«الشرق الأوسط» في الفلوجة.. أول مدينة احتلها «داعش» في العراق ولا تزال تعاني الخراب

40 % من سكانها عادوا.. ومبانيها وشوارعها موشومة بالرصاص والقذائف

سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» في الفلوجة.. أول مدينة احتلها «داعش» في العراق ولا تزال تعاني الخراب

سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)

الطريق من بغداد إلى الفلوجة (60 كيلومترا) مليء بنقاط التفتيش التي تسأل عن الهوية الشخصية، ومن أين أنت قادم وإلى أين تذهب؟ وعن أسباب الزيارة، لكن البطاقة الصحافية كفيلة بالإجابة عن الأسئلة، فالأجهزة الأمنية هنا متعاونة مع الصحافة. قرى وبيوت مرمية على جانبي الطريق ونحن نقطع أبنية سجن «أبو غريب» المركزي من جهته الخلفية.. كان علينا أن نغير مساراتنا بسبب قطوعات في الطريق لمخاوف من وجود عبوات ناسفة قد تكون ما زالت مزروعة هناك، وقبل الوصول إلى المدينة التي كانت محتلة من قبل مسلحي «القاعدة» ومن ثم تنظيم داعش لأكثر من ثلاث سنوات، نفاجأ بقوة أمنية تكشف نفقا يمر تحت الطريق الرئيسي، حيث اكتشفوا توا مجموعة كبيرة من العبوات الناسفة والمتفجرات مخبأة هناك. «الشرق الأوسط» زارت أول مدينة احتلها تنظيم داعش في العراق وتحررت في يونيو (حزيران) الماضي، وتنقل قصص الخراب فيها.
الطريق الدولي السريع (تم فتحه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي)، هكذا يطلقون عليه، كونه يربط العراق بالحدود البرية مع الأردن من جهة، ومع سوريا من جهة أخرى، وحتى دخول القوات الأميركية كان يعتبر واحدا من أفضل الطرق في المنطقة لسعته وجودته وسلاسة القيادة فيه، اليوم نجده مؤثثا بالحفر والمطبات التي انتشرت فيه منذ 2003 عندما داسته الدبابات والدروع الأميركية التي جوبهت بقذائف أهالي الفلوجة الذين رفضوا دخولهم بصفتهم محتلين. فقد تعرضت الفلوجة لهجمات عدة، منذ الاحتلال الأميركي وحتى خروج مقاتلي «داعش» في يونيو الماضي، مرات عدة من قبل القوات الأميركية، وأخرى من قبل الحكومة العراقية.
نجتاز النقطة (السيطرة) العسكرية الأولى بسلاسة، وفي السيطرة الثانية التي تقع عند حدود المدينة، فاجأنا ازدحام السيارات التي تقل العوائل العائدة من مخيمات النازحين إلى بيوتهم، نقرأ علامات السعادة مرسومة فوق وجوه الأطفال والنساء، بينما الرجال أولياء هذه العوائل منشغلون بالحصول على موافقات دخولهم إلى مدينتهم التي غادروها منذ ثلاث سنوات.. الإجراءات، وحسب قائمقام قضاء الفلوجة، عيسى ياسر العيساوي، تتلخص في «إدخال أسماء الرجال في الكومبيوترات، لمعرفة ما إذا كان الرجل مطلوبا للأجهزة الأمنية بسبب انتمائه إلى تنظيم داعش أو كان مطلوبا في أي قضية أو متورطا بجرائم قتل، هذه الإجراءات صارت اليوم تتم بسرعة بسبب التعاون الذي تبديه الأجهزة الأمنية مع العوائل العائدة، حيث يحصلون على بطاقات السماح لهم بالدخول آمنين إلى بيوتهم».
يقول العيساوي، الذي اختير مسؤولا عن إدارة المدينة منذ أكثر من عام لـ«الشرق الأوسط» في مكتبه وسط الفلوجة: «هناك ما يقارب 60 في المائة من النازحين لم يعودوا إلى بيوتهم»، وحسب لغة الأرقام التي يجيدها القائمقام فإن «23 ألف عائلة مسجلة باعتبارها من العائدين، لكن العدد الفعلي لمن استقروا هو 25 ألف عائلة»، مشيرا إلى أن «هناك عوائل نحن فضلنا عدم عودتها حاليا بسبب تورط أبنائها بالتعاون مع تنظيم داعش، ولا نريد الدخول في نفق الثارات العشائرية حاليا، وحتى نحقق المصالحة الأهلية بين هذه العشائر، كون مجتمعنا عشائريا تماما، وقد دعينا إلى اجتماعات ولقاءات وندوات يحضرها شيوخ عشائر وأكاديميون ورجال دين وأعضاء في البرلمان العراقي ومجلس محافظة الأنبار، للتداول في كيفية تحقيق هذه المصالحة»، منبها إلى «أننا نتبنى فكرة منح فرص لمن تعاون مع تنظيم داعش مجبرا أو تعاطف معهم، لكنه غير متورط بجرائم قتل أو اختطاف أو أي جريمة إرهابية».
