«الشرق الأوسط» في الفلوجة.. أول مدينة احتلها «داعش» في العراق ولا تزال تعاني الخراب

40 % من سكانها عادوا.. ومبانيها وشوارعها موشومة بالرصاص والقذائف

سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» في الفلوجة.. أول مدينة احتلها «داعش» في العراق ولا تزال تعاني الخراب

سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)

الطريق من بغداد إلى الفلوجة (60 كيلومترا) مليء بنقاط التفتيش التي تسأل عن الهوية الشخصية، ومن أين أنت قادم وإلى أين تذهب؟ وعن أسباب الزيارة، لكن البطاقة الصحافية كفيلة بالإجابة عن الأسئلة، فالأجهزة الأمنية هنا متعاونة مع الصحافة. قرى وبيوت مرمية على جانبي الطريق ونحن نقطع أبنية سجن «أبو غريب» المركزي من جهته الخلفية.. كان علينا أن نغير مساراتنا بسبب قطوعات في الطريق لمخاوف من وجود عبوات ناسفة قد تكون ما زالت مزروعة هناك، وقبل الوصول إلى المدينة التي كانت محتلة من قبل مسلحي «القاعدة» ومن ثم تنظيم داعش لأكثر من ثلاث سنوات، نفاجأ بقوة أمنية تكشف نفقا يمر تحت الطريق الرئيسي، حيث اكتشفوا توا مجموعة كبيرة من العبوات الناسفة والمتفجرات مخبأة هناك. «الشرق الأوسط» زارت أول مدينة احتلها تنظيم داعش في العراق وتحررت في يونيو (حزيران) الماضي، وتنقل قصص الخراب فيها.
الطريق الدولي السريع (تم فتحه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي)، هكذا يطلقون عليه، كونه يربط العراق بالحدود البرية مع الأردن من جهة، ومع سوريا من جهة أخرى، وحتى دخول القوات الأميركية كان يعتبر واحدا من أفضل الطرق في المنطقة لسعته وجودته وسلاسة القيادة فيه، اليوم نجده مؤثثا بالحفر والمطبات التي انتشرت فيه منذ 2003 عندما داسته الدبابات والدروع الأميركية التي جوبهت بقذائف أهالي الفلوجة الذين رفضوا دخولهم بصفتهم محتلين. فقد تعرضت الفلوجة لهجمات عدة، منذ الاحتلال الأميركي وحتى خروج مقاتلي «داعش» في يونيو الماضي، مرات عدة من قبل القوات الأميركية، وأخرى من قبل الحكومة العراقية.
نجتاز النقطة (السيطرة) العسكرية الأولى بسلاسة، وفي السيطرة الثانية التي تقع عند حدود المدينة، فاجأنا ازدحام السيارات التي تقل العوائل العائدة من مخيمات النازحين إلى بيوتهم، نقرأ علامات السعادة مرسومة فوق وجوه الأطفال والنساء، بينما الرجال أولياء هذه العوائل منشغلون بالحصول على موافقات دخولهم إلى مدينتهم التي غادروها منذ ثلاث سنوات.. الإجراءات، وحسب قائمقام قضاء الفلوجة، عيسى ياسر العيساوي، تتلخص في «إدخال أسماء الرجال في الكومبيوترات، لمعرفة ما إذا كان الرجل مطلوبا للأجهزة الأمنية بسبب انتمائه إلى تنظيم داعش أو كان مطلوبا في أي قضية أو متورطا بجرائم قتل، هذه الإجراءات صارت اليوم تتم بسرعة بسبب التعاون الذي تبديه الأجهزة الأمنية مع العوائل العائدة، حيث يحصلون على بطاقات السماح لهم بالدخول آمنين إلى بيوتهم».
