«الشرق الأوسط» في الفلوجة.. أول مدينة احتلها «داعش» في العراق ولا تزال تعاني الخراب

40 % من سكانها عادوا.. ومبانيها وشوارعها موشومة بالرصاص والقذائف

سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» في الفلوجة.. أول مدينة احتلها «داعش» في العراق ولا تزال تعاني الخراب

سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)
سوق الفلوجة الكبيرة («الشرق الأوسط») - قائمقام الفلوجة عيسى ياسر العيساوي («الشرق الأوسط»)

الطريق من بغداد إلى الفلوجة (60 كيلومترا) مليء بنقاط التفتيش التي تسأل عن الهوية الشخصية، ومن أين أنت قادم وإلى أين تذهب؟ وعن أسباب الزيارة، لكن البطاقة الصحافية كفيلة بالإجابة عن الأسئلة، فالأجهزة الأمنية هنا متعاونة مع الصحافة. قرى وبيوت مرمية على جانبي الطريق ونحن نقطع أبنية سجن «أبو غريب» المركزي من جهته الخلفية.. كان علينا أن نغير مساراتنا بسبب قطوعات في الطريق لمخاوف من وجود عبوات ناسفة قد تكون ما زالت مزروعة هناك، وقبل الوصول إلى المدينة التي كانت محتلة من قبل مسلحي «القاعدة» ومن ثم تنظيم داعش لأكثر من ثلاث سنوات، نفاجأ بقوة أمنية تكشف نفقا يمر تحت الطريق الرئيسي، حيث اكتشفوا توا مجموعة كبيرة من العبوات الناسفة والمتفجرات مخبأة هناك. «الشرق الأوسط» زارت أول مدينة احتلها تنظيم داعش في العراق وتحررت في يونيو (حزيران) الماضي، وتنقل قصص الخراب فيها.
الطريق الدولي السريع (تم فتحه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي)، هكذا يطلقون عليه، كونه يربط العراق بالحدود البرية مع الأردن من جهة، ومع سوريا من جهة أخرى، وحتى دخول القوات الأميركية كان يعتبر واحدا من أفضل الطرق في المنطقة لسعته وجودته وسلاسة القيادة فيه، اليوم نجده مؤثثا بالحفر والمطبات التي انتشرت فيه منذ 2003 عندما داسته الدبابات والدروع الأميركية التي جوبهت بقذائف أهالي الفلوجة الذين رفضوا دخولهم بصفتهم محتلين. فقد تعرضت الفلوجة لهجمات عدة، منذ الاحتلال الأميركي وحتى خروج مقاتلي «داعش» في يونيو الماضي، مرات عدة من قبل القوات الأميركية، وأخرى من قبل الحكومة العراقية.
نجتاز النقطة (السيطرة) العسكرية الأولى بسلاسة، وفي السيطرة الثانية التي تقع عند حدود المدينة، فاجأنا ازدحام السيارات التي تقل العوائل العائدة من مخيمات النازحين إلى بيوتهم، نقرأ علامات السعادة مرسومة فوق وجوه الأطفال والنساء، بينما الرجال أولياء هذه العوائل منشغلون بالحصول على موافقات دخولهم إلى مدينتهم التي غادروها منذ ثلاث سنوات.. الإجراءات، وحسب قائمقام قضاء الفلوجة، عيسى ياسر العيساوي، تتلخص في «إدخال أسماء الرجال في الكومبيوترات، لمعرفة ما إذا كان الرجل مطلوبا للأجهزة الأمنية بسبب انتمائه إلى تنظيم داعش أو كان مطلوبا في أي قضية أو متورطا بجرائم قتل، هذه الإجراءات صارت اليوم تتم بسرعة بسبب التعاون الذي تبديه الأجهزة الأمنية مع العوائل العائدة، حيث يحصلون على بطاقات السماح لهم بالدخول آمنين إلى بيوتهم».