العائدون يمضون نحو المجهول، لا يعرفون ماذا تبقى من بيوتهم وأثاثهم، بعضها دمر بالكامل، وبعضها أصابه خراب نسبي، وهناك بيوت وفيللات لم يصبها أي ضرر. القادمون من مخيمات الغربة والتعب، بعضهم أمضى ثلاث سنوات في ضياع هذه المخيمات بعيدا عن مدينتهم، وبعضهم كان مترفا ماديا فاستطاع إيجار بيت في بغداد أو أربيل أو السليمانية وحفظ عائلته من المتاعب والذل. أسأل أحد العائدين مع عائلته عن سبب عودته المبكرة، وما سيفاجئه من خراب وغياب الخدمات، فيجيب: «ليس هناك عذاب وإذلال أكثر من المخيمات والغربة، خصوصا إذا كانت معك عائلتك»، مستطردا بقوله: «لا يهمني إذا كنت سأجد بيتي مهدما بالكامل، سأنصب خيمة فوق أنقاضه، وسأبدأ بإعادة إعماره تدريجيا، المهم أنني سأنام مع عائلتي فوق أرضي وكرامتي محفوظة رغم غياب الخدمات».
وما يزيد من متاعب العائدين من مخيمات النزوح إلى بيوتهم، وحسب ما يوضحه العيساوي، هو أن «الحكومة لا تعوض المتضررين، لا تعوض عقاراتهم التي هدمت بسبب القصف الجوي أو المدفعي من قبل القوات الأمنية أو التفجير من قبل (داعش)، ولا أثاثهم ولا تساعدهم على إعادة إعمار بيوتهم»، معترفا أن «هناك القانون رقم 20 القديم الخاص بالتعويضات وإجراءاته بطيئة للغاية، فأنا أنتظر منذ 2008 تعويضي عن بيتي الذي هدم بعمليات إرهابية وحتى اليوم لم أحصل على أي شيء».
ندخل إلى المدينة، حيث إيقاع حياتها البطيء للغاية، الأبنية والشوارع التي سلمت من الدمار الكلي، موشومة بالرصاص والقذائف، ما من جدار يخلو من آثار الرصاص أو القصف المدفعي، بينما هناك أسواق وعمارات وبيوت احترقت وتهدمت بأكملها، حتى المساجد والمدارس لم تنج من القصف والتخريب، منائر مبتورة وقباب فيروزية مثقوبة في مدينة لقبت بمدينة القباب والمآذن لكثرة مساجدها.
في الشارع الرئيسي للمدينة، حيث تحتل عمارة محترقة، وما أكثرها هنا، أحد أركان الشارع قبالتها يتعانق رجلان، هما ابنا عمومة لم يلتقيا منذ ثلاث سنوات. «هجرنا (داعش)، وكل واحد منا راح في اتجاه مغاير، كنا منشغلين مع عوائلنا بالانتقال من مخيم إلى آخر، وها نحن عدنا قبل أيام قليلة لركام بيوتنا»، يوضح إبراهيم محمد الذي بدا متعبا للغاية، ومع ذلك يقول، وهو متكئ على دراجته الهوائية: «الحمد لله والشكر أننا عدنا إلى مدينتنا وأهلنا، عدنا مواطنين من أهالي الفلوجة التي ولد فيها آباؤنا وأجدادنا، بدلا من التسمية التي كانت تطلق علينا (نازحين)»، مشيرا إلى أن «الحكومة لم تقدم أي مساعدات أو دعم لنا، السياسيون سرقوا الأموال المخصصة للنازحين ولم يحاسبهم أحد، واليوم كل ما نحتاجه هو إعادة جزء من الخدمات مثل الماء والكهرباء».
الأحياء هنا يوحدها الخراب، قلة من الناس في الشوارع، حتى في مركز الفلوجة الحياة تجري بطيئة، ندخل شارع الأكارم في حي الشرطة بحثا عن الإيقاع الداخلي للمدينة التي خلت من المقاهي والمطاعم، نلتقي مصادفة رجلين يجلسان خارج منزليهما، الأول عاش في الفلوجة طوال وجود مقاتلي تنظيم داعش، والثاني ترك المدينة منذ اليوم الأول لدخول التنظيم إلى الفلوجة قبل أكثر من ثلاث سنوات وعاد إليها قبل أكثر من شهر.
يقول عصام ناجي فياض، وهو رب عائلة تتكون من ثلاثة أشخاص: «أنا لم أترك بيتي ومدينتي طوال السنوات الثلاث التي احتل فيها الدواعش الفلوجة، قررت البقاء هنا لأنني لا أريد أن أجرب ذل المخيمات ومتاعبها»، مشيرا إلى «نحن خرجنا قسرا قبل ثلاثة أشهر، أي عندما دخلت القوات العراقية لتطهير المدينة من التنظيم ومن العبوات الناسفة».