يقول العيساوي، الذي اختير مسؤولا عن إدارة المدينة منذ أكثر من عام لـ«الشرق الأوسط» في مكتبه وسط الفلوجة: «هناك ما يقارب 60 في المائة من النازحين لم يعودوا إلى بيوتهم»، وحسب لغة الأرقام التي يجيدها القائمقام فإن «23 ألف عائلة مسجلة باعتبارها من العائدين، لكن العدد الفعلي لمن استقروا هو 25 ألف عائلة»، مشيرا إلى أن «هناك عوائل نحن فضلنا عدم عودتها حاليا بسبب تورط أبنائها بالتعاون مع تنظيم داعش، ولا نريد الدخول في نفق الثارات العشائرية حاليا، وحتى نحقق المصالحة الأهلية بين هذه العشائر، كون مجتمعنا عشائريا تماما، وقد دعينا إلى اجتماعات ولقاءات وندوات يحضرها شيوخ عشائر وأكاديميون ورجال دين وأعضاء في البرلمان العراقي ومجلس محافظة الأنبار، للتداول في كيفية تحقيق هذه المصالحة»، منبها إلى «أننا نتبنى فكرة منح فرص لمن تعاون مع تنظيم داعش مجبرا أو تعاطف معهم، لكنه غير متورط بجرائم قتل أو اختطاف أو أي جريمة إرهابية».
العائدون يمضون نحو المجهول، لا يعرفون ماذا تبقى من بيوتهم وأثاثهم، بعضها دمر بالكامل، وبعضها أصابه خراب نسبي، وهناك بيوت وفيللات لم يصبها أي ضرر. القادمون من مخيمات الغربة والتعب، بعضهم أمضى ثلاث سنوات في ضياع هذه المخيمات بعيدا عن مدينتهم، وبعضهم كان مترفا ماديا فاستطاع إيجار بيت في بغداد أو أربيل أو السليمانية وحفظ عائلته من المتاعب والذل. أسأل أحد العائدين مع عائلته عن سبب عودته المبكرة، وما سيفاجئه من خراب وغياب الخدمات، فيجيب: «ليس هناك عذاب وإذلال أكثر من المخيمات والغربة، خصوصا إذا كانت معك عائلتك»، مستطردا بقوله: «لا يهمني إذا كنت سأجد بيتي مهدما بالكامل، سأنصب خيمة فوق أنقاضه، وسأبدأ بإعادة إعماره تدريجيا، المهم أنني سأنام مع عائلتي فوق أرضي وكرامتي محفوظة رغم غياب الخدمات».
وما يزيد من متاعب العائدين من مخيمات النزوح إلى بيوتهم، وحسب ما يوضحه العيساوي، هو أن «الحكومة لا تعوض المتضررين، لا تعوض عقاراتهم التي هدمت بسبب القصف الجوي أو المدفعي من قبل القوات الأمنية أو التفجير من قبل (داعش)، ولا أثاثهم ولا تساعدهم على إعادة إعمار بيوتهم»، معترفا أن «هناك القانون رقم 20 القديم الخاص بالتعويضات وإجراءاته بطيئة للغاية، فأنا أنتظر منذ 2008 تعويضي عن بيتي الذي هدم بعمليات إرهابية وحتى اليوم لم أحصل على أي شيء».
ندخل إلى المدينة، حيث إيقاع حياتها البطيء للغاية، الأبنية والشوارع التي سلمت من الدمار الكلي، موشومة بالرصاص والقذائف، ما من جدار يخلو من آثار الرصاص أو القصف المدفعي، بينما هناك أسواق وعمارات وبيوت احترقت وتهدمت بأكملها، حتى المساجد والمدارس لم تنج من القصف والتخريب، منائر مبتورة وقباب فيروزية مثقوبة في مدينة لقبت بمدينة القباب والمآذن لكثرة مساجدها.
في الشارع الرئيسي للمدينة، حيث تحتل عمارة محترقة، وما أكثرها هنا، أحد أركان الشارع قبالتها يتعانق رجلان، هما ابنا عمومة لم يلتقيا منذ ثلاث سنوات. «هجرنا (داعش)، وكل واحد منا راح في اتجاه مغاير، كنا منشغلين مع عوائلنا بالانتقال من مخيم إلى آخر، وها نحن عدنا قبل أيام قليلة لركام بيوتنا»، يوضح إبراهيم محمد الذي بدا متعبا للغاية، ومع ذلك يقول، وهو متكئ على دراجته الهوائية: «الحمد لله والشكر أننا عدنا إلى مدينتنا وأهلنا، عدنا مواطنين من أهالي الفلوجة التي ولد فيها آباؤنا وأجدادنا، بدلا من التسمية التي كانت تطلق علينا (نازحين)»، مشيرا إلى أن «الحكومة لم تقدم أي مساعدات أو دعم لنا، السياسيون سرقوا الأموال المخصصة للنازحين ولم يحاسبهم أحد، واليوم كل ما نحتاجه هو إعادة جزء من الخدمات مثل الماء والكهرباء».
