ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

الروائي المصري يقول إن «كتارا» لا تلملم ما يتساقط من «البوكر»

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
TT

ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة

بفوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية» في دورتها الثانية 2016، فئة «الرواية المنشورة»، عن روايته «الأزبكية»، وقيمتها 60 ألف دولار، وفوزه أيضا بجائزة تحويلها إلى عمل درامي وقيمتها 200 ألف دولار، يعيد الروائي المصري ناصر عراق الاعتبار للرواية المصرية التاريخية.
«الأزبكية»، تتناول فترة تمتد منذ قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، حتى نهاية عام 1805، وهو العام الذي وصل فيه محمد علي إلى السلطة. ويقول ناصر عراق، الذي يعرف حساسية إقحام التاريخ في العمل الروائي: «لستُ مؤرخا، وإنما روائي، ولكنني استلهمت وقائع التاريخ لأفهم الحاضر وأستشرف المستقبل، بخاصة أن الأحداث التي أعقبت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر تشبه إلى حد ما أجواء ما حدث في زمن روايتي الأزبكية».
«الشرق الأوسط»، التقت بناصر عراق بعد فوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية»، في العاصمة القطرية الدوحة، وأجرت معه الحوار التالي:

* فازت روايتك «الأزبكية» بجائزة كتارا للرواية العربية عن الروايات المنشورة، كما اختيرت أفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، كيف ترى هذا الفوز؟
- حقا إنه فوز كبير ومتفرد جدًا أسعدني كثيرًا، ومع ذلك دعني أخبرك شيئا... حين أعلن على مسرح دار الأوبرا بالدوحة أنني الفائز بالجائزتين تذكرت على الفور كل الذين تعلمتُ منهم طوال حياتي، وعلى رأسهم والدي الراحل عبد الفتاح عراق، الذي يُعّد مثقفا عصاميًا بامتياز، رغم أنه لم يحصل على أي شهادة دراسية، ومع ذلك كان يقرأ طه حسين وسلامة موسى والعقاد وتوفيق الحكيم، وينفعل بكتاباتهم وآرائهم ويتأملها بعمق، ويحفظ شعر شوقي وبشار والمتنبي وبيرم التونسي، ويعلمنا كيف نتذوقه، ويتردد بشغف على دور المسرح والسينما بالقاهرة في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، أقول: لقد تذكرته بكل إجلال وتوقير ومحبة وأنا على خشبة المسرح، وودت لو كان حيًا ليرى نتائج عمله. كذلك تذكرت أشقائي الكبار، وتذكرت أيضا المبدعين المصريين والعرب والعالميين الذين انفعلت بأفكارهم وإبداعاتهم.
أرى هذه الجائزة بمثابة مكافأة طيبة لأسرة مصرية عاشقة للوطن والعلم والأدب والفن، كما أراها تحقق الحكمة الصائبة «لكل مجتهد نصيب»، فأنا طوال حياتي أقرأ وأكتب وأرسم وأمثل وأؤسس فرقة مسرحية وأخرج عروضا لها، وأؤسس أقسامًا ثقافية ومجلات وجوائز إبداعية هنا وهناك، وأتولى إدارة تحرير مجلات مطبوعة ومواقع إلكترونية صحافية، كما أنني أنشر بانتظام منذ عام 1981، ولم أتوقف لحظة عن ذلك حتى إعلان الفوز الكبير.
> لديك مشوار مع المسابقات، روايتك «العاطل» وصلت لقائمة «البوكر» القصيرة عام 2012.. ماذا تضيف لك المسابقات والجوائز؟
- الجوائز مهمة لا ريب، وتحفّز المبدع على الإجادة وتحرضه على الإتقان، لكن الكاتب الجاد الموهوب لا يتصدى للكتابة من أجل مطاردة جائزة هنا، أو اقتناص تكريم هناك.. المبدع الحقيقي هو الذي يكتب تحت ضغط إلحاح داخلي عنيف.. يزلزل كيانه من أجل أن يعبر عن نفسه بشكل أدبي، ولك أن تتخيل عدد المرات التي صحوت فيها من النوم فجأة مشحونا بفكرة أو عبارة أو موقف يجب صياغته فورًا في هذه الرواية أو تلك. باختصار.. الكاتب الحقيقي هو من يملك مشروعًا ينكبّ عليه انكبابًا ولا يستسلم ليأس أو إحباط. فإذا حصل على جائزة، فهذا جزاء اجتهاده، وإذا لم يحصل فيكفيه فخرًا أنه استمتع بإنجازه كما لم يستمتع أحد، وهنا أتذكر مقولة بالغة الأهمية لمفكر في القرن الـ19؛ منطوقها: «الفن هو أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع أن يهبها الإنسان لنفسه».
> كيف ترد على من يقول إن جائزة «كتارا» كانت تلملم ما يتساقط من «البوكر»؟
- هذا كلام ظالم وغير صحيح بالمرة، فلكل جائزة طبيعتها وتقاليدها وأهدافها، وأظن أن جائزة «كتارا للرواية العربية» وجائزة «البوكر»، تعملان من أجل تعزيز الإبداع العربي، وتحديدًا في عالم الرواية، وأكبر دليل على نزاهة «كتارا» وحياديتها هي إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإلكسو) عليها، الأمر الذي دفع كثيرا من الروائيين الكبار والشباب إلى المشاركة فيها والتنافس من أجل اقتطاف جوائزها السخيّة، وقد تلقت إدارة الجائزة 1004 روايات في الدورة الثانية، كما أعلن الأستاذ خالد السيد، المشرف على الجائزة. وهو رقم كبير جدًا يتجاوز كل من يتقدم للجوائز الأخرى بمراحل.