يتحدث فياض، الذي تنقل نبرات صوته ونظراته معاناة ومأساة ثلاث سنوات من المتاعب الحياتية والخوف والقلق، قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «كان هناك أكثر من مائة ألف من الأهالي، نساء وأطفالا ورجالا، حولنا ولم يتركوا بيوتهم، ربما هناك أعداد أكثر في الأحياء السكنية الأخرى، وكانت معاناتنا، خصوصا في السنة الأخيرة، لا توصف، إذ عانينا من شح المواد الغذائية والوقود، حتى إننا اضطررنا إلى حرق أثاثنا الخشبي لأغراض طبخ الطعام». يضيف قائلا إن «مقاتلي (داعش) استباحوا كل شيء، اعتبروا كل البيوت والمباني الحكومية (وقف للدولة الإسلامية) حسب ما كانوا يكتبون على جدران العقارات التي سكنوها وسرقوا ما فيها ثم فجروها أو زرعوها بالعبوات الناسفة، حتى الإنسان كان وقفا وأسيرا لديهم، نفعل ما يأمروننا به، وبعكس ذلك تكون عقوبة الجلد أمام الناس في الشارع العام، أسلوبهم الوحيد لمن يعتقدونه أنه خالف تعليماتهم مثل التدخين أو عدم الصلاة في المساجد أو عدم إطلاق اللحى أو للمرأة غير المنتقبة»، مشيرا إلى أن «ممارسات تنظيم داعش كانت أبعد ما يكون عن الإسلام وعن أي دين سماوي أو غير سماوي، مثلا كانوا يكدسون المواد الغذائية والوقود في بيوتهم، بينما هناك عوائل انتحرت جماعيا بسبب الجوع، كنا نطحن نواة التمر كي نصنع منه خبزنا، هذا غير أوامرهم اليومية التي قتلت حياتنا، باختصار نحن كنا في عداد الخسائر، في عداد الموتى، وكنا نحيا بالمصادفة ليس إلا».
ويوضح فياض: «محاولات الهروب من الفلوجة خلال وجود مقاتلي تنظيم داعش كانت مستحيلة، فالدواعش كانوا يمنعون التسلل من المدينة سواء عبر المزارع أو عبور نهر الفرات، وقد تكون العقوبة الإعدام إذا ما اكتشفوا محاولة الهروب من جحيم المدينة، وإذا حصل وتمكن أي شخص من التسلل من المدينة فقد كان هناك الحصار الذي فرضه الجيش العراقي، وغير هذا وذاك كان القصف المدفعي وبراميل المتفجرات التي تضرب الأحياء السكنية بصورة عشوائية فتقتل المدنيين ولا تصيب الدواعش، وقد راح عمي ضحية القصف المدفعي للقوات العراقية، وعندما حاولت إخراج عمتي المريضة من الفلوجة منعني تنظيم داعش وبإصرار، باختصار كنا بين سندان (داعش) ومطرقة القصف المدفعي وبراميل المتفجرات التي كانت تلقى علينا، وكان الأجدر بالحكومة أن تلقي علينا حاويات طعام وماء بدلا من حاويات الموت».
ويشير فياض إلى أن «غالبية الدواعش كانوا من الأجانب وليسوا من أهل المدينة، نعم هناك أكثر من خمسة في المائة من أبناء الفلوجة ينتمون إلى التنظيم، لكن الآخرين كانوا من جنسيات مختلفة، بينهم غربيون وبنغلاديشيون ومواطنون عرب».
بعد ثلاث سنوات من الحياة تحت ظل تنظيم داعش، ترك فياض بيته ومدينته قسرا بسبب بداية العمليات العسكرية لتحرير الفلوجة، يقول: «مع بداية العمليات العسكرية وبدء انحسار وجود الدواعش، الذين تركوا المدينة بلا قتال، تمكنا من التسلل إلى خارج الفلوجة، كان عددنا يقدر بعشرات الآلاف، مشينا مسافة ثمانية كيلومترات، هناك من حمل أمه فوق ظهره، أو وضعها بعربة يدوية، حتى وصلنا إلى القوات العسكرية التي أحسنت استقبالنا، أتذكر أنني شربت ما يقرب من سبعة قناني ماء مباشرة وقتذاك». يتوقف عن الحديث وكأنه يستذكر أمرا ما، ثم يقول مستطردا: «كانت ثلاث سنوات سوداء، ومظلمة، وقاسية، ومتعبة للغاية».
