ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

الروائي المصري يقول إن «كتارا» لا تلملم ما يتساقط من «البوكر»

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
TT

ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة

بفوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية» في دورتها الثانية 2016، فئة «الرواية المنشورة»، عن روايته «الأزبكية»، وقيمتها 60 ألف دولار، وفوزه أيضا بجائزة تحويلها إلى عمل درامي وقيمتها 200 ألف دولار، يعيد الروائي المصري ناصر عراق الاعتبار للرواية المصرية التاريخية.
«الأزبكية»، تتناول فترة تمتد منذ قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، حتى نهاية عام 1805، وهو العام الذي وصل فيه محمد علي إلى السلطة. ويقول ناصر عراق، الذي يعرف حساسية إقحام التاريخ في العمل الروائي: «لستُ مؤرخا، وإنما روائي، ولكنني استلهمت وقائع التاريخ لأفهم الحاضر وأستشرف المستقبل، بخاصة أن الأحداث التي أعقبت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر تشبه إلى حد ما أجواء ما حدث في زمن روايتي الأزبكية».
«الشرق الأوسط»، التقت بناصر عراق بعد فوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية»، في العاصمة القطرية الدوحة، وأجرت معه الحوار التالي:

* فازت روايتك «الأزبكية» بجائزة كتارا للرواية العربية عن الروايات المنشورة، كما اختيرت أفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، كيف ترى هذا الفوز؟
- حقا إنه فوز كبير ومتفرد جدًا أسعدني كثيرًا، ومع ذلك دعني أخبرك شيئا... حين أعلن على مسرح دار الأوبرا بالدوحة أنني الفائز بالجائزتين تذكرت على الفور كل الذين تعلمتُ منهم طوال حياتي، وعلى رأسهم والدي الراحل عبد الفتاح عراق، الذي يُعّد مثقفا عصاميًا بامتياز، رغم أنه لم يحصل على أي شهادة دراسية، ومع ذلك كان يقرأ طه حسين وسلامة موسى والعقاد وتوفيق الحكيم، وينفعل بكتاباتهم وآرائهم ويتأملها بعمق، ويحفظ شعر شوقي وبشار والمتنبي وبيرم التونسي، ويعلمنا كيف نتذوقه، ويتردد بشغف على دور المسرح والسينما بالقاهرة في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، أقول: لقد تذكرته بكل إجلال وتوقير ومحبة وأنا على خشبة المسرح، وودت لو كان حيًا ليرى نتائج عمله. كذلك تذكرت أشقائي الكبار، وتذكرت أيضا المبدعين المصريين والعرب والعالميين الذين انفعلت بأفكارهم وإبداعاتهم.
أرى هذه الجائزة بمثابة مكافأة طيبة لأسرة مصرية عاشقة للوطن والعلم والأدب والفن، كما أراها تحقق الحكمة الصائبة «لكل مجتهد نصيب»، فأنا طوال حياتي أقرأ وأكتب وأرسم وأمثل وأؤسس فرقة مسرحية وأخرج عروضا لها، وأؤسس أقسامًا ثقافية ومجلات وجوائز إبداعية هنا وهناك، وأتولى إدارة تحرير مجلات مطبوعة ومواقع إلكترونية صحافية، كما أنني أنشر بانتظام منذ عام 1981، ولم أتوقف لحظة عن ذلك حتى إعلان الفوز الكبير.
> لديك مشوار مع المسابقات، روايتك «العاطل» وصلت لقائمة «البوكر» القصيرة عام 2012.. ماذا تضيف لك المسابقات والجوائز؟
- الجوائز مهمة لا ريب، وتحفّز المبدع على الإجادة وتحرضه على الإتقان، لكن الكاتب الجاد الموهوب لا يتصدى للكتابة من أجل مطاردة جائزة هنا، أو اقتناص تكريم هناك.. المبدع الحقيقي هو الذي يكتب تحت ضغط إلحاح داخلي عنيف.. يزلزل كيانه من أجل أن يعبر عن نفسه بشكل أدبي، ولك أن تتخيل عدد المرات التي صحوت فيها من النوم فجأة مشحونا بفكرة أو عبارة أو موقف يجب صياغته فورًا في هذه الرواية أو تلك. باختصار.. الكاتب الحقيقي هو من يملك مشروعًا ينكبّ عليه انكبابًا ولا يستسلم ليأس أو إحباط. فإذا حصل على جائزة، فهذا جزاء اجتهاده، وإذا لم يحصل فيكفيه فخرًا أنه استمتع بإنجازه كما لم يستمتع أحد، وهنا أتذكر مقولة بالغة الأهمية لمفكر في القرن الـ19؛ منطوقها: «الفن هو أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع أن يهبها الإنسان لنفسه».
> كيف ترد على من يقول إن جائزة «كتارا» كانت تلملم ما يتساقط من «البوكر»؟
- هذا كلام ظالم وغير صحيح بالمرة، فلكل جائزة طبيعتها وتقاليدها وأهدافها، وأظن أن جائزة «كتارا للرواية العربية» وجائزة «البوكر»، تعملان من أجل تعزيز الإبداع العربي، وتحديدًا في عالم الرواية، وأكبر دليل على نزاهة «كتارا» وحياديتها هي إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإلكسو) عليها، الأمر الذي دفع كثيرا من الروائيين الكبار والشباب إلى المشاركة فيها والتنافس من أجل اقتطاف جوائزها السخيّة، وقد تلقت إدارة الجائزة 1004 روايات في الدورة الثانية، كما أعلن الأستاذ خالد السيد، المشرف على الجائزة. وهو رقم كبير جدًا يتجاوز كل من يتقدم للجوائز الأخرى بمراحل.

