افتتح الفنان التشكيلي جهاد أبو سليمان معرض «أسرار الماء»، لرسوماته من الأكواريل والأكريليك في مركز اليونيسكو الثقافي في بيروت. ويتضمن أكثر من تسعين لوحة محورها الوطن والجذور اللذان حملهما معه طيلة فترة هجرته من لبنان وعلى مدى أربعين عاما. جرى الحفل برعاية سفارة هولندا في لبنان وبحضور السفيرة هوستر سومسن.
مواضيع عدّة نقلتها أنامل الفنان اللبناني على قماش القنّب الأبيض المستخدمة لرسم لوحاته، وبينها الطبيعة والأبجدية وضوء القمر وعذوبة مياه المتوسط، إضافة إلى شغف الحب الفتي والعودة إلى الجذور. «إننا في لبنان لا نقدّر أحلام اليقظة التي نعيشها تحت ضوء القمر وعيوننا مسمّرة نحو السماء، فهي نوع من الرفاهية المطلقة التي قلّما نجدها في بلاد الغرب». يصف جهاد أبو سليمان مواضيع لوحاته المخزّنة في ذاكرته عن طبيعة وطنه لبنان.
آثر الفنان اللبناني الذي توجد أعماله ضمن مجموعات فنية عالمية عامة وخاصة، بينها متحف فان لون (أمستردام) ودارة رئيسة القصر الملكي الهولندي، ومكتب رئيس مجلس الوزراء الاسكوتلندي (ادنبره)، إدراج ذكرياته أيام الطفولة والمراهقة في رسوماته، بعد أن ترجمها بألوان دافئة حينا وصارخة حينا آخر. «الألوان هي برأيي عنصر أساسي من عناصر اللوحة الناجحة، ولقد حرصت أن أبتعد عن المهذبة منها أحيانا كثيرة لأستخدم ألوان (الشقاوة) في إشارة إلى حبّي للحياة والتفاؤل والأمل». هذه الأحاسيس التي رافقت أبو سليمان رغم هجرته عن لبنان متنقلا بين باريس وأمستردام التي يستقر فيها حاليا، كان يغذّيها من خياله المشبّع بحبّه لقريته مسقط رأسه مجدلونا، الواقعة في إقليم الخروب في منطقة الشوف ضمن محافظة جبل لبنان فجعلته مهاجرا سعيدا كما يقول.
جمع الرسام جهاد أبو سليمان في معرضه «أسرار الماء» عصارة نتاجه الفنّي منذ بداياته في أواخر السبعينات حتى اليوم. فعرض أعمالا تناول فيها علاقته مع الفن من خلال مجموعته «الفنان بريشته»، كما استرجع فترة سلوكه درب اللون المتحرر في وصفه للواقع من خلال مجموعتيه «قرية في حركة» و«العلم» (من نوع المائيات) ويبرز فيهما تأثّره بأسلوب السويسري بول كلي.
وليقفز بعدها إلى منتصف التسعينات حتى آخرها في مجموعة «أحواض السمك» التي اختزل فيها مدى البحر وأعماقه بأسماك ملوّنة بالحركة والحياة. وكان حنينه كبيرا لقريته الأم إلى حدّ جعله يقدّم مجموعة «مجدلونا» (1991 - 2015) من خلال نقله لطبيعتها وأشجارها وتلالها الخضراء.
شريط حياة فنّي بامتياز وضعه الرسام اللبناني بتصرّف زوّار المعرض الثالث له في بيروت، فتابعوا مسيرته بدقّة ليتعرفوا إلى بداياتها ومرورا بمنتصفها «سجاد الشرق» و«منمنمات» وصولا إلى مجموعته الأكثر حداثة «أسرار الماء».
لماذا اختار الماء موضوعا أساسيا للوحاته؟ يردّ: «المياه سرّ الحياة وتمثلها بحركتها الحيوية المطلقة، وتضفي الجمالية على أي مشهد يطالعنا».
لوحات عدة ترجم فيها الفنان التشكيلي اللبناني حبّه للمياه والهواء وطبيعة لبنان، فنقلها في «أيلول» و«العاصفة» و«ندى الربيع» و«أناشيد ليلية» و«الظهيرة» وغيرها من اللوحات التي حاكى فيها ذكرياته القروية على طريقته السريالية.
ولم تغب التلميحات السياسية عن لوحات جهاد أبو سليمان التي برزت واضحة في واحدة من لوحاته «لعبة» والتي تمثّل أميرين أحدهما من الشرق وآخر من الغرب يلعبان الشطرنج إشارة إلى اللعبة السياسية الممارسة على الشعوب من خلال اتفاقات الزعماء والسياسيين. «موضوع السياسة ولو تناولناه نحن الرسامين فإننا ننقل الوجه الآخر له بحيث نلقي الضوء عليه دون أن نضيع في زواريبه».
كشف جهاد أبو سليمان في أكثر من لوحة من مجموعته الجديدة «أسرار الماء»، عن أحلام راودته حول العودة إلى وطنه بعد غياب طويل عنه. فرسم «العودة» التي يتمثّل فيها شخصيا من خلال عصفور طائر يقف على تلّة قريته يتأمّل منزله وحديقته، سعيدا بعودته إلى تراب الوطن حيث ملاقاة الذات في واحة جمال وسكينة. وفي لوحة «العودة 2» ترجم أفكاره حول خطّة يعدّها في موضوع العودة إلى قريته لتصبح حياته موزّعة ما بين هولندا ولبنان وليمضي في قريته ستة أشهر متتالية.
مزج الفنان اللبناني ما بين ثقافته الغربية وجذوره المتأصّلة، فعبّر عنها في لوحات حملت نفحة الالتقاء بين الثقافتين كما في لوحة «المعبد».
أما الغمامة التي احتلّت مساحة لا يستهان بها من مجموعته الجديدة هذه، فكانت بمثابة الحبّ والخير اللذين جعلهما يرفرفان فوق مشاهد مختلفة، للدلالة على تأثيرات إيجابية ترافقنا في مواقف محرجة نتلقاها من السماء بصورة غير مباشرة، فنرى الغيمة بيضاء أحيانا إشارة إلى السلام وزهرية أحيانا أخرى دلالة على الحبّ.
«عادة ما استغلّ الألوان لريشة حرة أنا من يلحق بأفكارها وطريقها وليس العكس». ويضيف: «هي طبقات فكرية استلهمها من اللاوعي عندي فأنا لا أروض اللوحة بل أكون وسيطا ما بين وشوشاتها الروحانية ومهمتي كرسام، فأصغي إليها بتأن تماما كما أصغي لصوت امرأة جميلة فلا أجادلها بل أسير مع تيارها».
وعن سبب غياب الألم والوجع في لوحاته يقول: «الألم في الرسم يجب أن يتحوّل برأي إلى أمل وضوء، وهو أمر ضروري لأننا إذا نقلنا المأساة كما هي فماذا سيكون مردودها علينا؟ وما الاستفادة من ذلك؟ هناك نظريات في الرسم تقول: إنه يجب أن نعبّر عن الألم ولكن لكلّ منّا طريقته في التعبير وأنا أستخدم نقيضه وبرأيي هذا هو الأسلوب الأقوى، لأنه ينطوي على تمرّد ورفض لواقع حزين». ويتابع: «الفنان لا يريد أن يصبح زعيما بل أن يكون منارة فرح ولذلك يختلف في أدائه تماما عن أهل السياسة». ويصف جهاد أبو سليمان الذي أسس «تجمّع المبدعين العرب» في هولندا، اللوحة الناجحة بأنها «نتاج خبرة واحتراف وصدق، وبأن اللوحات التي لا تكتمل نعتبرها غير ناجحة. وهو أمر عايشته في مشواري الفني شخصيا، وهناك لوحة (آدم وحواء) أعمل على إنجازها منذ أكثر من ستّ سنوات ولم أنجح في إكمالها بعد».
جهاد أبو سليمان الحائز على ماجستير في تاريخ الفن من جامعة السوربون الفرنسية وشهادة عليا للدراسات المعمّقة في تاريخ الفنّ من جامعة أمستردام، حمل هموم الفنان العربي المهاجر عندما نظّم عدة معارض لفنانين عرب، بينها المعرضين الجماعيين الأول والثاني للفنانين العرب في هولندا.
وعن الفن عامة يقول: «الفن التشكيلي يعيش فترة انحطاط وتعود أسبابه لانتشار خطّ (الفن المفاهيمي) الذي يعتمد على الفكرة أكثر من التنفيذ، مما حوّله إلى نوع من الفلسفة تؤدي إلى تعقيد المواضيع المطروحة في الرسم، فتشوّش أفكار ناظرها حتى تصبح صعبة الفهم والاستيعاب من قبله، وهو ما أسمّيه بلغتنا الانحراف الفني ولكني أعتبره مجرّد ظاهرة وستنتهي قريبا».
معرض «أسرار الماء» لجهاد أبو سليمان.. أحلام ملوّنة بعيون مفتوحة
يتضمن 95 لوحة تشكيلية محورها جذور الوطن وأمل العودة
جهاد أبو سليمان في معرضه
معرض «أسرار الماء» لجهاد أبو سليمان.. أحلام ملوّنة بعيون مفتوحة
جهاد أبو سليمان في معرضه
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