على العكس مما جرى لعصام فياض، الذي فضل البقاء ببيته ولم يهاجر إلى خارج مدينته، ربما العامل المادي أحد أسباب بقائه، فإن صديقه فلاح صالح نعيم كان يجلس فوق كرسي أمام بوابة بيته، ترك مدينته منذ الساعات الأولى التي بدأ فيه مقاتلو تنظيم داعش بالتسلل إلى الفلوجة، ذلك أن ظروفه المادية مكنته من الخروج في ظل ظروف آمنة كونه تاجر حديد، وكان يملك وقتذاك أربع سيارات. ويقول: «مع بدء ظهور مقاتلي (داعش) في الشوارع اتصل بي أحد الأصدقاء ونصحني بأخذ عائلتي وترك المدينة، وبسرعة حملنا بعض ملابسنا واتجهنا صوب هيت (تبعد مسافة 50 كيلومترا عن الفلوجة). تركنا البيت مثلما هو بأثاثه الثمين للغاية ولم نفكر إلا بحياتنا، يضيف قائلا لـ«الشرق الأوسط»: في «مدينة هيت استأجرت بيتا وأثثته وبقينا هناك عشرة أشهر، لتصل طلائع مقاتلي (داعش) إلى هناك، مما اضطررنا إلى ترك هيت باتجاه مدينة الرطبة».
ويبدو أن خريطة نزوح نعيم مرتبطة بخريطة تحرك مقاتلي تنظيم داعش، إذ «بعد وصولنا إلى الرطبة، وأيضا استأجرنا بيتا هناك وقمت بتأثيثه، اتجهنا إلى كبيس وحديثة، أي أن تحركنا كان في مدن غرب العراق والمحيطة بالفلوجة وضمن محافظة الأنبار، حتى قررنا السفر إلى بغداد والاستقرار هناك لحين موعد عودتنا إلى بيتنا هذا قبل أكثر من شهر».
يضيف نعيم قائلا: «أنا وعائلتي، التي تتكون من عشرة أشخاص، لم نسكن في مخيمات والحمد لله، لكن الغربة عن البيت والمدينة والأهل صعبة، ثم إنني فقدت كل ما كان عندي من سيارات وتجارة، وبعت سياراتي لأتمكن من حفظ كرامة عائلتي، وعندما عدت وجدت البيت خربا، حيث كان الدواعش قد اتخذوه مسكنا لهم، وكل الأثاث مسروق، سواء من قبل (داعش) أو غيرهم»، مشيرا إلى أن «الأوضاع الأمنية في الفلوجة مستقرة حاليا، لكن غياب الخدمات من الماء الذي نشتريه من القطاع الخاص (سعر حمولة صهريج الماء خمسة آلاف دينار عراقي أو ما يعادل 3 دولارات)، والكهرباء التي نوفرها عن طريق مولدات صغيرة».
انتظرنا في مكتب قائمقام الفلوجة، عيسى ياسر العيساوي، أكثر من عشرين دقيقة، حيث كان في جولة للإشراف على أعمال رفع الأنقاض، وتوفير ما يمكن تحقيقه من خدمات «حسب ما تتيحه لنا إمكاناتنا المادية»، حسب إيضاحه. كان وفد من شركة توزيع المنتجات النفطية في محافظة الأنبار موجودا في المكتب عند وصول القائمقام. الوقود أمر في غاية الأهمية في إعادة الخدمات للمدينة، بدءا من توفير الطاقة الكهربائية لضخ مياه الشرب وتصريف المياه الثقيلة، وخدمات النقل، والغريب أن وزارة النفط التي هي جزء من الحكومة لها تعاملاتها البيروقراطية في توفير الوقود لأي جهة حكومية وتتعامل معها باعتبارها مستفيدا خارجيا، ويجب استيفاء ثمن الوقود مثل أي عميل آخر، حتى وإن كان وضع مدينة الفلوجة وإعادة إعمارها طارئا.
العيساوي، ابن مدينة الفلوجة وينحدر من إحدى أبرز عشائرها التي تنتمي، مثل غالبية عشائر الأنبار، إلى قبائل الدليم، وقد عاصر تنامي الجماعات المسلحة في الفلوجة منذ أن كانت تنتمي إلى تنظيم القاعدة، يقول: «منذ 2011 كانت الفلوجة خارجة عن سيطرة القوات الأمنية، وكان وجود المجاميع المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة واضحا حتى 2013، حيث ظهر ما يسمى داعش، ومع المظاهرات وساحات الاعتصام، استغل المسلحون هذه الساحات وتكرس وجودهم وسيطروا على مجرياتها خصوصا بعد الاعتصامات في الرمادي واعتقال النائب أحمد العلواني في نهاية 2012، حيث تمت الاستفادة من هذه الحادثة، وسيطر المسلحون على الوضع تحت تسميات متعددة منها الثوار وثوار العشائر، لكن في الحقيقة هم من تنظيم داعش»، مشيرا إلى أن «الاعتصامات لم تكن بيد الدواعش إلا بعد أن فلتت الأمور من أيدي المتظاهرين وظهور الملثمين الدواعش، والتداعيات الأمنية في الفلوجة بدأت في 2011 بسبب الترهل الذي أصاب الأجهزة الأمنية واختيار قادة ومسؤولين غير متخصصين وبلا كفاءة، كما أن أموال المشاريع المخصصة للإعمار كانت نسبة كبيرة منها تذهب إلى المسلحين الدواعش الذين أيضا فرضوا إتاوات على أصحاب المحلات التجارية والمطاعم، والذي لا يدفع لهم كانوا إما أن يفجروا بيته أو محله وإما أن يختطفوا أحد أفراد عائلته لابتزازه».
ويشير العيساوي إلى أن «الدواعش دخلوا الفلوجة وسيطروا عليها خلال أيام ما بين نهاية 2013 وبداية 2014، وهي أول مدينة تحتل من قبل تنظيم داعش، وخرجوا منها في 24 يونيو 2016، وكانت أعدادهم كبيرة، وانسحبوا من المدينة بلا مقاومة وبلا قتال. وكان هناك ما نسبته ما بين 50 و60 في المائة منهم من أهالي الفلوجة نفسها، وتم اعتقال 1700 منهم وهم قيد الاعتقال والتحقيق، ونحن نخشى من الثارات العشائرية بين الدواعش وضحاياهم، ونحن نعمل على إجراء صلح مجتمعي خصوصا مع الذين لم تلطخ أيديهم بالدماء، هناك من أيد أو تعاون مع التنظيم دون أن يقترف أي جريمة، وهناك عوائل انتمى أحد أفرادها للتنظيم، وهؤلاء لم نسمح لهم بالعودة لحين تحقيق مصالحة بين العشائر، ونحن نعمل على عقد مؤتمرات لشيوخ العشائر يحضرها أكاديميون ورجال دين وبرلمانيون».
وبين جهود القائمقام في تحقيق الصلح الاجتماعي وإعادة الاستقرار في المدينة يتوزع وقت العيساوي، خصوصا أنه المسؤول الإداري عن واحدة من أكبر مدن محافظة الأنبار التي تبلغ مساحة مركزها خمسة كيلومترات مربعة، وتضم 50 حيا سكنيا بينها ستة أحياء غير مفتوحة، بسبب وجود المتفجرات التي زرعها الدواعش قبل خروجهم»، حسب إحصائيات رسمية يوردها العيساوي، الذي يضيف: «أنا مسؤول عن طلبات سكان المدينة، خصوصا أنهم يعودون إلى أحياء خربة وبلا خدمات، إذ يبلغ عدد سكان مركز الفلوجة 300 ألف نسمة، وعن عودة الدراسة في 75 بناية مدرسية لم تفتح إلا قسم بسيط منها، كما يوجد مستشفيان، واحد للنساء والأطفال والثانية عامة، وجامعة الفلوجة التي تضم خمس كليات بدأت الدراسة فيها فعليا».
وحول ما يتعلق بتوفير الخدمات، يوضح قائمقام الفلوجة أن «خدمات الكهرباء وصلت إلى قسم من الأحياء السكنية، ونعمل على إعادتها إلى كامل المدينة، بسبب الأضرار التي لحقت بالشبكة والمحولات، وهناك المولدات التابعة للقطاع الخاص، بينما يتم ضخ الماء الصالح للشرب بواقع 3 ساعات يوميا، بسبب الأضرار في شبكات الأنابيب، فالطاقة التشغيلية لمشروع الماء هي 2200 متر مكعب بالساعة، وهذا كان يغطي صفر في المائة من احتياجات الأهالي، والآن يعمل بطاقة 500 متر مكعب في الساعة»، مشيرا إلى أن نسبة الدمار والخراب في المدينة تبلغ 30 في المائة، والإعمار يتم شخصيا، يعني الناس هي التي تعيد بناء بيوتها أو محلاتها التجارية وليست الحكومة التي لم تقدم أي تعويضات للمتضررين أو أن تعيد إعمار المدينة.. ما يحدث الآن هو أننا سعينا لإعادة الاستقرار والاهتمام بالبنى التحتية، وتسلمنا الأعمال الطارئة لإعادة الاستقرار التي تحتاج إلى ما يعادل نحو مليار و700 مليون دينار عراقي (ما يعادل نحو مليون و250 ألف دولار تقريبا).. أهّلنا مشاريع الماء والمياه الثقيلة ورفع الأنقاض وتأهيل جسر الفلوجة، فقد دمر (داعش) جميع جسور الفلوجة والبالغ عددها 11 جسرا».
المشهد الحياتي في مدينة الفلوجة الخارجة من ظلام تنظيم داعش، ليس قاتما تماما، إذ تتخلله بعض الألوان التي تبعث على التفاؤل، فأصحاب المحلات التجارية أعادوا أو يعيدون إعمار محلاتهم ويجهزونها بالبضائع رغم آثار التفجير وسواد الدخان الذي يغلف البناية بأكملها، وفي سوق المدينة الكبير تتوفر غالبية من المواد الغذائية والحاجات المنزلية والكهربائية الضرورية.. الحياة لم يوقفها تنظيم داعش، إذ إن إصرار الأهالي على الاستمرار بحياتهم يعطي دفقة أمل بعودة المدينة إلى أوضاعها السابقة، حتى لو تأخر ذلك.