الأحياء هنا يوحدها الخراب، قلة من الناس في الشوارع، حتى في مركز الفلوجة الحياة تجري بطيئة، ندخل شارع الأكارم في حي الشرطة بحثا عن الإيقاع الداخلي للمدينة التي خلت من المقاهي والمطاعم، نلتقي مصادفة رجلين يجلسان خارج منزليهما، الأول عاش في الفلوجة طوال وجود مقاتلي تنظيم داعش، والثاني ترك المدينة منذ اليوم الأول لدخول التنظيم إلى الفلوجة قبل أكثر من ثلاث سنوات وعاد إليها قبل أكثر من شهر.
يقول عصام ناجي فياض، وهو رب عائلة تتكون من ثلاثة أشخاص: «أنا لم أترك بيتي ومدينتي طوال السنوات الثلاث التي احتل فيها الدواعش الفلوجة، قررت البقاء هنا لأنني لا أريد أن أجرب ذل المخيمات ومتاعبها»، مشيرا إلى «نحن خرجنا قسرا قبل ثلاثة أشهر، أي عندما دخلت القوات العراقية لتطهير المدينة من التنظيم ومن العبوات الناسفة».
يتحدث فياض، الذي تنقل نبرات صوته ونظراته معاناة ومأساة ثلاث سنوات من المتاعب الحياتية والخوف والقلق، قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «كان هناك أكثر من مائة ألف من الأهالي، نساء وأطفالا ورجالا، حولنا ولم يتركوا بيوتهم، ربما هناك أعداد أكثر في الأحياء السكنية الأخرى، وكانت معاناتنا، خصوصا في السنة الأخيرة، لا توصف، إذ عانينا من شح المواد الغذائية والوقود، حتى إننا اضطررنا إلى حرق أثاثنا الخشبي لأغراض طبخ الطعام». يضيف قائلا إن «مقاتلي (داعش) استباحوا كل شيء، اعتبروا كل البيوت والمباني الحكومية (وقف للدولة الإسلامية) حسب ما كانوا يكتبون على جدران العقارات التي سكنوها وسرقوا ما فيها ثم فجروها أو زرعوها بالعبوات الناسفة، حتى الإنسان كان وقفا وأسيرا لديهم، نفعل ما يأمروننا به، وبعكس ذلك تكون عقوبة الجلد أمام الناس في الشارع العام، أسلوبهم الوحيد لمن يعتقدونه أنه خالف تعليماتهم مثل التدخين أو عدم الصلاة في المساجد أو عدم إطلاق اللحى أو للمرأة غير المنتقبة»، مشيرا إلى أن «ممارسات تنظيم داعش كانت أبعد ما يكون عن الإسلام وعن أي دين سماوي أو غير سماوي، مثلا كانوا يكدسون المواد الغذائية والوقود في بيوتهم، بينما هناك عوائل انتحرت جماعيا بسبب الجوع، كنا نطحن نواة التمر كي نصنع منه خبزنا، هذا غير أوامرهم اليومية التي قتلت حياتنا، باختصار نحن كنا في عداد الخسائر، في عداد الموتى، وكنا نحيا بالمصادفة ليس إلا».