الرواية والتاريخ

> روايتك «الأزبكية» تعيد وهج الروايات التاريخية، هي تتناول فصولاً من الحملة الفرنسية على مصر حتى وصول محمد علي للحكم.. هل يمكن للرواية أن تستوعب سجال التاريخ ونزاعاته؟
- أي رواية تستطيع أن تستوعب التاريخ أو الحاضر أو تستشرف المستقبل، بشرط أن تكون مكتوبة بذكاء ومهارة؛ فالروائي ليس مؤرخًا أو عالمًا في المستقبليات، لكنه بموهبته وخياله يستطيع استلهام بعض وقائع التاريخ ليشيد فوقها معمًارا روائيًا مؤثرًا، يستوفي شروط العمل الناجح المتمثل في إحكام البناء، والجاذبية، واللغة الرشيقة الحلوة.. إلى آخره، فالرواية في النهاية يجب أن تكون ممتعة لكل من يطلع عليها.
> ألا تعتقد أن من الخطر تناول التاريخ في إطار روائي.. التاريخ بطبيعته إشكالي ويحتاج إلى نقد، وليس إلى تحويله خيالا؟
- التاريخ مستودع ضخم يختزن الحكايات والوقائع والأسرار، والروائي الحصيف هو الذي يستطيع أن يقتبس منه ما يعزز أفكاره وآراءه، وما يعينه على كتابة عمل ناجح. وقد لجأت إلى التاريخ لأفهم الحاضر المصري والعربي، لعلنا نستطيع أن نفكك تناقضاته ونحل مشكلاته، من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا وسعادة للجميع.
> نحن نعلم خصوصية هذه الفترة التي تناولتها الرواية التي تمتد من عام 1798، حتى نهاية 1805، فهذه الحقبة التاريخية حكم فيها مصر تسعة حكام أجانب، قضى ثلاثة منهم قتلاً.. وهي فترة اضطراب شعبي في مصر. ما الهدف من اختيار هذه الفترة تحديدًا؟
- لقد عدت إلى هذه الفترة، لأن حملة نابليون على مصر وما أعقبها من أعوام قليلة مثلت لحظة فارقة في تاريخنا الحديث، اتسمت بصراعات ثقافية وفكرية وعسكرية مصحوبة بفوضى عارمة، أظنها كانت تشبه إلى حدٍ ما، ما جرى في مصر مع ثورة يناير وما تلاها. كما أننا نعاني حتى هذه اللحظة في البحث عن طريقة نتعامل بها مع الغرب؛ هل نعاديه حتى لا يطغى على هويتنا؟ هل نصالحه ونذوب فيه فنفقد ديننا وهويتنا كما يقول بعضهم؟ هل نأخذ منه ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا ونهجر ما يخاصمها؟ وكيف نتمكن من ذلك؟ هذه الأسئلة الحرجة وتلك الأجواء العاصفة هي التي أوحت لي بفكرة «الأزبكية».
> مزجت «الأزبكية» التاريخ بالخيال، بشكل فني بارز، لكن ألا تخشى أن يطغى الخيال على الواقع، فيشوه السرد التاريخي؟
- لم أخش شيئا، فأنا روائي محترف، ولست مؤرخا، وأعرف جيدًا ما تتطلبه الرواية الناجحة، فحاولت أن أكتب عملا ينهض على التاريخ، لكنه ليس كتابًا في التاريخ، وإنما رواية مثيرة وممتعة محمّلة بصراعات اجتماعية ووطنية وثقافية، تتخللها علاقات غرامية مشبوبة، وأفكار وآراء جديرة بالنقاش.. وأظن أن محاولتي نجحت، بدليل الفوز الكبير الذي حققته «الأزبكية».
> بين رواياتك: «أزمنة من غبار»، و«من فرط الغرام»، و«تاج الهدهد»، و«العاطل»، و«نساء القاهرة - دبي» وصولاً لـ«الأزبكية» و«الكومبارس».. إلى أي مدى تحقق حلمك الروائي؟
- لا ريب في أنني سعيد بما أنجزت، لكنها سعادة منقوصة، حيث لا نهاية لأحلامي الروائية، وأظن أن في جعبتي الكثير الذي لم يكتب بعد، فالأجمل لم يكتب بعد، كما يقال، وأنا حاليًا أعكف على رواية جديدة ضمن مشروع روائي أكبر أرجو أن تسنح لي الظروف بإنجازه.
> هل كان «عبد المؤمن السعيد» بطل روايتك «الكومبارس» الذي يكشف خبايا عالم الفن والثقافة.. رمزًا للمهمشين.. لماذا اخترت أن تقحمه عالم الفنّ وكأنه يحاكي نموذجًا لديك؟
- أظنك تعرف أن كثيرًا من المبدعين المصريين المتميزين في المجالات كافة قد تعرضوا لظلم بيّن طوال أربعين عامًا من قبل نظامي السادات ومبارك، لذا اخترت شخصية عبد المؤمن السعيد بطل «الكومبارس» بوصفه رمزًا لكل من يمتلك موهبة، لكنه كابد الضيم والإهمال، وقد ساعدتني تجربتي مع عالم المسرح في شبابي الأول على الغوص في الطبيعة النفسية للممثل الموهوب سيئ الحظ.
> أنت خريج فنون جميلة، ولديك رابطة وثيقة بعالم الفنّ.. هل كنت تقول بلسان «عبد المؤمن السعيد» ما كنت تكابده (ربما)؟
- لا أعتقد ذلك، رغم أن كثيرًا من أبناء جيلي الموهوبين لم ينالوا ما يستحقونه من حفاوة واهتمام، لكنني لا أظن نفسي «ضحية»، فأنا اخترت طريق الإبداع الجاد والصحافة الملتزمة المسؤولة، وكنت أدري حجم المعاناة التي يمكن أن يتعرض لها كل صاحب موقف لا يبتذل نفسه أمام أصحاب السلطان.
> ما رأيك في الرواية العربية، والمصرية تحديدًا، اليوم؟
- أظن أن الأعوام العشرين الأخيرة شهدت قفزات كبيرة في عالم الرواية، فأقبل على كتباتها قطاعات كثيرة من الناس، وهو أمر طيب لا ريب، والزمن كفيل بفرز الجيد منها، فغزارة الإنتاج ضرورة للتطوير والتجويد، وبالفعل هناك روائيون يمتلكون مواهب لافتة من الشباب ومن الكبار.
> كتبت عن «الأخضر والمعطوب.. في الثقافة والفن والحياة».. ما «المعطوب» في الثقافة؟
- ما أكثر المعطوب في ثقافتنا العربية.. كل كتابة لا تحترم العقل وما وصل إليه من تفتح وتطور، كتابة معطوبة.. كل فن لا يسمو بذوق الإنسان ويرتقي به، فن معطوب، كل رأي متحجر يظن نفسه الأكثر فهما وحكمة، رأي معطوب.
> من أين يأتي العطب؟
- من غياب العدل.. من استشراء الظلم.. من تفشي الجهل.
> لديك تجربة طويلة ومميزة مع الصحافة الثقافية، كيف ترى هذه الصحافة في عصر التواصل الرقمي؟
- علينا الاعتراف بأن الصحافة الثقافية الورقية في خطر داهم، ومهددة بالاندثار إذا لم تطوّر نفسها، فالإعلام الإلكتروني بات ذا تأثير مدهش كل لحظة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تدفع الناس إلى هجر التعامل مع الأوراق بصورة متزايدة، إلا المطبوعة المتميزة المتفردة. فإذا لم تنتبه الصحافة الورقية إلى المأزق الذي صارت إليه، فلا منجاة من السقوط في بئر النسيان بكل أسف.. بصراحة.. نحن في حاجة إلى ثورة من أجل تطوير صحافتنا الثقافية.