يقول العيساوي، الذي اختير مسؤولا عن إدارة المدينة منذ أكثر من عام لـ«الشرق الأوسط» في مكتبه وسط الفلوجة: «هناك ما يقارب 60 في المائة من النازحين لم يعودوا إلى بيوتهم»، وحسب لغة الأرقام التي يجيدها القائمقام فإن «23 ألف عائلة مسجلة باعتبارها من العائدين، لكن العدد الفعلي لمن استقروا هو 25 ألف عائلة»، مشيرا إلى أن «هناك عوائل نحن فضلنا عدم عودتها حاليا بسبب تورط أبنائها بالتعاون مع تنظيم داعش، ولا نريد الدخول في نفق الثارات العشائرية حاليا، وحتى نحقق المصالحة الأهلية بين هذه العشائر، كون مجتمعنا عشائريا تماما، وقد دعينا إلى اجتماعات ولقاءات وندوات يحضرها شيوخ عشائر وأكاديميون ورجال دين وأعضاء في البرلمان العراقي ومجلس محافظة الأنبار، للتداول في كيفية تحقيق هذه المصالحة»، منبها إلى «أننا نتبنى فكرة منح فرص لمن تعاون مع تنظيم داعش مجبرا أو تعاطف معهم، لكنه غير متورط بجرائم قتل أو اختطاف أو أي جريمة إرهابية».
العائدون يمضون نحو المجهول، لا يعرفون ماذا تبقى من بيوتهم وأثاثهم، بعضها دمر بالكامل، وبعضها أصابه خراب نسبي، وهناك بيوت وفيللات لم يصبها أي ضرر. القادمون من مخيمات الغربة والتعب، بعضهم أمضى ثلاث سنوات في ضياع هذه المخيمات بعيدا عن مدينتهم، وبعضهم كان مترفا ماديا فاستطاع إيجار بيت في بغداد أو أربيل أو السليمانية وحفظ عائلته من المتاعب والذل. أسأل أحد العائدين مع عائلته عن سبب عودته المبكرة، وما سيفاجئه من خراب وغياب الخدمات، فيجيب: «ليس هناك عذاب وإذلال أكثر من المخيمات والغربة، خصوصا إذا كانت معك عائلتك»، مستطردا بقوله: «لا يهمني إذا كنت سأجد بيتي مهدما بالكامل، سأنصب خيمة فوق أنقاضه، وسأبدأ بإعادة إعماره تدريجيا، المهم أنني سأنام مع عائلتي فوق أرضي وكرامتي محفوظة رغم غياب الخدمات».
وما يزيد من متاعب العائدين من مخيمات النزوح إلى بيوتهم، وحسب ما يوضحه العيساوي، هو أن «الحكومة لا تعوض المتضررين، لا تعوض عقاراتهم التي هدمت بسبب القصف الجوي أو المدفعي من قبل القوات الأمنية أو التفجير من قبل (داعش)، ولا أثاثهم ولا تساعدهم على إعادة إعمار بيوتهم»، معترفا أن «هناك القانون رقم 20 القديم الخاص بالتعويضات وإجراءاته بطيئة للغاية، فأنا أنتظر منذ 2008 تعويضي عن بيتي الذي هدم بعمليات إرهابية وحتى اليوم لم أحصل على أي شيء».
ندخل إلى المدينة، حيث إيقاع حياتها البطيء للغاية، الأبنية والشوارع التي سلمت من الدمار الكلي، موشومة بالرصاص والقذائف، ما من جدار يخلو من آثار الرصاص أو القصف المدفعي، بينما هناك أسواق وعمارات وبيوت احترقت وتهدمت بأكملها، حتى المساجد والمدارس لم تنج من القصف والتخريب، منائر مبتورة وقباب فيروزية مثقوبة في مدينة لقبت بمدينة القباب والمآذن لكثرة مساجدها.
في الشارع الرئيسي للمدينة، حيث تحتل عمارة محترقة، وما أكثرها هنا، أحد أركان الشارع قبالتها يتعانق رجلان، هما ابنا عمومة لم يلتقيا منذ ثلاث سنوات. «هجرنا (داعش)، وكل واحد منا راح في اتجاه مغاير، كنا منشغلين مع عوائلنا بالانتقال من مخيم إلى آخر، وها نحن عدنا قبل أيام قليلة لركام بيوتنا»، يوضح إبراهيم محمد الذي بدا متعبا للغاية، ومع ذلك يقول، وهو متكئ على دراجته الهوائية: «الحمد لله والشكر أننا عدنا إلى مدينتنا وأهلنا، عدنا مواطنين من أهالي الفلوجة التي ولد فيها آباؤنا وأجدادنا، بدلا من التسمية التي كانت تطلق علينا (نازحين)»، مشيرا إلى أن «الحكومة لم تقدم أي مساعدات أو دعم لنا، السياسيون سرقوا الأموال المخصصة للنازحين ولم يحاسبهم أحد، واليوم كل ما نحتاجه هو إعادة جزء من الخدمات مثل الماء والكهرباء».
الأحياء هنا يوحدها الخراب، قلة من الناس في الشوارع، حتى في مركز الفلوجة الحياة تجري بطيئة، ندخل شارع الأكارم في حي الشرطة بحثا عن الإيقاع الداخلي للمدينة التي خلت من المقاهي والمطاعم، نلتقي مصادفة رجلين يجلسان خارج منزليهما، الأول عاش في الفلوجة طوال وجود مقاتلي تنظيم داعش، والثاني ترك المدينة منذ اليوم الأول لدخول التنظيم إلى الفلوجة قبل أكثر من ثلاث سنوات وعاد إليها قبل أكثر من شهر.
يقول عصام ناجي فياض، وهو رب عائلة تتكون من ثلاثة أشخاص: «أنا لم أترك بيتي ومدينتي طوال السنوات الثلاث التي احتل فيها الدواعش الفلوجة، قررت البقاء هنا لأنني لا أريد أن أجرب ذل المخيمات ومتاعبها»، مشيرا إلى «نحن خرجنا قسرا قبل ثلاثة أشهر، أي عندما دخلت القوات العراقية لتطهير المدينة من التنظيم ومن العبوات الناسفة».
يتحدث فياض، الذي تنقل نبرات صوته ونظراته معاناة ومأساة ثلاث سنوات من المتاعب الحياتية والخوف والقلق، قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «كان هناك أكثر من مائة ألف من الأهالي، نساء وأطفالا ورجالا، حولنا ولم يتركوا بيوتهم، ربما هناك أعداد أكثر في الأحياء السكنية الأخرى، وكانت معاناتنا، خصوصا في السنة الأخيرة، لا توصف، إذ عانينا من شح المواد الغذائية والوقود، حتى إننا اضطررنا إلى حرق أثاثنا الخشبي لأغراض طبخ الطعام». يضيف قائلا إن «مقاتلي (داعش) استباحوا كل شيء، اعتبروا كل البيوت والمباني الحكومية (وقف للدولة الإسلامية) حسب ما كانوا يكتبون على جدران العقارات التي سكنوها وسرقوا ما فيها ثم فجروها أو زرعوها بالعبوات الناسفة، حتى الإنسان كان وقفا وأسيرا لديهم، نفعل ما يأمروننا به، وبعكس ذلك تكون عقوبة الجلد أمام الناس في الشارع العام، أسلوبهم الوحيد لمن يعتقدونه أنه خالف تعليماتهم مثل التدخين أو عدم الصلاة في المساجد أو عدم إطلاق اللحى أو للمرأة غير المنتقبة»، مشيرا إلى أن «ممارسات تنظيم داعش كانت أبعد ما يكون عن الإسلام وعن أي دين سماوي أو غير سماوي، مثلا كانوا يكدسون المواد الغذائية والوقود في بيوتهم، بينما هناك عوائل انتحرت جماعيا بسبب الجوع، كنا نطحن نواة التمر كي نصنع منه خبزنا، هذا غير أوامرهم اليومية التي قتلت حياتنا، باختصار نحن كنا في عداد الخسائر، في عداد الموتى، وكنا نحيا بالمصادفة ليس إلا».