ويوضح فياض: «محاولات الهروب من الفلوجة خلال وجود مقاتلي تنظيم داعش كانت مستحيلة، فالدواعش كانوا يمنعون التسلل من المدينة سواء عبر المزارع أو عبور نهر الفرات، وقد تكون العقوبة الإعدام إذا ما اكتشفوا محاولة الهروب من جحيم المدينة، وإذا حصل وتمكن أي شخص من التسلل من المدينة فقد كان هناك الحصار الذي فرضه الجيش العراقي، وغير هذا وذاك كان القصف المدفعي وبراميل المتفجرات التي تضرب الأحياء السكنية بصورة عشوائية فتقتل المدنيين ولا تصيب الدواعش، وقد راح عمي ضحية القصف المدفعي للقوات العراقية، وعندما حاولت إخراج عمتي المريضة من الفلوجة منعني تنظيم داعش وبإصرار، باختصار كنا بين سندان (داعش) ومطرقة القصف المدفعي وبراميل المتفجرات التي كانت تلقى علينا، وكان الأجدر بالحكومة أن تلقي علينا حاويات طعام وماء بدلا من حاويات الموت».
ويشير فياض إلى أن «غالبية الدواعش كانوا من الأجانب وليسوا من أهل المدينة، نعم هناك أكثر من خمسة في المائة من أبناء الفلوجة ينتمون إلى التنظيم، لكن الآخرين كانوا من جنسيات مختلفة، بينهم غربيون وبنغلاديشيون ومواطنون عرب».
بعد ثلاث سنوات من الحياة تحت ظل تنظيم داعش، ترك فياض بيته ومدينته قسرا بسبب بداية العمليات العسكرية لتحرير الفلوجة، يقول: «مع بداية العمليات العسكرية وبدء انحسار وجود الدواعش، الذين تركوا المدينة بلا قتال، تمكنا من التسلل إلى خارج الفلوجة، كان عددنا يقدر بعشرات الآلاف، مشينا مسافة ثمانية كيلومترات، هناك من حمل أمه فوق ظهره، أو وضعها بعربة يدوية، حتى وصلنا إلى القوات العسكرية التي أحسنت استقبالنا، أتذكر أنني شربت ما يقرب من سبعة قناني ماء مباشرة وقتذاك». يتوقف عن الحديث وكأنه يستذكر أمرا ما، ثم يقول مستطردا: «كانت ثلاث سنوات سوداء، ومظلمة، وقاسية، ومتعبة للغاية».
على العكس مما جرى لعصام فياض، الذي فضل البقاء ببيته ولم يهاجر إلى خارج مدينته، ربما العامل المادي أحد أسباب بقائه، فإن صديقه فلاح صالح نعيم كان يجلس فوق كرسي أمام بوابة بيته، ترك مدينته منذ الساعات الأولى التي بدأ فيه مقاتلو تنظيم داعش بالتسلل إلى الفلوجة، ذلك أن ظروفه المادية مكنته من الخروج في ظل ظروف آمنة كونه تاجر حديد، وكان يملك وقتذاك أربع سيارات. ويقول: «مع بدء ظهور مقاتلي (داعش) في الشوارع اتصل بي أحد الأصدقاء ونصحني بأخذ عائلتي وترك المدينة، وبسرعة حملنا بعض ملابسنا واتجهنا صوب هيت (تبعد مسافة 50 كيلومترا عن الفلوجة). تركنا البيت مثلما هو بأثاثه الثمين للغاية ولم نفكر إلا بحياتنا، يضيف قائلا لـ«الشرق الأوسط»: في «مدينة هيت استأجرت بيتا وأثثته وبقينا هناك عشرة أشهر، لتصل طلائع مقاتلي (داعش) إلى هناك، مما اضطررنا إلى ترك هيت باتجاه مدينة الرطبة».
ويبدو أن خريطة نزوح نعيم مرتبطة بخريطة تحرك مقاتلي تنظيم داعش، إذ «بعد وصولنا إلى الرطبة، وأيضا استأجرنا بيتا هناك وقمت بتأثيثه، اتجهنا إلى كبيس وحديثة، أي أن تحركنا كان في مدن غرب العراق والمحيطة بالفلوجة وضمن محافظة الأنبار، حتى قررنا السفر إلى بغداد والاستقرار هناك لحين موعد عودتنا إلى بيتنا هذا قبل أكثر من شهر».
يضيف نعيم قائلا: «أنا وعائلتي، التي تتكون من عشرة أشخاص، لم نسكن في مخيمات والحمد لله، لكن الغربة عن البيت والمدينة والأهل صعبة، ثم إنني فقدت كل ما كان عندي من سيارات وتجارة، وبعت سياراتي لأتمكن من حفظ كرامة عائلتي، وعندما عدت وجدت البيت خربا، حيث كان الدواعش قد اتخذوه مسكنا لهم، وكل الأثاث مسروق، سواء من قبل (داعش) أو غيرهم»، مشيرا إلى أن «الأوضاع الأمنية في الفلوجة مستقرة حاليا، لكن غياب الخدمات من الماء الذي نشتريه من القطاع الخاص (سعر حمولة صهريج الماء خمسة آلاف دينار عراقي أو ما يعادل 3 دولارات)، والكهرباء التي نوفرها عن طريق مولدات صغيرة».
انتظرنا في مكتب قائمقام الفلوجة، عيسى ياسر العيساوي، أكثر من عشرين دقيقة، حيث كان في جولة للإشراف على أعمال رفع الأنقاض، وتوفير ما يمكن تحقيقه من خدمات «حسب ما تتيحه لنا إمكاناتنا المادية»، حسب إيضاحه. كان وفد من شركة توزيع المنتجات النفطية في محافظة الأنبار موجودا في المكتب عند وصول القائمقام. الوقود أمر في غاية الأهمية في إعادة الخدمات للمدينة، بدءا من توفير الطاقة الكهربائية لضخ مياه الشرب وتصريف المياه الثقيلة، وخدمات النقل، والغريب أن وزارة النفط التي هي جزء من الحكومة لها تعاملاتها البيروقراطية في توفير الوقود لأي جهة حكومية وتتعامل معها باعتبارها مستفيدا خارجيا، ويجب استيفاء ثمن الوقود مثل أي عميل آخر، حتى وإن كان وضع مدينة الفلوجة وإعادة إعمارها طارئا.
العيساوي، ابن مدينة الفلوجة وينحدر من إحدى أبرز عشائرها التي تنتمي، مثل غالبية عشائر الأنبار، إلى قبائل الدليم، وقد عاصر تنامي الجماعات المسلحة في الفلوجة منذ أن كانت تنتمي إلى تنظيم القاعدة، يقول: «منذ 2011 كانت الفلوجة خارجة عن سيطرة القوات الأمنية، وكان وجود المجاميع المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة واضحا حتى 2013، حيث ظهر ما يسمى داعش، ومع المظاهرات وساحات الاعتصام، استغل المسلحون هذه الساحات وتكرس وجودهم وسيطروا على مجرياتها خصوصا بعد الاعتصامات في الرمادي واعتقال النائب أحمد العلواني في نهاية 2012، حيث تمت الاستفادة من هذه الحادثة، وسيطر المسلحون على الوضع تحت تسميات متعددة منها الثوار وثوار العشائر، لكن في الحقيقة هم من تنظيم داعش»، مشيرا إلى أن «الاعتصامات لم تكن بيد الدواعش إلا بعد أن فلتت الأمور من أيدي المتظاهرين وظهور الملثمين الدواعش، والتداعيات الأمنية في الفلوجة بدأت في 2011 بسبب الترهل الذي أصاب الأجهزة الأمنية واختيار قادة ومسؤولين غير متخصصين وبلا كفاءة، كما أن أموال المشاريع المخصصة للإعمار كانت نسبة كبيرة منها تذهب إلى المسلحين الدواعش الذين أيضا فرضوا إتاوات على أصحاب المحلات التجارية والمطاعم، والذي لا يدفع لهم كانوا إما أن يفجروا بيته أو محله وإما أن يختطفوا أحد أفراد عائلته لابتزازه».