الرواية والتاريخ

> روايتك «الأزبكية» تعيد وهج الروايات التاريخية، هي تتناول فصولاً من الحملة الفرنسية على مصر حتى وصول محمد علي للحكم.. هل يمكن للرواية أن تستوعب سجال التاريخ ونزاعاته؟
- أي رواية تستطيع أن تستوعب التاريخ أو الحاضر أو تستشرف المستقبل، بشرط أن تكون مكتوبة بذكاء ومهارة؛ فالروائي ليس مؤرخًا أو عالمًا في المستقبليات، لكنه بموهبته وخياله يستطيع استلهام بعض وقائع التاريخ ليشيد فوقها معمًارا روائيًا مؤثرًا، يستوفي شروط العمل الناجح المتمثل في إحكام البناء، والجاذبية، واللغة الرشيقة الحلوة.. إلى آخره، فالرواية في النهاية يجب أن تكون ممتعة لكل من يطلع عليها.
> ألا تعتقد أن من الخطر تناول التاريخ في إطار روائي.. التاريخ بطبيعته إشكالي ويحتاج إلى نقد، وليس إلى تحويله خيالا؟
- التاريخ مستودع ضخم يختزن الحكايات والوقائع والأسرار، والروائي الحصيف هو الذي يستطيع أن يقتبس منه ما يعزز أفكاره وآراءه، وما يعينه على كتابة عمل ناجح. وقد لجأت إلى التاريخ لأفهم الحاضر المصري والعربي، لعلنا نستطيع أن نفكك تناقضاته ونحل مشكلاته، من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا وسعادة للجميع.
> نحن نعلم خصوصية هذه الفترة التي تناولتها الرواية التي تمتد من عام 1798، حتى نهاية 1805، فهذه الحقبة التاريخية حكم فيها مصر تسعة حكام أجانب، قضى ثلاثة منهم قتلاً.. وهي فترة اضطراب شعبي في مصر. ما الهدف من اختيار هذه الفترة تحديدًا؟
- لقد عدت إلى هذه الفترة، لأن حملة نابليون على مصر وما أعقبها من أعوام قليلة مثلت لحظة فارقة في تاريخنا الحديث، اتسمت بصراعات ثقافية وفكرية وعسكرية مصحوبة بفوضى عارمة، أظنها كانت تشبه إلى حدٍ ما، ما جرى في مصر مع ثورة يناير وما تلاها. كما أننا نعاني حتى هذه اللحظة في البحث عن طريقة نتعامل بها مع الغرب؛ هل نعاديه حتى لا يطغى على هويتنا؟ هل نصالحه ونذوب فيه فنفقد ديننا وهويتنا كما يقول بعضهم؟ هل نأخذ منه ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا ونهجر ما يخاصمها؟ وكيف نتمكن من ذلك؟ هذه الأسئلة الحرجة وتلك الأجواء العاصفة هي التي أوحت لي بفكرة «الأزبكية».
> مزجت «الأزبكية» التاريخ بالخيال، بشكل فني بارز، لكن ألا تخشى أن يطغى الخيال على الواقع، فيشوه السرد التاريخي؟
- لم أخش شيئا، فأنا روائي محترف، ولست مؤرخا، وأعرف جيدًا ما تتطلبه الرواية الناجحة، فحاولت أن أكتب عملا ينهض على التاريخ، لكنه ليس كتابًا في التاريخ، وإنما رواية مثيرة وممتعة محمّلة بصراعات اجتماعية ووطنية وثقافية، تتخللها علاقات غرامية مشبوبة، وأفكار وآراء جديرة بالنقاش.. وأظن أن محاولتي نجحت، بدليل الفوز الكبير الذي حققته «الأزبكية».
> بين رواياتك: «أزمنة من غبار»، و«من فرط الغرام»، و«تاج الهدهد»، و«العاطل»، و«نساء القاهرة - دبي» وصولاً لـ«الأزبكية» و«الكومبارس».. إلى أي مدى تحقق حلمك الروائي؟
- لا ريب في أنني سعيد بما أنجزت، لكنها سعادة منقوصة، حيث لا نهاية لأحلامي الروائية، وأظن أن في جعبتي الكثير الذي لم يكتب بعد، فالأجمل لم يكتب بعد، كما يقال، وأنا حاليًا أعكف على رواية جديدة ضمن مشروع روائي أكبر أرجو أن تسنح لي الظروف بإنجازه.
> هل كان «عبد المؤمن السعيد» بطل روايتك «الكومبارس» الذي يكشف خبايا عالم الفن والثقافة.. رمزًا للمهمشين.. لماذا اخترت أن تقحمه عالم الفنّ وكأنه يحاكي نموذجًا لديك؟
- أظنك تعرف أن كثيرًا من المبدعين المصريين المتميزين في المجالات كافة قد تعرضوا لظلم بيّن طوال أربعين عامًا من قبل نظامي السادات ومبارك، لذا اخترت شخصية عبد المؤمن السعيد بطل «الكومبارس» بوصفه رمزًا لكل من يمتلك موهبة، لكنه كابد الضيم والإهمال، وقد ساعدتني تجربتي مع عالم المسرح في شبابي الأول على الغوص في الطبيعة النفسية للممثل الموهوب سيئ الحظ.
> أنت خريج فنون جميلة، ولديك رابطة وثيقة بعالم الفنّ.. هل كنت تقول بلسان «عبد المؤمن السعيد» ما كنت تكابده (ربما)؟
- لا أعتقد ذلك، رغم أن كثيرًا من أبناء جيلي الموهوبين لم ينالوا ما يستحقونه من حفاوة واهتمام، لكنني لا أظن نفسي «ضحية»، فأنا اخترت طريق الإبداع الجاد والصحافة الملتزمة المسؤولة، وكنت أدري حجم المعاناة التي يمكن أن يتعرض لها كل صاحب موقف لا يبتذل نفسه أمام أصحاب السلطان.
> ما رأيك في الرواية العربية، والمصرية تحديدًا، اليوم؟
- أظن أن الأعوام العشرين الأخيرة شهدت قفزات كبيرة في عالم الرواية، فأقبل على كتباتها قطاعات كثيرة من الناس، وهو أمر طيب لا ريب، والزمن كفيل بفرز الجيد منها، فغزارة الإنتاج ضرورة للتطوير والتجويد، وبالفعل هناك روائيون يمتلكون مواهب لافتة من الشباب ومن الكبار.
> كتبت عن «الأخضر والمعطوب.. في الثقافة والفن والحياة».. ما «المعطوب» في الثقافة؟
- ما أكثر المعطوب في ثقافتنا العربية.. كل كتابة لا تحترم العقل وما وصل إليه من تفتح وتطور، كتابة معطوبة.. كل فن لا يسمو بذوق الإنسان ويرتقي به، فن معطوب، كل رأي متحجر يظن نفسه الأكثر فهما وحكمة، رأي معطوب.
> من أين يأتي العطب؟
- من غياب العدل.. من استشراء الظلم.. من تفشي الجهل.
> لديك تجربة طويلة ومميزة مع الصحافة الثقافية، كيف ترى هذه الصحافة في عصر التواصل الرقمي؟
- علينا الاعتراف بأن الصحافة الثقافية الورقية في خطر داهم، ومهددة بالاندثار إذا لم تطوّر نفسها، فالإعلام الإلكتروني بات ذا تأثير مدهش كل لحظة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تدفع الناس إلى هجر التعامل مع الأوراق بصورة متزايدة، إلا المطبوعة المتميزة المتفردة. فإذا لم تنتبه الصحافة الورقية إلى المأزق الذي صارت إليه، فلا منجاة من السقوط في بئر النسيان بكل أسف.. بصراحة.. نحن في حاجة إلى ثورة من أجل تطوير صحافتنا الثقافية.

سيرة ذاتية

- يعمل حاليًا مديرًا لتحرير مجلة «حروف عربية» بدبي. وقد ولد في شبرا البلد بالقاهرة، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بالزمالك عام 1984، وعمل محررًا ورسامًا في الصحافة الثقافية بمصر، ثم غادر إلى دبي في يناير 1999، حيث تولى رئاسة القسم الثقافي بمجلة «الصدى» الأسبوعية، وأصبح في عام 2003 مدير تحرير مجلة «دبي الثقافية» حتى فبراير (شباط) 2010.
- أصدر ثلاثة كتب، هي: «ملامح وأحوال.. قراءة في الواقع التشكيلي المصري»، و«الأخضر والمعطوب.. في الفن والثقافة والحياة»، و«تاريخ الرسم الصحافي في مصر 2000».
- أصدر سبع روايات، هي: «أزمنة من غبار» و«من فرط الغرام»، و«العاطل» التي وصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» 2012، و«تاج الهدهد»، و«نساء القاهرة - دبي»، و«الأزبكية» التي فازت بالجائزة الكبرى في جائزة «كتارا للرواية العربية» بالدورة الثانية 2016، كما أنها فازت بأفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، وفي هذا العام أصدر آخر رواياته «الكومبارس».
- فاز كتابه «تاريخ الرسم الصحافي في مصر/ 2000) بجائزة أفضل كتاب في المسابقة التي تنظمها جائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى.
- كما فاز ناصر عراق بجائزة «أفضل مقال» في الصحافة الإماراتية، في مسابقة «تريم عمران» - الدورة الثانية 2004، التي تنظمها «مؤسسة الخليج للصحافة».



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».