سيرة ذاتية

- يعمل حاليًا مديرًا لتحرير مجلة «حروف عربية» بدبي. وقد ولد في شبرا البلد بالقاهرة، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بالزمالك عام 1984، وعمل محررًا ورسامًا في الصحافة الثقافية بمصر، ثم غادر إلى دبي في يناير 1999، حيث تولى رئاسة القسم الثقافي بمجلة «الصدى» الأسبوعية، وأصبح في عام 2003 مدير تحرير مجلة «دبي الثقافية» حتى فبراير (شباط) 2010.
- أصدر ثلاثة كتب، هي: «ملامح وأحوال.. قراءة في الواقع التشكيلي المصري»، و«الأخضر والمعطوب.. في الفن والثقافة والحياة»، و«تاريخ الرسم الصحافي في مصر 2000».
- أصدر سبع روايات، هي: «أزمنة من غبار» و«من فرط الغرام»، و«العاطل» التي وصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» 2012، و«تاج الهدهد»، و«نساء القاهرة - دبي»، و«الأزبكية» التي فازت بالجائزة الكبرى في جائزة «كتارا للرواية العربية» بالدورة الثانية 2016، كما أنها فازت بأفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، وفي هذا العام أصدر آخر رواياته «الكومبارس».
- فاز كتابه «تاريخ الرسم الصحافي في مصر/ 2000) بجائزة أفضل كتاب في المسابقة التي تنظمها جائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى.
- كما فاز ناصر عراق بجائزة «أفضل مقال» في الصحافة الإماراتية، في مسابقة «تريم عمران» - الدورة الثانية 2004، التي تنظمها «مؤسسة الخليج للصحافة».



مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

حمل العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/تموز 2026)، عدداً من الملفات الثقافية، ويقدم العدد بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرز ملفات العدد، ملف «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر أربعة مقالات تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف، أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة تحرير مجلة «الإيسيسكو» الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهي «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

فمنذ أن تولى المالك قيادة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عام 2019، دخلت المنظمة طوراً جديداً من الحضور والتأثير؛ اتسعت فيه دوائر الشراكات، وتعددت المبادرات، وتعزز حضورها الدولي؛ حتى غدت نموذجاً لمنظمة تنبض بالحركة وتستشرف المستقبل بثقة وطموح.

كما حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026؛ احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها في افتتاحية العدد، تزفّ رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، بشرى صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد بثلاث لغات (العربية، والفرنسية، والإنجليزية) لتوسيع رسالتها الحضارية عالمياً.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية.. بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام للرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية، ويناقش الكاتب واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والأخرى ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

قدّم المقال قراءة تحليلية مقارنة لواقع اللغة العربية اليوم على الساحتين الدولية والمحلية.

ويرى الكاتب أن واقع العربية دولياً يمر بمرحلة نمو واعتراف واعدين؛ فهي لغة رسمية معتمدة في الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، وتتبوأ المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الانتشار. كما يشير إلى تزايد حضورها التعليمي في المدارس والمعاهد الغربية والأميركية والآسيوية كلغة ثانية أو ثالثة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص من غير الناطقين بها كعنصر تواصل وإدارة.

لكن، وفي مقابل هذا «الواقع المغني» والاعتراف الخارجي المتصاعد، يطرح الكاتب تساؤلاً نقدياً مؤرقاً حول مدى مواءمة هذا التقدير العالمي مع الوضع الاعتباري الداخلي للعربية في دولها الأصلية، محذراً من وطأة التغريب وتراجع تمكين اللغة معرفياً وإدارياً في أوطانها.

تعريب التعليم الطبي

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها أن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

يستعرض المقال الجذور التاريخية لازدهار الطب العربي إبان الحضارة الإسلامية حين كانت مؤلفات ابن سينا والرازي مراجع رئيسية لأوروبا. ثم يحلل التحديات المعاصرة المتمثلة في الإرث الاستعماري، وهيمنة الإنجليزية في النشر، مستشهداً بتجارب دولية ناجحة تدرس الطب بلغتها الوطنية (اليابان، ألمانيا، فرنسا، الصين، وإسبانيا)، وتجربة سوريا الرائدة منذ عام 1919.

ويرى الكاتب أن اللغة تؤدي دوراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء. وعندما يتلقى المتعلم معارفه بلغته الأم، يصبح أكثر قدرة على الفهم والتفكير والإبداع.

وفي تحليل مقارن، يتساءل الكاتب: هل اللغة عائق أم أداة؟ ويوضح أن المقارنة بين الدول تشير إلى أن الدول المستقلة علمياً وسيادياً تُدرِّس بلغاتها الوطنية، في حين الدول التي خضعت للاستعمار تميل لاستخدام لغات أجنبية. ويرى أن هذا يدعم فكرة أن اللغة ليست عائقاً بل أداة، وأن اختيار لغة التعليم يعكس توجهاً حضارياً وثقافياً.

تعريب العلوم

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، أستاذة مساعدة بجامعة الخرطوم كلية الآداب قسم اللغة العربية.

وفي هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس. وتوضح الكاتبة أن الطفل الذي يُجبَر على دراسة العلوم بلغة أجنبية يخوض معركتين متزامنتين: معركة فهم المفاهيم العلمية، ومعركة فك رموز اللغة الجديدة؛ ما يؤدي إلى تراجع جودة الفهم بنسبة تصل إلى 60 في المائة مقارنة بالمتعلم بلغته الأم.

وتستند الكاتبة إلى دراسات حديثة لـ«يونيسكو» (2026) تؤكد أن التدريس بلغة المنزل يزيد من فرص الفهم والاستيعاب بنسب تتراوح بين 40 في المائة و160 في المائة في بعض الدول. كما تفنّد حجة صعوبة المصطلحات العلمية، موضحة أن المصطلحات لا تشكل سوى 4 في المائة من أي كتاب تخصصي. وتُذّكر بمآثر علماء المسلمين بصفتهم مؤسسين لهذه العلوم (كالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس) والذين تلقوا علومهم بلغة مجتمعهم، محذرة من أن إجبار الأطفال على لغات أجنبية في مراحلهم المبكرة يحدِث قطيعة معرفية واجتماعية داخل الأسرة العربية.

الدبلوماسية اللغوية

وضمن الملف، كتب الدكتور يوسف إسماعيلي، (خبير بمركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها في المغرب)، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

ويقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفتها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية؛ إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.

ويشرح الكاتب مفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفته مجموعة السياسات والمبادرات التي توظف تعليم اللغة ونشرها ضمن الاستراتيجية الثقافية للدول والمؤسسات الدولية. وتمتاز هذه الدبلوماسية بأنها تعمل بهدوء وعلى المدى الطويل، مستهدفة الإنسان قبل الدولة، وبانيةً علاقات تقوم على الفهم المتبادل أكثر من المصالح الآنية.

ويستعرض المقال نماذج تاريخية تؤكد أن أثر اللغة قد يتجاوز أثر القوة العسكرية. ويستشهد بالتجربة الأندلسية، حيث أصبحت العربية لغة الإدارة والطب والفلسفة والعلوم، وتعلمها المسلمون وغير المسلمين؛ لأنها كانت لغة المعرفة والارتقاء الاجتماعي. وحتى بعد زوال الحكم الإسلامي، بقي أثر العربية في الجامعات الأوروبية والمصطلحات العلمية التي انتقلت إلى اللغات الحديثة.

ثم ينتقل الكاتب إلى واقع العربية اليوم، ويبيّن أنها من أكثر لغات العالم انتشاراً، وتحظى بمكانة رسمية في المنظمات الدولية، كما يتزايد الإقبال على تعلمها في الجامعات الغربية، والمعاهد الدبلوماسية، ومراكز الدراسات، وقطاعات الاقتصاد، والطاقة، والإعلام.

ومع ذلك، يرى المقال أن العربية لا تزال تواجه تحديات تتمثل في اختزالها في بُعدها الديني، وربطها بالصراعات السياسية، وتقديمها بوصفها لغة صعبة، إضافة إلى غياب خطاب عالمي موحد يبرز قيمتها الحضارية والمعرفية.

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل العربية عالمياً لا يعتمد على انتشارها العددي، بل على تطوير رؤية ثقافية حديثة لتعليمها، تجعلها أداةً للحوار والتواصل والمعرفة، وتقدمها بصفتها لغة حية قادرة على الإسهام في العالم المعاصر.

قازان: جوهرة تتارستان

وضمن ملفات العدد الجديد، يأتي الاستطلاع عن «قازان» بعنوان: «قازان.. جوهرة تتارستان وعاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2026»، للكاتب العماني الدكتور سالم بن هلال الحبسي، (مدير الأمانة العامة للجان الوطنية والمؤتمرات في الإيسيسكو).

ويحتفي المقال بمدينة قازان التاريخية عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، والتي اختيرت لتكون عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026. ويبرز الكاتب الموقع الاستراتيجي والجغرافي للمدينة على ضفاف نهر الفولغا. ويركز على القيمة الحضارية الكبرى لقازان بوصفها نموذجاً تاريخياً وواقعياً فريداً للتعايش الخلاق، والتفاعل الثقافي الحيوي بين ثقافة الشرق الإسلامية وتراث الغرب الروسي، حيث تلتقي فيها أصالة المعالم التراثية بروح العصر، لتغدو منارة حقيقية للتنوع الثقافي والتسامح الديني والاجتماعي.

يستعرض الكاتب التاريخ الممتد لقازان منذ أكثر من ألف عام، ودورها في انتشار الإسلام في منطقة الفولغا بعد اعتناق بلغار الفولغا الإسلام عام 922م، وهو الحدث الذي يمثل البداية التاريخية للإسلام في الأراضي الواقعة ضمن روسيا الحالية. كما يوضح كيف حافظت المدينة على هويتها الإسلامية رغم التحولات السياسية التي مرت بها، لتصبح لاحقاً مركزاً للإصلاح الفكري والثقافي للمسلمين في روسيا.

ويؤكد المقال أن تجربة قازان تثبت إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والانفتاح الحضاري، وأن المدن تستطيع أن تصبح أدوات للتقارب بين الشعوب عندما تستثمر تاريخها الثقافي بصورة إيجابية.

إسهامات عربية في الكيمياء

من المقالات المهمة في هذا العدد، مقال: «إسهامات العلماء العرب والمسلمين في إرساء أسس الكيمياء الحديثة»، للدكتور عبد الوهاب السعدون، الأمين العام السابق للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات (السعودية).

يعيد هذا المقال قراءة تاريخ علم الكيمياء من منظور علمي، مبيناً أن مساهمة العلماء العرب والمسلمين لم تقتصر على نقل المعارف القديمة، بل تمثلت في تحويل الكيمياء من ممارسات يغلب عليها الطابع الفلسفي والخيميائي إلى علم تجريبي قائم على الملاحظة والقياس والتجربة.

يبدأ الكاتب باستعراض الظروف التي مهدت لازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية، مع اتساع الدولة الإسلامية ونشاط حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي، حيث جرى استيعاب التراث اليوناني والفارسي والهندي، ثم تطويره وإضافة إسهامات أصلية إليه.

ويبرز المقال الدور المحوري لجابر بن حيان الذي يعدّه كثير من المؤرخين المؤسس الحقيقي لعلم الكيمياء الحديثة؛ لما أدخله من منهج تجريبي صارم، واعتماده المختبر والتجربة أساساً للبحث العلمي، إضافة إلى تطوير عمليات التقطير والتنقية والترشيح والأكسدة، وتحضير عدد من الأحماض والمركبات الكيميائية.

كما يتناول إسهامات الرازي، الذي ربط الكيمياء بالطب، وأسهم في تطوير المعرفة بالمواد الكيميائية واستخداماتها العلاجية، إلى جانب الكندي وغيره من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للمنهج العلمي الذي تبنّته أوروبا لاحقاً.

ويشير الكاتب إلى أن الكتب العربية في الكيمياء تُرجمت إلى اللاتينية، وظلت مراجع رئيسية في الجامعات الأوروبية لقرون، وأن كثيراً من المصطلحات والممارسات المخبرية الحديثة تعود جذورها إلى أعمال العلماء المسلمين.

المعرفة والتحولات الاجتماعية

وكتبت الدكتورة شادن دياب، «خبيرة دولية في علم المناخ والبيئة – فرنسا»، مقالاً بعنوان: «نظرية المعرفة والتحولات الاجتماعية والبيئية في العالم العربي».

ويطرح هذا المقال سؤالاً فلسفياً معاصراً حول العلاقة بين المعرفة والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التغير المناخي والأزمات البيئية والتكنولوجية. وترى الكاتبة أن هذه التحديات لا تفرض حلولاً تقنية فحسب، بل تستدعي إعادة التفكير في مفهوم المعرفة نفسه.

تنطلق الدراسة من أفكار الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي ربط المعرفة بالتجربة الإنسانية والوجود العملي، ثم تقارنها برؤية ابن خلدون التي تجعل المعرفة نتاجاً للتعلم والخبرة والممارسة الاجتماعية، لتؤكد أن المعرفة ليست معطى ثابتاً، وإنما عملية متجددة تتشكل داخل السياق التاريخي والاجتماعي.

وتنتقل الكاتبة إلى مناقشة التغير المناخي بوصفه أزمة معرفية بقدر ما هو أزمة بيئية؛ لأن مواجهة آثاره تتطلب تطوير أنماط جديدة من التفكير، وإعادة بناء السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية على أسس أكثر استدامة.

وتخلص الدراسة إلى أن المجتمعات العربية تحتاج إلى بناء منظومة معرفية قادرة على التفاعل مع هذه التحولات، تجمع بين التراث الفكري والعلوم الحديثة، وتربط البحث العلمي بصنع القرار، حتى تصبح المعرفة أداة لإدارة المستقبل لا مجرد وسيلة لفهم الماضي.

عارف الساعدي: الشعر مفتاحي للعالم

وضمن باقة من المواد الأدبية، تنوعت بين الشعر والنثر، جاء الحوار مع الشاعر العراقي الدكتور عارف الساعدي، بعنوان: «الشعر مفتاحي للعالم!»، وأجراه الناقد المغربي الدكتور نصر الدين شردال.

يتحدث الحوار عن الساعدي الشاعر الذي «ظل وفياً لخصائص القصيدة العربية الأصيلة في جزالة لغتها، وإحكام إيقاعاتها وبراعة صورها، وحداثة رؤيتها، وتخلق أنساقها، وتعدد دلالاتها وتناسل تأويلاتها، واستمر في بلورة هذه الإمكانيات الجمالية في أعماله الشعرية».

وفي هذا الحوار قال الساعدي عن الشعر إنه «ذلك الكائن الغامض الذي يتسلل إلى أرواحنا، فنغوص فيه دون أن نعرف متى وإلى أین ننتهي، لكنه يبقى أشبه بالحلم الذي حلمناه. ولم نصح منه».

وقال إن أول التماساته مع الشعر «هي حكايات جدتي لأمي وأنا ابن السنة العاشرة: حين كانت تغوص بنا ما بين الأساطير والجنّي والطنطل، مجموعة خرافات أشبه بأفلام الكرتون، ولكنها حكايات مخصبة لبذرة الشعرية، منذ تلك اللحظات وأنا بلا وعي أخزن هذه الحكايا لتخرج فيما بعد كلمات موزونة بلا معنى».


الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم


شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.