كثيرة، وغير ذلك.

سيرة ذاتية

> ولد في بلدة بهرز بمحافظة ديالى عام 1951. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1973، ثم الدبلوم العالي في التربية من الجامعة نفسها. وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة إكستر في بريطانيا، عام 1984.
>عمل أستاذًا في جامعات العراق وليبيا والأردن وسلطنة عمان، وأستاذًا زائرًا في بريطانيا. وهو حاليًا أستاذ الأدب المقارن والحديث والنقد، في كلية الآداب بجامعة بغداد.
> حصل على كثير من الجوائز، بينها جائزة خليفة التربوية في الإمارات، لسنة 2015، عن كتاب «رواية الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات». وجائزة الإبداع العربي لمؤسسة الفكر العربي في لبنان، لسنة 2014، عن كتاب «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة». جائزة يوسف بن أحمد كانو في البحرين لسنة 2009، عن كتاب «الآخر في الشعر العربي الحديث».
ألَّف أكثر من ثلاثين كتابًا، من بينها:
> «الرواية العربية في القرن العشرين» (تحرير واشتراك في التأليف)، الدوحة، 2016.
> أميركا والأميركي في الرواية العربية، بيروت، 2016.
> «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014»، بغداد، 2015.
> رواية «الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات»، بيروت، 2014.
> «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، بيروت، 2013.
> «أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث»، عمّان، 2011.
> «الآخر في الشعر العربي الحديث.. تمثُّل وتوظيف وتأثير»، بيروت، 2010.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي