حزب الله يراكم الخبرات في سوريا.. ومقاتلوه يتدربون على الأسلحة الثقيلة في إيران

نحو خمسة آلاف مقاتل ينتشرون قرب الحدود السورية.. وثلاثة أرباع المتطوعين يستسلمون باكرا

مقاتلون من حزب الله خلال مهمة ببلدة القصر اللبنانية الحدودية مع سوريا (أ.ب)
مقاتلون من حزب الله خلال مهمة ببلدة القصر اللبنانية الحدودية مع سوريا (أ.ب)
TT

حزب الله يراكم الخبرات في سوريا.. ومقاتلوه يتدربون على الأسلحة الثقيلة في إيران

مقاتلون من حزب الله خلال مهمة ببلدة القصر اللبنانية الحدودية مع سوريا (أ.ب)
مقاتلون من حزب الله خلال مهمة ببلدة القصر اللبنانية الحدودية مع سوريا (أ.ب)

منذ انخراطه في الحرب السورية قبل قرابة عامين، يخوض حزب الله اللبناني تجربة ميدانية مختلفة، يخشى أعداؤه من أن تراكم المزيد من الخبرات لدى مقاتلي الحزب الذين انتقلوا من معارك حرب العصابات التي تعتمد «الكر والفر»، إلى الحروب النظامية التي تمتاز بالانتشار الواسع والخطط العسكرية الثابتة وترابط الخطوط دفاعا وهجوما.
وانتقل الحزب، في مقاتلته مع الجيش السوري النظامي، من المعارك ضد الدبابات والطائرات، إلى معارك يحظى فيها بإسناد هذين السلاحين الجديدين إلى ميدان الحزب، ومقاتليه. وتبين أن مقاتلي الحزب ركبوا الدبابات، وهو سلاح لم يستعمله الحزب في قتاله الطويل مع إسرائيل منذ تأسيسه وحتى اليوم، خلافا لما فعلته الميليشيات اللبنانية الأخرى وغيرها باعتبارها (الدبابات) تكون صيدا سهلا لسلاح الطيران.
وأكد مصدر في الجيش الحر لـ«الشرق الأوسط» أن النظام يعتمد بشكل أساسي في عملياته على مقاتلي حزب الله نظرا إلى خبرتهم في قتال الشوارع والكمائن. ولفت المصدر إلى أن الجيش النظامي يتولى عمليات القصف المدفعي تمهيدا لمقاتلي الحزب الذين يقومون بالعمليات البرية المدربين عليها جيدا وغالبا، معتبرا أن انسحاب حزب الله من القتال في سوريا سيؤدي حتما إلى سقوط النظام.
ويقول أندرو اكزوم، الموظف السابق في وزارة الخارجية الأميركية والخبير في الشؤون اللبنانية، لوكالة الصحافة الفرنسية «هناك جيل جديد من مقاتلي حزب الله يخوض تجربته القتالية الأولى في سوريا. أتصور أنهم يكتسبون خبرة جيدة في القتال ضمن مجموعات صغيرة في مواجهة حقيقية في ساحة المعركة»، وليس من خلال معارك وهمية تنفذ عادة في التدريبات.
ويقول أبو علي (40 عاما) الذي شارك في حرب يوليو (تموز) 2006 ضد إسرائيل وفي حرب القلمون الشهر الماضي «مع إسرائيل كنا في مواجهة عدو واحد. أما في سوريا، فلا نعرف من نواجه (...) وفي جنوب لبنان، نعرف الأرض والجغرافيا، بينما في سوريا لا نعرفها». ويضيف «القتال في سوريا ليس سهلا.. فهناك مساحات شاسعة، صحراء وجبال ووديان..».
واعتمد حزب الله منذ تأسيسه على يد الحرس الثوري الإيراني في مطلع الثمانينات مبدأ «الدائرة المغلقة» في اختيار عناصره الذين كانوا في غالبيتهم الساحقة من أبناء الطائفة الشيعية، لكن الانتماء الطائفي لم يكن وحده العامل المرجح في اختيار المقاتلين، فالولاء المطلق والالتزام الديني كانا - وما زالا - من الأسس القوية لقبول المقاتلين والمحازبين، والدليل على ذلك أن أقل من ربع الذين ينخرطون في دورات الحزب التدريبية يكملون المشوار، فيما يغادر ثلاثة أرباعهم قبل التخرج.
وإن لعبت كثافة التدريبات وقسوتها دورا في إبعاد المقاتلين عن عضوية الحزب، فإن العدد الأكبر من هؤلاء يغادرون الدورات التدريبية قبل الوصول إلى مرحلة التدرب على السلاح، وفق ما يؤكد مصدر لبناني مطلع على أجواء الحزب لـ«الشرق الأوسط». ويشير المصدر إلى أن أعضاء الحزب يخضعون لدورتين «تثقيفيتين» بمجرد طلبهم الانتماء إلى الحزب، الدورة الأولى تسمى دورة «الجنود»، تليها دورة «الأنصار». وتنص قواعد الحزب على أن تكون هناك فترة زمنية فاصلة بين الدورتين تقارب الستة أشهر. وتشير عبارة «تثقيفية» إلى دورات دينية مكثفة تتعلق بالعقائد، بالإضافة إلى التوجيه السياسي.
وبمجرد تخرج المقاتل من التدريب الديني، ينتقل فورا إلى التدريب العسكري، لكن ليس قبل خضوعه إلى عملية استجواب مكثفة في غرف مغلقة، تسبقها تحريات مكثفة عن تاريخه وارتباطاته العائلية وغيرها، ويواجه المنتسب بأسئلة عن تاريخه، وعن بعض التفاصيل الغامضة في حياته، قبل أن يتخذ قرار القبول.
وبعد قبوله، يخضع كل مقاتلي الحزب إلى دورة عسكرية موحدة، تسمى دورة «التعبئة»، وهي عبارة عن دورة عسكرية تشمل الأساسيات تدوم 45 يوما - تجرى عادة في معسكرات الحزب في البقاع اللبناني - يوزع بعدها العناصر على وحداتهم، لكن لا تسند أي مهمات قتالية لهم، بل يستعملون لحماية المقرات وحراسة بعض المكاتب، وهؤلاء لا ينقلون للقتال في سوريا عادة، لكن النقص في المقاتلين أجبر الحزب في وقت سابق على الاستعانة بهم لتأمين المراكز التي احتلت من قبل وحدات النخبة التي تنتقل إلى موقع آخر.
ويجري اختيار أوائل الدفعات في دورات التعبئة، للمشاركة في دورات النخبة، بدءا من دورة «التدخل» التي تستغرق ثمانية أشهر، ينتقل خلالها المقاتلون إلى إيران للمشاركة في مناورات وتدريبات بالذخيرة الحية والأسلحة الثقيلة تكون غالبا قاسية جدا وفي ظروف تشبه ظروف المعركة الحقيقية.
وتلي دورات التدخل دورة أخرى أكثر تقدما، تسمى «دورة الرضوان»، في إشارة إلى القائد العسكري السابق للحزب الذي اغتيل في سوريا منذ سنوات عماد مغنية الملقب بـ«الحاج رضوان». وتدوم هذه الدورة سنتين، ينقطع خلالها المشارك بها نحو أربعة أشهر متواصلة عن عائلته، قبل عودته إليهم في زيارات سريعة يعود بعدها لتدريباته الخاصة، وتردد أن الحزب دمج مؤخرا الدورتين في دورة واحدة للإسراع في تخريج مقاتلي النخبة.
وبالإضافة إلى هذا، يذهب المتخرجون نحو «دورات الاختصاص» التي تشمل الكثير من الاختصاصات كالمسعف والقناص وسلاح «المضاد للدروع» والوحدات الصاروخية والدفاع الجوي، وأخيرا «المهندس» أو «سلاح التخريب» الذي يشمل فنون زرع العبوات، ويقال إن أصحاب هذا الاختصاص هم «المدللون» داخل الحزب. غير أن ضباط الاختصاص يفترض بهم أن يدرسوا كل الاختصاصات وأن يكون «آمر مجموعة» في كل وحدة من وحدات الاختصاص.