ويشير العيساوي إلى أن «الدواعش دخلوا الفلوجة وسيطروا عليها خلال أيام ما بين نهاية 2013 وبداية 2014، وهي أول مدينة تحتل من قبل تنظيم داعش، وخرجوا منها في 24 يونيو 2016، وكانت أعدادهم كبيرة، وانسحبوا من المدينة بلا مقاومة وبلا قتال. وكان هناك ما نسبته ما بين 50 و60 في المائة منهم من أهالي الفلوجة نفسها، وتم اعتقال 1700 منهم وهم قيد الاعتقال والتحقيق، ونحن نخشى من الثارات العشائرية بين الدواعش وضحاياهم، ونحن نعمل على إجراء صلح مجتمعي خصوصا مع الذين لم تلطخ أيديهم بالدماء، هناك من أيد أو تعاون مع التنظيم دون أن يقترف أي جريمة، وهناك عوائل انتمى أحد أفرادها للتنظيم، وهؤلاء لم نسمح لهم بالعودة لحين تحقيق مصالحة بين العشائر، ونحن نعمل على عقد مؤتمرات لشيوخ العشائر يحضرها أكاديميون ورجال دين وبرلمانيون».
وبين جهود القائمقام في تحقيق الصلح الاجتماعي وإعادة الاستقرار في المدينة يتوزع وقت العيساوي، خصوصا أنه المسؤول الإداري عن واحدة من أكبر مدن محافظة الأنبار التي تبلغ مساحة مركزها خمسة كيلومترات مربعة، وتضم 50 حيا سكنيا بينها ستة أحياء غير مفتوحة، بسبب وجود المتفجرات التي زرعها الدواعش قبل خروجهم»، حسب إحصائيات رسمية يوردها العيساوي، الذي يضيف: «أنا مسؤول عن طلبات سكان المدينة، خصوصا أنهم يعودون إلى أحياء خربة وبلا خدمات، إذ يبلغ عدد سكان مركز الفلوجة 300 ألف نسمة، وعن عودة الدراسة في 75 بناية مدرسية لم تفتح إلا قسم بسيط منها، كما يوجد مستشفيان، واحد للنساء والأطفال والثانية عامة، وجامعة الفلوجة التي تضم خمس كليات بدأت الدراسة فيها فعليا».
وحول ما يتعلق بتوفير الخدمات، يوضح قائمقام الفلوجة أن «خدمات الكهرباء وصلت إلى قسم من الأحياء السكنية، ونعمل على إعادتها إلى كامل المدينة، بسبب الأضرار التي لحقت بالشبكة والمحولات، وهناك المولدات التابعة للقطاع الخاص، بينما يتم ضخ الماء الصالح للشرب بواقع 3 ساعات يوميا، بسبب الأضرار في شبكات الأنابيب، فالطاقة التشغيلية لمشروع الماء هي 2200 متر مكعب بالساعة، وهذا كان يغطي صفر في المائة من احتياجات الأهالي، والآن يعمل بطاقة 500 متر مكعب في الساعة»، مشيرا إلى أن نسبة الدمار والخراب في المدينة تبلغ 30 في المائة، والإعمار يتم شخصيا، يعني الناس هي التي تعيد بناء بيوتها أو محلاتها التجارية وليست الحكومة التي لم تقدم أي تعويضات للمتضررين أو أن تعيد إعمار المدينة.. ما يحدث الآن هو أننا سعينا لإعادة الاستقرار والاهتمام بالبنى التحتية، وتسلمنا الأعمال الطارئة لإعادة الاستقرار التي تحتاج إلى ما يعادل نحو مليار و700 مليون دينار عراقي (ما يعادل نحو مليون و250 ألف دولار تقريبا).. أهّلنا مشاريع الماء والمياه الثقيلة ورفع الأنقاض وتأهيل جسر الفلوجة، فقد دمر (داعش) جميع جسور الفلوجة والبالغ عددها 11 جسرا».
المشهد الحياتي في مدينة الفلوجة الخارجة من ظلام تنظيم داعش، ليس قاتما تماما، إذ تتخلله بعض الألوان التي تبعث على التفاؤل، فأصحاب المحلات التجارية أعادوا أو يعيدون إعمار محلاتهم ويجهزونها بالبضائع رغم آثار التفجير وسواد الدخان الذي يغلف البناية بأكملها، وفي سوق المدينة الكبير تتوفر غالبية من المواد الغذائية والحاجات المنزلية والكهربائية الضرورية.. الحياة لم يوقفها تنظيم داعش، إذ إن إصرار الأهالي على الاستمرار بحياتهم يعطي دفقة أمل بعودة المدينة إلى أوضاعها السابقة، حتى لو تأخر ذلك.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.