لؤلؤة يترجم «غنائيات» شكسبير

قبل تحدي جبرا إبراهيم جبرا ولو بعد ثلاثين عاما

أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها

ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد
أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد
TT

لؤلؤة يترجم «غنائيات» شكسبير

أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها

ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد
أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد

صدر عن مشروع «كلمة» في أبوظبي كتاب «الغنائيات» لويليام شكسبير، ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الذي قدّم شروحا وتفسيراتٍ مستفيضة لكل غنائية على انفراد، مُعتمدا فيها على أفضل ما كتبه النقاد البريطانيون والمتخصصون في أدب شكسبير على وجه التحديد، أمثال دون باترسن، ستيفن بوث وكاثرين دنكان وآخرين لا مجال لذكرهم جميعا.
ينقسم كتاب «الغنائيات» إلى أربعة أقسام رئيسة، وهي المقدمة الرصينة، وتراجم الغنائيات بالعربية، والنصوص الإنكليزية. هذا إضافة إلى الشروحات الوافية التي لم تترك شاردة أو واردة إلا وتوقّف عندها الباحث والمترجم عبد الواحد لؤلؤة المعروف بملَكته النقدية المرهفة.
لا بد من الإقرار سلفا بأن هذه المراجعة لا يمكن أن تغطي الكم الكبير من المعلومات النوعية التي وردت في المقدمة والتراجم والشروح الدقيقة التي تنطوي على إحالات نقدية وفكرية وتاريخية تحلّ كثيرا من الإشكالات المتعلقة بالعاشق والمعشوق والسيدة السمراء التي سرقها المعشوق أو اللص الظريف من الشاعر، كما تسلّط هذه الشروح الضوء على بعض الاستنتاجات الخاطئة التي حاولت أن تلصق تهمة المثلية الجنسية بشكسبير، ولو كان كذلك لما قصّر حُسّاده ومنافسوه من الشعراء والكُتّاب المسرحيين في الترويج لهذه التهمة وتكريسها كحقيقة دامغة في حياته الشخصية.
تشي المقدمة الشافية للؤلؤة بإعجابه الواضح بأستاذه الراحل جبرا إبراهيم جبرا الذي ترجم أربعين «سونيتة» فقط تاركا البقية الباقية لغيره من المترجمين، وحجته في ذلك «أنها تتطلّب الكثير من الشروح والتعليقات الأكاديمية التي تقتل الشعر فيها»، غير أن لؤلؤة لم يقتنع بهذه الإجابة فتحدّاه جبرا أن يقوم بهذه المهمة، كجزء من نشاطه الأكاديمي فقَبِل لؤلؤة بهذا التحدي، ولو بعد 30 عاما.
أشار لؤلؤة في مقدمته إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات، وهما ترجمة جبرا وترجمة كمال أبو ديب، وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها الشاعر والمترجم المصري بدر توفيق وجاءت تحت عنوان «سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الإنجليزي»، كما ترجم الشاعر الراحل سركون بولص بعضا من سونيتات شكسبير، منتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية في هذه السونيتات، أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها.
يشيد لؤلؤة بترجمة أستاذه جبرا ويصفها بأنها «أنيقة العبارة، دقيقة في فهم المعنى»، لكنه ينتقد توسّعه في العبارة الإنجليزية المكثفة لكي يجعلها مُستساغة في العربية. وقد اكتفى جبرا بهوامش قليلة عوضا عن الشروح الطويلة، كي يظل تركيز القارئ مُنصّبا على القصائد نفسها، لا على الشروح والإحالات الجانبية.
يُعرِّب لؤلؤة كلمة سونيت بـ«الغنائية»، بخلاف بقية المترجمين العرب الذين يفضلون الاحتفاظ بالاسم الأصلي، وحجته الدامغة في ذلك أنها مشتقة من كلمة «Sonetto» الإيطالية، التي تعني بالعربية «الأغنية الصغيرة أو القصيدة القصيرة التي وُضعت للغناء».
تعود الغنائية الإنجليزية شكلا ومضمونا إلى الغنائيات الإيطالية التي وضعها بتراركا، ثم نقلها شعراء إنجليز أمثال سير توماس وايات وإيرل أوف سري، ثم استعمل هذا النمط سير فيليب سدني إلى أن جاء شكسبير فكتب «154» غنائية مطوِّرا نظامها البتراركي الذي يتألف من «ثُمانية» و«سُداسية» إلى ثلاث رباعيات ومزدَوجة في ختام القصيدة، آخذين بنظر الاعتبار أن بتراركا نفسه قد استوحى ذلك من دانته أليغيري الذي كتب عددا من غنائيات الحب التي ظهرت في مجموعته الشعرية المسماة «الحياة الجديدة».
يؤكد دانته بأن الشعر الإيطالي قد وُلد في صقليا متطورا عن شعر التروبادور، الذي كُتِب باللغة الأوكسيتانية في الجنوب الفرنسي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. أن أي دراسة رصينة عن شعراء التروبادور؛ سواء أكانت للدكتور لؤلؤة أم لغيره من الباحثين المنصفين تُبيّن أن الجد الأعلى للغنائية الإيطالية هو الموشّح، وقرينه الزجل الذي كُتب بعامية قرطبة في القرن الثاني عشر.
تتبع لؤلؤة الشاعر جياكومو دا لينتيني الذي يُنسب إليه أول ظهور للغنائية في صقليا، والذي كان معجبا، مثل سورديلو، بغنائيات التروبادور بلغتها الأوكسيتانية المفهومة التي تتمحور حول مواضيع شديدة الشبه بما نجده في الموشحات والأزجال الأندلسية، كالحب الدنيوي، وموقف الشاعر من المرأة. وقد تبنى شكسبير هذا النزوع، بعد اطلاعه على ترجمة «وايات» و«سري»، ثم أخذها عنه «ملتن» و«جون دن» على امتداد القرن التاسع عشر، ثم أصبح نظم الغنائية نوعا من إظهار البراعة لدى الشعراء اللاحقين.
قسم لؤلؤة الغنائيات الـ«154» إلى ثلاثة أبواب، معتمدا في هذا التقسيم على المواضيع التي يعالجها في كل باب. فالغنائيات من «1 إلى 17» يحثّ فيها الشاعر صديقَه الحبيب على أن يتزوج كي ينجب طفلا يحفظ ذكراه وجماله. أما الغنائيات من «18 إلى 126» فتتمحور حول الحب، وتذلل العاشق للمعشوق، وجمال المحبوب وخيانته، واختلاط الحواس، والقطيعة المفترَضة، والإلهام، والسهر، والخوف من الشيخوخة والفراق وما إلى ذلك. فيما تتحدث الغنائيات من «127 إلى 152» عن الخليلة السمراء التي تمتلك قدرا كبيرا من الفتنة والجمال. أما أبرز المواضيع التي عالجها الشاعر في هذا الباب، فهي عبودية الحبيب للمحبوب، واضطراب الرؤية، والشهوة الجنسية، والعيون القاتلة، وسهام الألحاظ وغيرها من المواضيع المستوحاة من الموشحات والأزجال الأندلسية. وضمن الباب الثالث أفرد لؤلؤة إطلالة خاصة على الغنائيتين الأخيرتين «153 و154» اللتين تماهيان بين الحب والشبق الجنسي.
يؤكد لؤلؤة أن الباحثة المعاصرة كاثرين دنكن - جونز قد توصلت إلى أن هوية الشاب الأرستقراطي، محبوب الشاعر، هو إيرل أوف بمبروك. أما السيدة السمراء، فلم يجرِ تحديد هويتها. لا شك في أن السؤال المثير للجدل هو: هل كان غزل الشاعر بالشاب الأرستقراطي الوسيم دليلا على مثليته الجنسية أم لا؟ غير أن دراسة النصوص لا تعزّز مثل هذه الشكوك والتخرصات. فالشاعر يشجع الشاب الأرستقراطي على الزواج كي ينجب ولدا يديم مواصفات الأب الجمالية. وهذا الأمر يتعارض مع مثلية المتكلّم. غير أن الأبحاث الأخرى تكشف عن اكتظاظ القسم الأخير من الغنائيات بالإشارات الشبقية تجاه السيدة السمراء. ولكي نطوي سؤال المثلية الجنسية تماما، نستعين بما قاله الباحثان «إنكرام» و«ردباث» بأن العلاقة بين الشاعر والشاب كانت «عميقة.. مضطربة أحيانا، تنطوي على شيء من الافتتان الجسدي شبه الجنسي مصدره الشاب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حُبّ الذّكران بأي معنى فظيع». كما ينفي الباحث ستيفن بوث ما يثبت تهمة المثلية لدى الشاعر.
توقف لؤلؤة عند بعض الهنات اللغوية التي ارتكبها كل من جبرا وكمال أبو ديب، منبها إلى أن لغة شكسبير قد تغيّرت عبر العصور، ولم تبقَ بعض المعاني على ما كانت عليه في العصر الإليزابيثي، فكلمة «pen» كانت تعني «ريشة» الرسام، وليس «قلما»، و«brave» كانت تعني «الجميل»، وليس «الشجاع»، و«bail»، كانت «يضمّ» أو «يغلّق» وليس «يكفل»، و«hue» الهيئة وليس اللون، و«argument» كانت تعني «موضوع» القصيدة وليس الجَدَل، و«modern».. «المبتذل» وليس «الحديث».
ومن بين الهنات التي اقترح تعديلها لترجمة جبرا نذكر «بقلمك القديم».. «بريشتك القديمة»، «هول الإساءة».. «عبء الإساءة»، «مطلية بالعسجد».. «المذهّبة»، «التراب الثابت».. «الأرض الصلبة»، «سيّدها».. «زوجها»، «يكفل قلب صديقي».. «يضم قلب صديقي».
أما الأخطاء التي وقع فيها كمال أبو ديب، فهي تقرب من الثلاثين خطأ، نذكر منها «النهار الشجاع».. «النهار الجميل»، «خبأهم الموت».. «طواهم»، «كوارس».. «جوقات»، «عار الزندقة».. «عار النغولة»، «أشهبان».. «كامدان»، «طاعوني».. «مصيبتي»، «مبتلاة بالترقّب».. «السهر». يتساءل لؤلؤة في خاتمة مقدمته عن السبب الذي دفع أبو ديب لأن يترجم السونيتات بأسلوب شعر التفعيلة؟ وهل القارئ العربي بحاجة إلى شعر موزون ومقفى مُترجَم عن لغة أجنبية؟ يعتقد لؤلؤة أن ما يحتاجه القارئ العربي هو الصور الشعرية، وما تنطوي عليه من استعارات ومجازات في قصائدهم، شرط أن تُترجم بأسلوب نثري واضح لا لبس فيه، فالأوزان الشعرية العربية المقحمة في هذا المجال تدفع المترجم إلى التوسّع في التفسير على حساب النص الأصلي، وإرضاء لتفعيلات البحور العربية، وهو ما فعله فيتزجيرالد وأحمد رامي في ترجمة «رباعيات الخيام»، لكنهما ابتعدا عن الأصل إرضاء للوزن والقافية. بقي أن نقول في خاتمة هذه المراجعة إن ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان، على الرغم من صدور ترجمات سابقة لها، كونها تتيح للقارئ أن يطلع على هذه المقدمة الفاتحة للشهية، وأن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية، وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.