ويقدر عدد مقاتلي حزب الله في سوريا بخمسة آلاف. ويتلقى عناصر الحزب قبل ذهابهم إلى الميدان دورات تدريبية في لبنان في مرحلة أولى، ثم في إيران. ويذكر أحد هؤلاء، وقد قدم نفسه باسم أبو محمد (30 سنة) من منطقة بعلبك، أن الدورات التدريبية في صفوف الحزب حاليا «أكثر كثافة، لأننا نقاتل منذ أكثر من سنتين بشكل متواصل من دون توقف». ويقول مقاتلون في الحزب إن التجنيد بلغ أوجه خلال السنة الماضية بعد الإعلان عن انخراط الحزب في النزاع السوري، لكن الوتيرة تراجعت قبل أشهر، «لأن العدد أصبح كافيا»، بحسب ما قال أحدهم.
كما يلعب الحزب دورا في تدريب بعض المجموعات السورية. ويؤكد مقاتل يقدم نفسه باسم أبو حسين (40 عاما)، وهو قائد مجموعة، أن «بعض عناصر الجيش السوري غير منضبطين.. وأحيانا غير كفؤين، وقد وجهوا أكثر من مرة نيرانهم عن طريق الخطأ إلى مقاتلي الحزب»، مضيفا «ليست لديهم خبرة في حرب الشوارع».
ويبرر حزب الله مشاركته في القتال السوري بمحاولة منع «المجموعات التكفيرية» من الوصول إلى لبنان. كما أكد الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنه لن يسمح بسقوط النظام السوري، حليف «المقاومة» الأول. ويؤكد مقاتلو الحزب أن من يذهب إلى سوريا لا يحتاج إلى إقناع، مرددين الخطاب نفسه حول ضرورة ردع المتطرفين ومساندة بشار الأسد الذي «دعمنا في حرب يوليو 2006».
ويقول فيليب سميث، من جامعة ميريلاند الأميركية، لوكالة الصحافة الفرنسية، إنه بالنسبة إلى العديد من عناصر حزب الله، المعركة هي أيضا «نوع من الجهاد الدفاعي عن المقامات الشيعية (مثل السيدة زينب قرب دمشق) في ظل هجمة على الطائفة الشيعية في المنطقة».
ويقول كنان محمد، المتحدث باسم وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة التي شكلها الائتلاف السوري المعارض، إن حزب الله يقاتل لسبب استراتيجي وبالدرجة الأولى في الخط الحدودي المتاخم لمناطق نفوذ الحزب في لبنان، فيما يتولى إدارة العمليات خبراء إيرانيون. وأشار في حديثه لـ «الشرق الأوسط» إلى أن مقاتلي الحزب يتصدرون في معظم المعارك الخطوط الأمامية على خلاف عناصر قوات النظام.
في المقابل، قال الخبير العسكري المقرب من حزب الله، العميد المتقاعد أمين حطيط، إنه أثناء العمليات المشتركة التي تحصل في سوريا، لا أحد يستطيع أن يثبت ما يحصل على الأرض، وما ينقل من معلومات ليس إلا من باب التكهنات انطلاقا من الصورة الموجودة في الأذهان لحزب الله منذ حرب يوليو 2006. وأوضح حطيط في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش السوري مدرّب لقتال جيوش دول على خلاف حزب الله المدرب لخوض حرب عصابات النخبة بعقيدة ما يعرف بـ«الجيل الرابع»، وانطلاقا من هذا الواقع ولأن المعارك على الأرض هي حرب عصابات، فمن البديهي، بحسب حطيط، أن «تكون لعناصر الحزب خبرات مميزة لا سيما في مركز ثقل وجود حزب الله، أي دمشق ومحيطها، وقد يقوم خبراؤهم في المناطق التي تقع خارج هذا المركز بتقديم المشورة للقائد العسكري في الجيش السوري على الأرض، والدليل على ذلك أن الانتصارات لا تقتصر على المناطق التي يوجد فيها الحزب». وأشار حطيط إلى أن قادة الجيش السوري كما الحزب، تملك زمام المبادرة على الأرض، مؤكدا في الوقت عينه أن القرار النهائي بيد القيادة السورية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.