حالة ركود فعلية للعولمة.. حقيقة عابرة حول التجارة

أبرز أسبابها تباطؤ الاقتصاد العالمي

بحسب «معهد ماكينزي الدولي»، فإن 15 دولة تمثل ما يقرب من 63 في المائة من الحركة التجارية العالمية من البضائع والخدمات
بحسب «معهد ماكينزي الدولي»، فإن 15 دولة تمثل ما يقرب من 63 في المائة من الحركة التجارية العالمية من البضائع والخدمات
TT

حالة ركود فعلية للعولمة.. حقيقة عابرة حول التجارة

بحسب «معهد ماكينزي الدولي»، فإن 15 دولة تمثل ما يقرب من 63 في المائة من الحركة التجارية العالمية من البضائع والخدمات
بحسب «معهد ماكينزي الدولي»، فإن 15 دولة تمثل ما يقرب من 63 في المائة من الحركة التجارية العالمية من البضائع والخدمات

توقف التدفق المستمر للبضائع من آسيا إلى الولايات المتحدة لفترة وجيزة خلال الشهر الماضي بعدما أعلنت شركة «هانجين»، وهي خط الشحن من كوريا الجنوبية، عن إفلاسها، مما أدى إلى توقف عشرات السفن التابعة لها في أعالي البحار.. لقد كانت من اللحظات التي أثبتت، وبصورة حرفية، حالة الركود الفعلية للعولمة.
كان نمو التجارة بين الدول من بين التطورات الاقتصادية الأكثر تأثيرا وإثارة للجدل خلال العقود الأخيرة. وعلى الرغم من المناقشات الصاخبة، التي بلغت مستويات جديدة أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن هناك حقيقة عابرة، لا ينتبه إليها كثيرون، بأن التجارة تواصل الهبوط وليس الارتفاع. فلقد استوى منحنى التجارة العالمية خلال الربع الأول من عام 2016، ثم هبط بواقع 0.8 نقطة مئوية خلال الربع الثاني من العام نفسه، وفقا للإحصاءات الصادرة من هولندا، التي تفيد بأفضل البيانات العالمية حول ذلك المجال.
ولم تكن الولايات المتحدة استثناء في الاتجاه العام الواسع المذكور؛ حيث هبطت القيمة الإجمالية للواردات والصادرات الأميركية بواقع مائتي مليار دولار خلال العام الماضي. وهبطت التجارة، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2016، بواقع 470 مليار دولار إضافية.
وتلك هي المرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تشهد فيها التجارة بين الدول ذلك الانخفاض خلال فترة من النمو الاقتصادي.
يعد النمو الاقتصادي العالمي البطيء من أسباب ونتائج هذا التراجع في التجارة؛ ففي أفضل الأوقات، زاد الازدهار من التجارة وزادت التجارة من الازدهار؛ سواء بسواء. والآن، بدأت العجلة في التحول في الاتجاه المعاكس؛ حيث يسبب الاستهلاك المنخفض والاستثمار المتراجع، هبوط مستويات التجارة، مما يؤدي إلى تباطؤ في النمو.
ولكن هناك إشارات إلى أن ذلك التباطؤ قد أصبح هيكليا. ويبدو أن الدول المتقدمة تفضل التراجع عن نطاق العولمة.