مصر وسوريا... لقاءات رسمية متتالية تدفع وتيرة التعاون

وفد دبلوماسي مصر رفيع يزور دمشق (وكالة الأنباء السورية)
وفد دبلوماسي مصر رفيع يزور دمشق (وكالة الأنباء السورية)
TT

مصر وسوريا... لقاءات رسمية متتالية تدفع وتيرة التعاون

وفد دبلوماسي مصر رفيع يزور دمشق (وكالة الأنباء السورية)
وفد دبلوماسي مصر رفيع يزور دمشق (وكالة الأنباء السورية)

تتوالى اللقاءات الرسمية بين مسؤولين من مصر وسوريا على نحو ترى مصادر دبلوماسية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنه يدفع وتيرة التعاون الثنائي قُدُماً بعد فترة من «الجمود».

وكان أحدث الزيارات المتبادلة تلك التي بدأها وفد دبلوماسي مصري رفيع برئاسة مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية، السفير إيهاب فهمي، إلى دمشق الثلاثاء.

وحسب القناة السورية الرسمية، استقبل مستشار الشؤون الأفروآسيوية في وزارة الخارجية والمغتربين، محمد الجفال، الوفد المصري في مطار دمشق الدولي، وبحث الجانبان سبل تعزيز التعاون والتنسيق «بما يسهم في تعزيز الأمن والسلام في المنطقة»، كما استعرضا أبرز المستجدات الإقليمية والدولية.

وتأتي الزيارة بعد أسابيع من إعلان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مقابلة تلفزيونية في أغسطس (آب) الماضي، اعتزامه زيارة دمشق. وقال حينها إن العلاقات بين القاهرة ودمشق «تسير بشكل جيد».

غير أن مصدراً دبلوماسياً مصرياً نفى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أي ترتيبات قائمة بمواعيد محددة لزيارة عبد العاطي إلى دمشق في الوقت الحالي. وأضاف: «الاتصالات بين البلدين مستمرة، وزيارة الوفد الدبلوماسي الحالية تأتي في إطار دفع مسار التعاون المشترك بين مصر وسوريا».

وحسب المصدر، فإن الزيارة جرى ترتيبها بين الجانبين «لدفع مسارات التعاون الاقتصادي والتجاري، وتعزيز مسارات التعاون المشتركة بين البلدين».

وزير الخارجية المصري خلال استقباله نظيره السوري في القاهرة 7 سبتمبر الحالي (الخارجية المصرية)

وتضاف زيارة الوفد الدبلوماسي المصري لسوريا إلى سلسلة لقاءات متتالية جمعت مسؤولي البلدين في الفترة الأخيرة، كان أحدثها لقاء الوزير عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة على هامش اجتماع الدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، في السابع من سبتمبر (أيلول) الحالي، حيث بحثا «سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين، بما يسهم في تعزيز الأمن والسلام بالمنطقة»، حسب بيان الخارجية المصرية.

سبق ذلك زيارة قام بها وفد من سُلطة الطيران المدني المصري، برئاسة رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، لسوريا نهاية أغسطس (آب) الماضي، تفقد خلالها مطار دمشق تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، والمتوقفة منذ عام 2011.

وقال المصدر الدبلوماسي: «زيارة المسؤولين المصريين لدمشق جاءت بعد ترتيبات مشتركة بين الجانبين لبحث تعزيز العلاقات في مختلف المجالات، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة».

ويرى المصدر أن زيارة مساعد وزير الخارجية إلى سوريا «تشكل خطوة جديدة في مسار التقارب والتعاون، خصوصاً بعد إعلان وزير الخارجية المصري اعتزامه زيارة دمشق».

وأضاف: «التواصل بين وزيري خارجية البلدين مستمر عبر اتصالات ولقاءات متعددة جمعتهما الفترة الأخيرة».

وكان عبد العاطي والشيباني قد استعرضا تطورات العلاقات المشتركة، وسبل تعزيز التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والتجارية، خلال لقائهما على هامش اجتماعات الجامعة العربية. ووفقاً لما ورد في بيان الخارجية المصرية وقتها، أكد الوزير المصري «دعم بلاده الكامل لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها».

ويقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، إن وتيرة اللقاءات الثنائية تدعم مسار التقارب بين البلدين، وإن التعاون الاقتصادي يأتي في مقدمة أجندة العلاقات الثنائية؛ مؤكداً أن هناك «إرادة مشتركة لتطوير هذا المسار بما ينعكس إيجابياً على التقارب السياسي بين الجانبين».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تنظر للانفتاح الاقتصادي مع سوريا بوصفه نافذة لتعزيز الترابط والتفاهم السياسي بين البلدين، والحكومة المصرية تستهدف أيضاً زيادة الاستثمارات المشتركة، لا سيما في مجالات البنية التحتية والمساهمة في عمليات إعادة الإعمار بسوريا، إلى جانب مضاعفة نسب التبادل التجاري بتوفير احتياجات السوق السورية من السلع والمنتجات الصناعية».

ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، سارت العلاقات المصرية - السورية في إطار اتصالات ثنائية حذرة، قبل أن تتطور إلى تعاون اقتصادي بين الجانبين. وشهدت العلاقات زخماً واضحاً في الأشهر الأخيرة مع تعدد لقاءات مسؤولي البلدين، بما فيها لقاء وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون المشترك.

وخلال زيارة قام بها وزير الخارجية السوري للقاهرة في مايو (أيار) الماضي، أعلن البلدان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك، وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي. واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) هذا العام أول ملتقى اقتصادي واستثماري مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال.

وإلى جانب التعاون الثنائي، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن هناك «حواراً وتنسيقاً» بين القاهرة ودمشق بشأن القضايا الإقليمية؛ مشيراً إلى أن الأوضاع بالمنطقة «تفرض التواصل المستمر، لدعم استقرار وسيادة سوريا والدول المجاورة لها».


عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

قضى عشرات العمال في انهيار منجم للذهب في ولاية غرب كردفان في السودان، وفق ما أفاد ناجيان، الأربعاء، في حين لا يزال كثُر مفقودين ويُخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم تحت الأنقاض.

ووقع الحادث، الثلاثاء، في «منجم الزرع» قرب مدينة النهود في الولاية الواقعة بجنوب البلاد، وبحلول صباح الأربعاء، كان المسعفون قد انتشلوا 60 جثة.

وقال أحد الناجين، خير السيد جبارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا نعلم عدد من لا يزالون في الداخل (...) الناس يبذلون جهداً لإخراج الجثث أو الأحياء لكن الوضع صعب. نحتاج إلى آلات ثقيلة لرفع الحجارة والتراب».

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

غالبية إنتاج الذهب السوداني تأتي من خلال التعدين التقليدي (رويترز)

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم مما دفع كثراً إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل.

وقال الأمين سليمان، وهو عامل في المنجم، إن «الآبار في المنطقة متجاورة، وهدم أي بئر يؤدي إلى هدم تلك المجاورة لها وهذا ما حصل».

وأضاف: «هناك أناس تحت الأرض منذ أمس (الثلاثاء) ولا أظن أنهم أحياء».

ومن الصعب تنفيذ عملية إنقاذ واسعة النطاق في غرب كردفان التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع»، وكذلك إقليم دارفور المجاور، حيث اتهمت «بارتكاب إبادة جماعية»... وعلى الرغم من إعلانها، حكومة موازية، لا تزال قدراتها على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها محدودة، ويعتمد السكان في غرب السودان، إلى حد كبير، على المساعدات وشبكات المجتمعات المحلية للبقاء على قيد الحياة.

سبائك من المعدن النفيس في منشأة لصهر الذهب (رويترز)

وحتى قبل أن تهدد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعد السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في خمسة أعوام بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن مسؤولين يقولون، إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول أخرى.


أطفال اليمن في صدارة ضحايا التصعيد الحوثي

يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)
يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)
TT

أطفال اليمن في صدارة ضحايا التصعيد الحوثي

يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)
يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)

أظهرت بيانات دولية أن الأطفال من بين أعلى الفئات تضرراً من التصعيد الحوثي الأخير في غرب اليمن، مع مقتل وإصابة 68 طفلاً خلال أسابيع، بينما تجاوز عدد الذين أجبروا على الفرار من منازلهم 100 ألف شخص، وسط تحذيرات أممية من اتساع موجات النزوح وتفاقم الضغوط على الخدمات الإنسانية في اليمن وجيبوتي.

وفي عدن، عززت السلطات المحلية استجابتها للنزوح المتصاعد من مناطق غرب البلاد، وشكلت خلية إنسانية لمتابعة أوضاع الأسر التي وصلت إلى المدينة هرباً من العمليات العسكرية والتداعيات التي رافقت تقدم الحوثيين في الساحل الغربي وأجزاء من محافظة تعز.

وقالت منظمة «إنقاذ الطفولة» إن أكثر من واحد من كل 5 ضحايا مدنيين سقطوا خلال التصعيد الأخير هم من الأطفال، مشيرة إلى مقتل 19 طفلاً وإصابة 49 آخرين خلال الفترة بين 1 أغسطس (آب) الماضي و9 سبتمبر (أيلول) الحالي.

ووفق المنظمة، فقد شكل الأطفال 21.1 في المائة من إجمالي الضحايا المدنيين خلال الفترة نفسها، والبالغ عددهم 323 شخصاً، هم 117 قتيلاً، و206 مصابين. وأضافت أن أسبوعاً واحداً شهد سقوط 175 ضحية مدنية، بينهم 43 طفلاً، وهو أعلى عدد أسبوعي للضحايا من الأطفال خلال الـ12 شهراً الماضية.

يمنية في أحد المخيمات بعد أن أجبرها الحوثيون على مغادرة منطقتها (إعلام محلي)

وقالت ريشانا حنيفة، المديرة القطرية لمنظمة «إنقاذ الطفولة» في اليمن، إن الأطفال عانوا لأكثر من عقد من الأزمات؛ «مما جعل ملايين منهم عرضة للخطر قبل التصعيد الأخير»، مضيفة أنهم «يدفعون مجدداً الثمن الباهظ» لأعمال العنف التي تشهدها البلاد.

وحذرت المنظمة من تزامن الصراع والنزوح مع ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية والمنقولة بالمياه، إلى جانب الأمطار الغزيرة والفيضانات، عادةً أن «اجتماع هذه العوامل قد يقود إلى تفاقم الأزمة الإنسانية خلال فترة قصيرة».

«نزوح يتجاوز الحدود»

في السياق، قالت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» إن أكثر من 100 ألف شخص أُجبروا على الفرار من منازلهم خلال الأيام الماضية، مع استمرار القتال في عدد من الجبهات اليمنية، فيما دفعت المخاطر الأمنية آلافاً آخرين إلى عبور البحر باتجاه جيبوتي بحثاً عن الأمان.

وأعربت «المفوضية» عن مخاوفها من موجات نزوح جديدة داخل اليمن وتحركات لجوء إضافية في حال تصاعد العمليات القتالية. وقالت إن كثيراً من الأسر اضطرت إلى المغادرة على عجل، حاملة معها القليل من ممتلكاتها، بينما باتت الحاجة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية وخدمات الحماية من بين الأولويات العاجلة.