ويوضح فياض: «محاولات الهروب من الفلوجة خلال وجود مقاتلي تنظيم داعش كانت مستحيلة، فالدواعش كانوا يمنعون التسلل من المدينة سواء عبر المزارع أو عبور نهر الفرات، وقد تكون العقوبة الإعدام إذا ما اكتشفوا محاولة الهروب من جحيم المدينة، وإذا حصل وتمكن أي شخص من التسلل من المدينة فقد كان هناك الحصار الذي فرضه الجيش العراقي، وغير هذا وذاك كان القصف المدفعي وبراميل المتفجرات التي تضرب الأحياء السكنية بصورة عشوائية فتقتل المدنيين ولا تصيب الدواعش، وقد راح عمي ضحية القصف المدفعي للقوات العراقية، وعندما حاولت إخراج عمتي المريضة من الفلوجة منعني تنظيم داعش وبإصرار، باختصار كنا بين سندان (داعش) ومطرقة القصف المدفعي وبراميل المتفجرات التي كانت تلقى علينا، وكان الأجدر بالحكومة أن تلقي علينا حاويات طعام وماء بدلا من حاويات الموت».
ويشير فياض إلى أن «غالبية الدواعش كانوا من الأجانب وليسوا من أهل المدينة، نعم هناك أكثر من خمسة في المائة من أبناء الفلوجة ينتمون إلى التنظيم، لكن الآخرين كانوا من جنسيات مختلفة، بينهم غربيون وبنغلاديشيون ومواطنون عرب».
بعد ثلاث سنوات من الحياة تحت ظل تنظيم داعش، ترك فياض بيته ومدينته قسرا بسبب بداية العمليات العسكرية لتحرير الفلوجة، يقول: «مع بداية العمليات العسكرية وبدء انحسار وجود الدواعش، الذين تركوا المدينة بلا قتال، تمكنا من التسلل إلى خارج الفلوجة، كان عددنا يقدر بعشرات الآلاف، مشينا مسافة ثمانية كيلومترات، هناك من حمل أمه فوق ظهره، أو وضعها بعربة يدوية، حتى وصلنا إلى القوات العسكرية التي أحسنت استقبالنا، أتذكر أنني شربت ما يقرب من سبعة قناني ماء مباشرة وقتذاك». يتوقف عن الحديث وكأنه يستذكر أمرا ما، ثم يقول مستطردا: «كانت ثلاث سنوات سوداء، ومظلمة، وقاسية، ومتعبة للغاية».
على العكس مما جرى لعصام فياض، الذي فضل البقاء ببيته ولم يهاجر إلى خارج مدينته، ربما العامل المادي أحد أسباب بقائه، فإن صديقه فلاح صالح نعيم كان يجلس فوق كرسي أمام بوابة بيته، ترك مدينته منذ الساعات الأولى التي بدأ فيه مقاتلو تنظيم داعش بالتسلل إلى الفلوجة، ذلك أن ظروفه المادية مكنته من الخروج في ظل ظروف آمنة كونه تاجر حديد، وكان يملك وقتذاك أربع سيارات. ويقول: «مع بدء ظهور مقاتلي (داعش) في الشوارع اتصل بي أحد الأصدقاء ونصحني بأخذ عائلتي وترك المدينة، وبسرعة حملنا بعض ملابسنا واتجهنا صوب هيت (تبعد مسافة 50 كيلومترا عن الفلوجة). تركنا البيت مثلما هو بأثاثه الثمين للغاية ولم نفكر إلا بحياتنا، يضيف قائلا لـ«الشرق الأوسط»: في «مدينة هيت استأجرت بيتا وأثثته وبقينا هناك عشرة أشهر، لتصل طلائع مقاتلي (داعش) إلى هناك، مما اضطررنا إلى ترك هيت باتجاه مدينة الرطبة».
ويبدو أن خريطة نزوح نعيم مرتبطة بخريطة تحرك مقاتلي تنظيم داعش، إذ «بعد وصولنا إلى الرطبة، وأيضا استأجرنا بيتا هناك وقمت بتأثيثه، اتجهنا إلى كبيس وحديثة، أي أن تحركنا كان في مدن غرب العراق والمحيطة بالفلوجة وضمن محافظة الأنبار، حتى قررنا السفر إلى بغداد والاستقرار هناك لحين موعد عودتنا إلى بيتنا هذا قبل أكثر من شهر».