ولقد أسفرت جولة منظمة التجارة العالمية من المحادثات التجارية الأخيرة، عن فشل كبير خلال العام الماضي. وكانت الشراكة عبر المحيط الهادي، وهي المحاولة لصياغة الاتفاق الإقليمي التجاري بين الدول المطلة على المحيط الهادي، قد تعثرت ثم انهارت. ولقد عارض تلك الشراكة كل من المرشحين الرئاسيين الأميركيين. وفي الأثناء ذاتها، هناك حدود جديدة قيد الظهور؛ حيث بدأت بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي. وقالت منظمة التجارة العالمية في يوليو (تموز) الماضي إن أعضاء المنظمة قد وضعوا أكثر من 2100 قيد جديد على التجارة منذ عام 2008.
وكتبت كريستين لاغارد، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، تقول في دعوتها الأخيرة للدول من أجل تجديد التزاماتها التجارية: «تعطيل التجارة الحرة من شأنه أن يسبب شللاً في المحرك الذي حقق مكاسب غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم على مدى عقود كثيرة».
ووقع الاتحاد الأوروبي وكندا، في مواجهة التيار السائد الحالي، اتفاقية تجارية جديدة الأسبوع الماضي. وقد يكون من الصعب، رغم كل شيء، حشد تأييد الرأي العام داخل الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة.. فلقد تراكمت مكاسب العولمة وبصورة غير متناسبة بالنسبة للأثرياء فقط، بينما وقعت التكاليف برمتها على كاهل العمال المشردين من أعمالهم، في حين فشلت الحكومات في التخفيف من معاناتهم.
لقد انقضت ثورة «وول - مارت» وانتهت. خلال عقد التسعينات، نمت التجارة العالمية بأكثر من ضعف الاقتصاد العالمي، في الفترة التي اتحدت فيها أوروبا، وأصبحت الصين مثل المدينة الصناعية، وانخفضت التعريفات الجمركية بصورة كبيرة، كما انخفضت تكاليف النقل كثيرا.. لقد كان عصر «وول - مارت» بالفعل.
ولكن تلك التغيرات قد انتهت؛ حيث بدأت بعض الدول الأوروبية تعبث بحدود الاتحاد المقدسة، وليست هناك من وسيلة لتخفيض رسوم التعريفة الجمركية وتكاليف النقل عما هي عليه الآن. كما أن الدور الصيني في الاقتصاد العالمي بدأ يتغير؛ حيث أصبحت الصين تصنع أكثر مما تستهلك، وتستهلك كثيرا مما تصنعه.. بالإضافة إلى ذلك، يعمل القطاع الصناعي الصيني الناضج الآن على إنتاج ما يحتاج إليه بالفعل.
وصدر تقرير عن صندوق النقد الدولي العام الماضي يفيد بأن نسبة المكونات المستوردة في المنتجات المصنعة في الصين قد هبطت إلى 35 في المائة من واقع 60 في المائة خلال عقد التسعينات.
والنتيجة أن دراسة صندوق النقد الدولي حسبت أن نسبة واحد في المائة زيادة في النمو العالمي أدت إلى ارتفاع حجم التجارة بنسبة 2.5 في المائة خلال عقد التسعينات، بينما سجل النمو نفسه، في السنوات الأخيرة، للتجارة بنسبة 0.7 نقطة مئوية فحسب.
راهنت شركة «هانجين»، مثل شركات الشحن العملاقة الأخرى، على استمرار التجارة العالمية في التوسع بوتيرة سريعة. في عام 2009، كان لدى شركة الشحن العملاقة ما يكفي من المساحة لحمل 12.1 مليون حاوية من حاويات الشحن القياسية التي لعبت دورا حاسما، وإن كان هادئا، في ارتفاع وتيرة التجارة العالمية. وبحلول العام الماضي، كانت لدى الشركة مساحة لحمل 19.9 مليون حاوية؛ كثير منها لا حاجة لها.
ليست الهند صورة من الصين، وأغلب تدفقات التجارة تتم بين الدول المتقدمة. وبحسب «معهد ماكينزي الدولي»، فإن 15 دولة تمثل ما يقرب من 63 في المائة من الحركة التجارية العالمية من البضائع والخدمات، وحصة أكبر من الاستثمارات المالية.
ولقد انضمت الصين إلى هذا النادي بالأسلوب القديم، حيث استخدمت المصانع في بناء الطبقة الوسطى. ولكن أتمتة الأعمال في المصانع تجعل الأمر صعبا على الدول الأخرى للمواكبة. ويحسب داني رودريك، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، فإن العمالة الصناعية في الهند وغيرها من الدول النامية، قد بلغت ذروتها بالفعل، وهي الظاهرة التي يسميها «التصفية الصناعية السابقة لأوانها».
ويسبب ضعف الاقتصاد العالمي تفاقم هذا الاتجاه؛ حيث انخفضت استثمارات البنية التحتية من جانب الشركات متعددة الجنسية للعام الثالث على التوالي في 2015، وفقا للأمم المتحدة. وهي تتوقع مزيدًا من الهبوط خلال العام الحالي. ولكن حتى إن استعاد النمو عافيته، فإن الأتمتة تقلل من الحوافز على الاستثمار في العالم النامي ذي العمالة الرخيصة، كما تقلل من مكاسب تلك الاستثمارات لسكان بقية البلدان النامية.
كما أن ردود الفعل السياسية ذات طبيعة عالمية هي الأخرى؛ فلقد نشر الخبير الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش رسما بيانيا في عام 2012، ذلك الذي يُسمى في بعض الأحيان «رسم الفيل»، بسبب أن هناك تشابها مؤكدا.. حيث يُظهر ارتفاع الدخول الحقيقية بشكل كبير بالنسبة لمعظم سكان العالم بين عامي 1988 و2008، ولكن ليس بالنسبة لأغلب سكان الولايات المتحدة وبقية الدول المتقدمة.
وغالبا ما يُقدم هذا الرسم البياني تصويرا لعواقب العولمة؛ حيث إن الحقيقة أكثر تعقيدا، ولكن التصور لا يمكن إنكاره.. حيث ينظر الناخبون في الدول المتقدمة لأنفسهم من واقع أنهم ضحايا التجارة مع العالم النامي، وأن ردود الفعل آتية لا محالة.
وتعد حملة دونالد ترامب الرئاسية تعبيرا واضحا عن ذلك، حيث إن هيلاري كلينتون تتراجع عن تأييدها السابق لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي. وقد نشرت دراسة في أبريل (نيسان) الماضي خلصت إلى أن الناخبين في الدوائر الخاصة بالكونغرس كانوا الأكثر تضررا من فقدان الوظائف، وهم الأكثر تأييدا للمرشحين المعتدلين، لكنهم يتحولون بدلا من ذلك إلى المرشحين الذين يتخذون مواقف أكثر عدائية وتطرفا.
ويسبب الركود الاقتصادي تحول الناخبين الأوروبيين ضد التجارة أيضا.
وقال البروفسور رودريك إن أنصار التجارة الحرة كانوا مذنبين بالمبالغة في المكاسب والتهوين من التكاليف. وقال: «وبسبب أنهم فشلوا في عرض الفروق والمحاذير، أصبحت التجارة محاصرة بين جميع أنواع العلل، حتى وإن لم تكن ملاحظة. وإن كان الديماغوجيون والمنحازون يتقدمون بمطالبات لا معنى لها بشأن التجارة ويجدون من يستمع إليهم، فإن أنصار ومشجعي التجارة الحرة هم الأولى بكثير من اللوم».
* خدمة «نيويورك تايمز»



خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدُّعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، وهي السوق التي طالما اعتُبرت «نظام ظل» بعيداً عن الرقابة الصارمة.

بدأت ملامح الأزمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الأصول في العالم إلى تقييد عمليات السحب، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007 عندما بدأت صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للأزمة المالية العالمية. ورغم أن حجم سوق الائتمان الخاص حالياً يبلغ نحو تريليونَي دولار، وهو أقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار، غير أن الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.

أزمة السيولة وتخبط الكبار

بدأت ملامح الضغط تظهر بوضوح عندما أعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، وضع قيود على عمليات الاسترداد من أحد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار، إثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

ومع تسارع وتيرة الذعر، شهدت كواليس كبار مديري الأصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية، حاولت شركة «بلاكستون» احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم «BCRED» إلى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية، بل وذهب كبار شركائها إلى ضخ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير أن هذه الخطوة «الإسعافية» سرعان ما فقدت أثرها وتحولت إلى مصدر قلق إضافي عندما قامت «بلاك روك» باتخاذ إجراء صادم، حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة إلى «صفر» في غضون ثلاثة أشهر فقط، معلنةً في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد إلى 9.3 في المائة.

شعار شركة «بلاكستون» في مانهاتن (رويترز)

هذا التضارب الصارخ بين محاولات «بلاكستون لشراء الوقت» بضخ السيولة، واعتراف «بلاك روك» بانهيار قيمة الأصول وشطبها تماماً، كان بمثابة «رصاصة الرحمة» التي كشفت للأسواق هشاشة التقييمات الورقية، وأكدت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في النقد، بل هي تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية، وهو ما أجبر شركات أخرى مثل «بلو أول» (Blue Owl) و«كليف ووتر» على تقييد السحب تباعاً.

نظرية «الصراصير»

لم تقتصر التحذيرات على خبراء الاستثمار، بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، على خط الأزمة ليطلق تحذيراً مدوياً وصفه المحللون بـ«توصيف اللحظة»، حيث استند إلى حكمة قديمة في الأسواق المالية قائلاً: «عندما ترى صرصاراً واحداً، فمن المرجح أن هناك الكثير غيره»؛ في إشارة واضحة إلى أن حالات الإفلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل «تريكولور» لبيع السيارات و«فيرست براندز» ليست حوادث فردية، بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.

الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» جيمي ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

ولم يتوقف «جي بي مورغان» عند حدود التحذير اللفظي، بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس، حيث بادر البنك إلى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات، وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.

هذه الخطوة من أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بأن المخاطر قد انتقلت بالفعل من «نظام الظل» لتطرق أبواب النظام المصرفي التقليدي، مما وضع ضغوطاً هائلة على مديري الأصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.

فخ قطاع البرمجيات

أحد أكثر التفاصيل إثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات إلى أن قروض البرمجيات تشكل ما يصل إلى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.

ومع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدأت الأسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.

هذا الشك أدى إلى انهيار أسعار أسهم عمالقة الائتمان مثل «كي كي آر» و«أبولو» بنسبة تتراوح بين 30 في المائة إلى 45 في المائة.

المثير للدهشة أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 9.2 في المائة في عام 2025، ومع ذلك، لم تشمل هذه النسبة بعدُ قطاع البرمجيات بشكل كامل، مما يعني أن «موجة التعثر الكبرى» لم تأتِ بعد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تسلل الأزمة للشرايين المصرفية

لم تعد الأزمة حبيسة صناديق الاستثمار، بل بدأت تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. «دويتشه بنك» أصبح المثال الحي لهذا التداخل، حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار، وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من إجمالي قروض البنك.

وتكمن الخطورة في أن هذه القروض مسجلة بـ«التكلفة المطفأة»، أي أنها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.

الفساد وسوء الاكتتاب

تؤكد شركة «بيمكو» أن الأزمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق، بل هي نتيجة «اكتتاب سيئ للغاية» مبني على افتراضات واهمة بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لن يرفع الفائدة أبداً.

والأخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخٍ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون أن «الفساد موجود في كل مكان»، مما أدى إلى انهيار الثقة تماماً، وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد (CLO) بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط، بعد أن كانت تحقق مكاسب مستقرة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ما يجعل هذه الأزمة «اجتماعية» بامتياز هو تورط المستثمرين الأفراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل آمن ومدر للدخل، لترتفع حصتهم إلى 16.6 في المائة من السوق. اليوم، هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق «مغلقة البوابات». وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التدهور سيؤدي حتماً إلى «تضيق ائتماني»؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض، وسترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في أسعار الطاقة وشبح «الركود التضخمي».


«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.