يمنيون بأحد المخيمات في جيبوتي بعد أن فروا من الهجوم الحوثي (الأمم المتحدة)

وأشارت إلى أن المجتمعات المضيفة، ومواقع النزوح، يواجهان ضغوطاً متصاعدة تتجاوز القدرات الاستيعابية، في وقت لا يزال فيه وصول المساعدات الإنسانية يمثل تحدياً كبيراً؛ بسبب تدهور الوضع الأمني وتضرر الطرق وانقطاع الاتصالات وقيود الحركة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وبين تعز والتربة وعدن.

وأضافت أن الأضرار التي لحقت بميناء المخا زادت من القيود المفروضة على حركة العاملين في المجال الإنساني والعمليات اللوجستية.

وقالت «المفوضية» إنها تقود الاستجابة المشتركة في مجالات الحماية والمأوى والتنسيق وإدارة المواقع، وتعمل مع شركائها على تقديم المساعدات رغم الظروف الأمنية الصعبة، كما فعّلت قدراتها للاستجابة الطارئة، مع التركيز على خدمات الحماية والمأوى والمواد الإغاثية والمساعدات المالية.

ضغوط في جيبوتي

في جيبوتي، قالت ساندرين ديزامور، ممثلة «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، إن الآتين من اليمن يصلون بعد رحلات بحرية شاقة، وإن كثيراً منهم مرهقون ومتأثرون نفسياً ولا يحملون سوى القليل مما تمكنوا من أخذه معهم.

وحذرت بأن الاستجابة الإنسانية تواجه ضغوطاً كبيرة، مشيرة إلى الحاجة إلى مزيد من الدعم قبل وصول مزيد من الأسر وتجاوز الاحتياجات قدرة الجهات الإنسانية على الاستجابة.

وقالت إن الوافدين يبحثون عن الحماية الدولية، داعية إلى استقبالهم وتقديم المساعدة لهم، ومشيدة باستضافة جيبوتي اللاجئين منذ سنوات وبإبقائها حدودها مفتوحة أمام الفارين من النزاعات.

جانب من أحد مخيمات النازحين في تعز بعد فرار الآلاف من هجمات الحوثيين (أ.ب)

وأوضحت أن الأسر الجيبوتية تستقبل اللاجئين اليمنيين وتتقاسم معهم مواردها المحدودة، «في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية أزمة تمويل حادة». وأضافت أن «المخيم لا يتسع إلا لنحو 5 آلاف لاجئ إضافي، بينما تستعد الجهات المعنية لاستقبال أكثر من 10 آلاف شخص».

ويمثل الأطفال والمراهقون نسبة كبيرة من الوافدين، وفق المسؤولة الأممية، التي أشارت إلى العمل مع الحكومة الجيبوتية على دمجهم في المدارس القائمة، «رغم معاناتها أصلاً من الاكتظاظ».

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب الإنساني؛ إذ أثارت المسؤولة الأممية مخاوف من تأثير استمرار الاضطرابات على حركة المساعدات والتجارة عبر باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

فارون من تصعيد الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية أقيمت غرب تعز (إعلام محلي)

وقالت إن استمرار انعدام الأمن في هذا الممر البحري الحيوي قد يؤثر على حركة شحن المساعدات الإنسانية والتجارية المتجهة إلى اليمن والسودان وغيرهما من مناطق الطوارئ في المنطقة وخارجها.

وأضافت أن أي تدهور إضافي قد يدفع إلى «إعادة توجيه الشحنات عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، بما يضيف بين 25 و30 يوماً إلى مدة الرحلات، ويرفع تكاليف النقل ويؤخر وصول الإمدادات الإغاثية».

عدن تستنفر

في عدن، شكلت السلطة المحلية خلية إنسانية لمتابعة تداعيات النزوح الناتج عن التصعيد الحوثي، والاستجابة للاحتياجات المتصاعدة للأسر القادمة من محافظة تعز والساحل الغربي.

ونص قرار عبد الرحمن شيخ، وزير الدولة محافظ عدن، على أن يرأس الخلية محمد الصوفي، مدير الوحدة الحكومية المسؤولة عن إدارة مخيمات النازحين في المحافظة.

أطفال فروا من تصعيد الحوثيين ووصلوا إلى أحد مخيمات النزوح (إعلام محلي)

وحدد القرار مهام الخلية بالنزول الميداني إلى مخيمات ومواقع وجود النازحين، والوقوف على أوضاع الأسر الفارة من التصعيد العسكري الأخير، وتحديد احتياجاتها من المستلزمات الضرورية والمعيشية والإيوائية والإغاثية، والعمل على توفيرها وفق الإمكانات المتاحة.

كما طلب القرار رفع تقرير عاجل إلى المحافظ يتضمن الاحتياجات والمساعدات التي يتعذر توفيرها محلياً، تمهيداً لرفعها إلى مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الوزراء والتحالف العربي، وبحث سبل توفير الدعم اللازم للنازحين.

وألزم القرار الخلية رفع تقارير يومية عن أعمالها وتطورات الوضع الإنساني في مواقع النزوح والاحتياجات المطلوبة، إلى جانب تنسيق جهود الاستجابة مع الجهات والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية.