إسرائيل لم تعد تحتمل فتات الديمقراطية الذي تعطيه للمواطن العربي

أصبح التلويح بالطرد أو الترانسفير خطابًا شرعيًا لحكوماتها

النائب العربي في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الدكتور جمال زحالقة أثناء الطلب منه لمغادرة جلسة البرلمان إثر اعتراضه على كلمة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
النائب العربي في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الدكتور جمال زحالقة أثناء الطلب منه لمغادرة جلسة البرلمان إثر اعتراضه على كلمة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل لم تعد تحتمل فتات الديمقراطية الذي تعطيه للمواطن العربي

النائب العربي في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الدكتور جمال زحالقة أثناء الطلب منه لمغادرة جلسة البرلمان إثر اعتراضه على كلمة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
النائب العربي في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الدكتور جمال زحالقة أثناء الطلب منه لمغادرة جلسة البرلمان إثر اعتراضه على كلمة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

بعد تكرار الهجمات السياسية والقضائية والمخابراتية والإعلامية على النواب العرب في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وعلى أحزابهم الوطنية، يسود شعور لديهم، بأن من يحكم إسرائيل اليوم، هم أولئك القادة الذين لم يعودوا يحتملون وجود الفتات المتبقي من النظام الديمقراطي تجاه المواطنين العرب، ويحاولون تصفيته.
فقد تمت مهاجمة «القائمة المشتركة» (التي تضم كل الأحزاب الوطنية العربية)، لأنها قررت الامتناع عن المشاركة في جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق، شيمعون بيريس. وشارك في هذه الهجمة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وغالبية الوزراء وأعضاء الكنيست من الائتلاف والمعارضة ومن وسائل الإعلام، إلى درجة أن سمح المراسل العسكري للقناة الثانية للتلفزيون، روني دنئيل، لنفسه، أن يقول لرئيس القائمة، أيمن عودة: «ضيعتم فرصة لتثبتوا لنا أنكم بنو آدم». وأعطى نتنياهو تعليماته لرئيس كتل الائتلاف، بأن يبحث إمكانية مقاطعة النواب العرب والانسحاب من الجلسات لدى إلقائهم خطابات.
وتعرض حزب التجمع الوطني، الممثل بالنواب الثلاثة: د. جمال زحالقة وحنين زعبي ود. باسل غطاس، إلى حملة اعتقالات واسعة ضمت رئيس الحزب، عوض عبد الفتاح، و38 شخصية بارزة أخرى، بينها أعضاء مكتب سياسي ونشطاء ومحاسبون، وذلك بتهمة «إدخال مبالغ طائلة من الخارج بشكل مخالف لقانون تمويل الأحزاب، ومحاولة تبييض هذه الأموال بواسطة إصدار مئات الإيصالات المزيفة التي تظهرها تبرعات مشروعة من مواطنين».
وكانت الحركة الإسلامية - الشق الشمالي، قد تعرضت إلى حملة شبيهة، وجرى اعتقال رئيسها الشيخ رائد صلاح، وإصدار أمر عسكري بإخراجها عن القانون، وإغلاق مؤسساتها الخيرية والتعليمية.
وبشكل عام، يتعرض النواب العرب وأحزابهم، إلى تحريض عنصري لدى إطلاق أي منهم أي تصريح لا تستسيغه الأذن الإسرائيلية اليمينية، ولدى قيامهم بأي عمل احتجاجي. وعندما تعتدي الشرطة على متظاهرين منهم، يلقى الأمر تهادنًا من السياسيين وتبريرًا دائمًا للاعتداء.
المواطنون العرب في إسرائيل (فلسطينيو 48)، من جانبهم، يعترضون هم أيضًا على بعض مواقف نوابهم في الكنيست، مثلاً، قال 69 في المائة منهم، في استطلاع للرأي، إن هؤلاء النواب أخطأوا بمقاطعتهم جنازة بيريس، وفقط 18 في المائة أيدوا المقاطعة. وفي كثير من الأحيان، ينتقدون تصريحات وممارسات من شأنها أن تنفر اليهود من العرب وتجعلهم موحدين ضدهم. ومع ذلك، تثير الهجمة الحكومية المنظمة القلق في صفوفهم، وتزيد مخاوفهم من سياسة الحكومة، وتبقيهم ملتفين حول أعضاء الكنيست.
ويقول النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، إن «جوهر سياسة اليمين الحاكم، هو نزع شرعية المواطنين العرب وقيادتهم السياسية، كي لا يؤثروا في الحياة السياسية في البلاد. إنهم لا يطيقون رؤية العرب يطلقون خطابًا سياسيًا مقنعًا للمواطنين اليهود، لأنهم لا يريدون أن يكون هناك قاسم مشترك للعرب واليهود في معالجة قضايا الدولة الحيوية والجوهرية، مثل قضية السلام والمساواة والديمقراطية. لذلك نراهم يديرون علينا حربًا شعواء وهستيرية. ولا يخجل رئيس الحكومة من أن يدير هذه المعركة ضدنا بنفسه».
ويقول النائب أحمد الطيبي، رئيس الحركة العربية للتغيير، إن «تصرفات نتنياهو تشير إلى عقلية إجرامية تجاه المواطنين العرب وقيادتهم. فتحريضه دموي وممارساته تعسفية وخططه السياسية مدمرة. ولكن يغيظه أننا لا نرضخ لسياسته وإرهابه، فيحاول ضعضعة مكانتنا القانونية».
ويقول عوض عبد الفتاح، رئيس التجمع: «منذ عقود تعيش إسرائيل، وعبر ائتلافها الحاكم، هاجس الخوف من النمو السكاني للمواطنين الفلسطينيين. وفي العقدين الأخيرين، تحوّل الهاجس إلى خوف من تصاعد مكانتهم السياسية وحضورهم في الساحة الدولية. وهذا ما تنشغل إسرائيل فيه علنًا، وعلى عكس ما كان عليه الأمر في حقبة سابقة، حين اعتمدت إسرائيل الدهاء والخبث في ممارسة الاستعمار والقمع، فإنها تُبلور أخيرًا، استراتجيّه جديدة في التعامل مع (الأقلية الفلسطينية)، وتشمل ركيزتين؛ الأولى: نهج الاحتواء عبر الإعلان عن ضخ ميزانيات كبيرة نسبيًا إلى المجتمع العربي، ليس بهدف خلق (اقتصاد منتج)، بل للتجاوب مع شروط منظمة OECD التي ربطت استمرار عضوية إسرائيل فيها برفع مستوى دخل الفرد، وهذا يتم فقط عبر تحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين العرب. والركيزة الثانية: العصا، أي القمع المباشر، عبر تصعيد ملاحقة الحركات السياسية وحظر بعضها، والتضييق على بعضها الآخر، وشن حملات تحريضية منهجية ودموية بهدف إزالة بعضها كليًا من المشهد السياسي، وإضعاف حركات أخرى من خلال تخويف الناس وإبعادهم عنها.
طبعًا هذا القمع يترافق مع تصعيد ومواصلة سنّ القوانين العنصرية السافرة التي تقيّد حرية التعبير والعمل السياسي، وتجريمه. إنها معادلة جديدة قديمة تسعى إسرائيل إلى تمريرها مستغلة ظروف المنطقة وظروف الساحة الفلسطينية الكارثية. هذه المعادلة هي معادلة مقايضة الحقوق الوطنية بحقوق مدنية (ميزانيات للتعليم وللبنى التحتية)، وتوسيع جزئي لمسطحات القرى والمدن وغيرها، أي نزع الهوية الوطنية والطابع الوطني عن نضالنا كمجموعة قومية أصلانية.
لا يجب الاستخفاف بآثار هذه السياسة على المواطنين العرب، وعلى شرائح في أوساط الهيئات القيادية وممثلي الجمهور العربي. وتتجلى هذه الآثار السلبية في الانسياق وراء الدعاية الإسرائيلية الخبيثة والترهيبية، وخروج أصوات من بين ظهرانينا تدعو إلى (التعقل) وإلى عدم إغضاب الحكم الإسرائيلي، وإلى خفت الصوت، أو إخفائه، (وهو الصوت) الذي يشدد على الهوية الوطنية والموقف السياسي الصلب في مواجهة مخططات التدجين والأسرلة، وسياسيات الحروب العدوانية ضد شعبنا الفلسطيني.
لقد تمكن المواطنون العرب عبر العقود الثلاثة، من إعادة تأكيد أنهم مجموعة قومية لها جذورها التاريخية في الأرض، وفرضوا أنفسهم على ساحة الصراع الوطني. ولهذا تتعرض قيادات وممثلو الجمهور الفلسطيني في إسرائيل إلى ضغط هائل، معنوي، من قبل المؤسسة الإسرائيلية وائتلافها الحاكم. إنّ اتهامهم بالتطرف وعدم التسليم بيهودية الدولة (أي بالامتيازات اليهودية حتى لو تمت تسوية مع السلطة الفلسطينية)، ودعم (الإرهاب الفلسطيني)، يتصاعد، ويترافق مع تهديدات بنزع الشرعية عن وجودهم وعن نضالهم السياسي، بل بتهديدات دموية، هذا فضلاً عن التلويح بالطرد أو الترانسفير الذي بات خطابًا شرعيًا في إسرائيل».



الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.


بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.