يضيف نعيم قائلا: «أنا وعائلتي، التي تتكون من عشرة أشخاص، لم نسكن في مخيمات والحمد لله، لكن الغربة عن البيت والمدينة والأهل صعبة، ثم إنني فقدت كل ما كان عندي من سيارات وتجارة، وبعت سياراتي لأتمكن من حفظ كرامة عائلتي، وعندما عدت وجدت البيت خربا، حيث كان الدواعش قد اتخذوه مسكنا لهم، وكل الأثاث مسروق، سواء من قبل (داعش) أو غيرهم»، مشيرا إلى أن «الأوضاع الأمنية في الفلوجة مستقرة حاليا، لكن غياب الخدمات من الماء الذي نشتريه من القطاع الخاص (سعر حمولة صهريج الماء خمسة آلاف دينار عراقي أو ما يعادل 3 دولارات)، والكهرباء التي نوفرها عن طريق مولدات صغيرة».
انتظرنا في مكتب قائمقام الفلوجة، عيسى ياسر العيساوي، أكثر من عشرين دقيقة، حيث كان في جولة للإشراف على أعمال رفع الأنقاض، وتوفير ما يمكن تحقيقه من خدمات «حسب ما تتيحه لنا إمكاناتنا المادية»، حسب إيضاحه. كان وفد من شركة توزيع المنتجات النفطية في محافظة الأنبار موجودا في المكتب عند وصول القائمقام. الوقود أمر في غاية الأهمية في إعادة الخدمات للمدينة، بدءا من توفير الطاقة الكهربائية لضخ مياه الشرب وتصريف المياه الثقيلة، وخدمات النقل، والغريب أن وزارة النفط التي هي جزء من الحكومة لها تعاملاتها البيروقراطية في توفير الوقود لأي جهة حكومية وتتعامل معها باعتبارها مستفيدا خارجيا، ويجب استيفاء ثمن الوقود مثل أي عميل آخر، حتى وإن كان وضع مدينة الفلوجة وإعادة إعمارها طارئا.
العيساوي، ابن مدينة الفلوجة وينحدر من إحدى أبرز عشائرها التي تنتمي، مثل غالبية عشائر الأنبار، إلى قبائل الدليم، وقد عاصر تنامي الجماعات المسلحة في الفلوجة منذ أن كانت تنتمي إلى تنظيم القاعدة، يقول: «منذ 2011 كانت الفلوجة خارجة عن سيطرة القوات الأمنية، وكان وجود المجاميع المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة واضحا حتى 2013، حيث ظهر ما يسمى داعش، ومع المظاهرات وساحات الاعتصام، استغل المسلحون هذه الساحات وتكرس وجودهم وسيطروا على مجرياتها خصوصا بعد الاعتصامات في الرمادي واعتقال النائب أحمد العلواني في نهاية 2012، حيث تمت الاستفادة من هذه الحادثة، وسيطر المسلحون على الوضع تحت تسميات متعددة منها الثوار وثوار العشائر، لكن في الحقيقة هم من تنظيم داعش»، مشيرا إلى أن «الاعتصامات لم تكن بيد الدواعش إلا بعد أن فلتت الأمور من أيدي المتظاهرين وظهور الملثمين الدواعش، والتداعيات الأمنية في الفلوجة بدأت في 2011 بسبب الترهل الذي أصاب الأجهزة الأمنية واختيار قادة ومسؤولين غير متخصصين وبلا كفاءة، كما أن أموال المشاريع المخصصة للإعمار كانت نسبة كبيرة منها تذهب إلى المسلحين الدواعش الذين أيضا فرضوا إتاوات على أصحاب المحلات التجارية والمطاعم، والذي لا يدفع لهم كانوا إما أن يفجروا بيته أو محله وإما أن يختطفوا أحد أفراد عائلته لابتزازه».
ويشير العيساوي إلى أن «الدواعش دخلوا الفلوجة وسيطروا عليها خلال أيام ما بين نهاية 2013 وبداية 2014، وهي أول مدينة تحتل من قبل تنظيم داعش، وخرجوا منها في 24 يونيو 2016، وكانت أعدادهم كبيرة، وانسحبوا من المدينة بلا مقاومة وبلا قتال. وكان هناك ما نسبته ما بين 50 و60 في المائة منهم من أهالي الفلوجة نفسها، وتم اعتقال 1700 منهم وهم قيد الاعتقال والتحقيق، ونحن نخشى من الثارات العشائرية بين الدواعش وضحاياهم، ونحن نعمل على إجراء صلح مجتمعي خصوصا مع الذين لم تلطخ أيديهم بالدماء، هناك من أيد أو تعاون مع التنظيم دون أن يقترف أي جريمة، وهناك عوائل انتمى أحد أفرادها للتنظيم، وهؤلاء لم نسمح لهم بالعودة لحين تحقيق مصالحة بين العشائر، ونحن نعمل على عقد مؤتمرات لشيوخ العشائر يحضرها أكاديميون ورجال دين وبرلمانيون».
وبين جهود القائمقام في تحقيق الصلح الاجتماعي وإعادة الاستقرار في المدينة يتوزع وقت العيساوي، خصوصا أنه المسؤول الإداري عن واحدة من أكبر مدن محافظة الأنبار التي تبلغ مساحة مركزها خمسة كيلومترات مربعة، وتضم 50 حيا سكنيا بينها ستة أحياء غير مفتوحة، بسبب وجود المتفجرات التي زرعها الدواعش قبل خروجهم»، حسب إحصائيات رسمية يوردها العيساوي، الذي يضيف: «أنا مسؤول عن طلبات سكان المدينة، خصوصا أنهم يعودون إلى أحياء خربة وبلا خدمات، إذ يبلغ عدد سكان مركز الفلوجة 300 ألف نسمة، وعن عودة الدراسة في 75 بناية مدرسية لم تفتح إلا قسم بسيط منها، كما يوجد مستشفيان، واحد للنساء والأطفال والثانية عامة، وجامعة الفلوجة التي تضم خمس كليات بدأت الدراسة فيها فعليا».
وحول ما يتعلق بتوفير الخدمات، يوضح قائمقام الفلوجة أن «خدمات الكهرباء وصلت إلى قسم من الأحياء السكنية، ونعمل على إعادتها إلى كامل المدينة، بسبب الأضرار التي لحقت بالشبكة والمحولات، وهناك المولدات التابعة للقطاع الخاص، بينما يتم ضخ الماء الصالح للشرب بواقع 3 ساعات يوميا، بسبب الأضرار في شبكات الأنابيب، فالطاقة التشغيلية لمشروع الماء هي 2200 متر مكعب بالساعة، وهذا كان يغطي صفر في المائة من احتياجات الأهالي، والآن يعمل بطاقة 500 متر مكعب في الساعة»، مشيرا إلى أن نسبة الدمار والخراب في المدينة تبلغ 30 في المائة، والإعمار يتم شخصيا، يعني الناس هي التي تعيد بناء بيوتها أو محلاتها التجارية وليست الحكومة التي لم تقدم أي تعويضات للمتضررين أو أن تعيد إعمار المدينة.. ما يحدث الآن هو أننا سعينا لإعادة الاستقرار والاهتمام بالبنى التحتية، وتسلمنا الأعمال الطارئة لإعادة الاستقرار التي تحتاج إلى ما يعادل نحو مليار و700 مليون دينار عراقي (ما يعادل نحو مليون و250 ألف دولار تقريبا).. أهّلنا مشاريع الماء والمياه الثقيلة ورفع الأنقاض وتأهيل جسر الفلوجة، فقد دمر (داعش) جميع جسور الفلوجة والبالغ عددها 11 جسرا».
المشهد الحياتي في مدينة الفلوجة الخارجة من ظلام تنظيم داعش، ليس قاتما تماما، إذ تتخلله بعض الألوان التي تبعث على التفاؤل، فأصحاب المحلات التجارية أعادوا أو يعيدون إعمار محلاتهم ويجهزونها بالبضائع رغم آثار التفجير وسواد الدخان الذي يغلف البناية بأكملها، وفي سوق المدينة الكبير تتوفر غالبية من المواد الغذائية والحاجات المنزلية والكهربائية الضرورية.. الحياة لم يوقفها تنظيم داعش، إذ إن إصرار الأهالي على الاستمرار بحياتهم يعطي دفقة أمل بعودة المدينة إلى أوضاعها السابقة، حتى لو تأخر ذلك.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.