بالنسبة إلى المعماريين، أو على الأقل بالنسبة إلى زها حديد، هناك حياة أخرى. في 22 سبتمبر (أيلول)، أي بعد مرور نحو ستة أشهر على وفاة هذه المعمارية البريطانية المفاجئة عن عمر يناهز الخامسة والستين، تم افتتاح «بورت هاوس»، أحد أجرأ مبانيها، في احتفال أقيم في ميدان زها حديد، الذي سمي مؤخرًا باسمها، في أنتويرب. أسفل المقدمة المرتفعة للمبنى المشيد بزاوية واضحة، والمصنوع من الزجاج والمعدن، والذي يتخذ انحراف شكل السفينة أعلى محطة إطفاء فخمة مشيدة من الطوب، عزفت الأوركسترا بمصاحبة فريق الغناء الجماعي «أنشودة للبهجة» من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن. وتم رفع الستار عن الفصل الثاني من مسار زها حديد المهني، بشكل أوبرالي لم يشهد العالم مثله منذ افتتاح أعمال فرانك ليود رايت. مثلت اللحظة الحماسية القوية لزها حديد، مع افتتاح مبنى آخر لها في إيطاليا حديثًا، بداية لمسار مهني آخر يعقب وفاتها، ويعد بتقديم نحو 50 بناء آخر، وهو عدد يقترب من عدد المباني التي صممتها أثناء حياتها.
بدأت رحلة حديد المهنية متأخرًا، لكنها حشدت زخمًا وصل إلى ذروته بـ36 مشروعا تحت الإنشاء أو في مرحلة الرسوم الأخيرة، أو قيد الانتظار. ويرأس باتريك شوماخر، شريكها في العمل، حاليًا الشركة، التي من المتوقع أن تمتد إلى 26 دولة على مدى العقد المقبل. سوف يبقى اسم «زها حديد أركيتيكتس» كما هو حتى إذا تطورت الشركة تحت قيادته، حيث يقول: «ستبقى جينات زها الوراثية في الشركة».
وخلال المراسم الافتتاحية، وصف مارك فان بيل، رئيس ميناء أنتويرب، المبنى المنحوت، وواجهته التي تظهر وسط مساحة عاصفة من المثلثات العاكسة، بـ«سفينة الألماس» في إشارة مزدوجة إلى تجارة الألماس التي تشتهر بها المدينة، وإلى موقع المبنى الذي يطل على الميناء الممتد. وكان لدى سائقي سيارات الأجرة آراء واضحة بشأن المبنى، حيث قال أحدهم: «أحب هذا المبنى لأن من صممته سيدة، ولأني أعشق الخيال العلمي. إنه ساحر».
ضمّ المبنى المكون من تسعة طوابق، الذي بلغت تكلفة تصميمه 62 مليون دولار، محطة إطفاء حرائق حديثة؛ ويتسع المبنى لنحو 500 موظف يديرون عمليات ميناء أنتويرب.
عادة لا يدخل المعماريون البارزون في منافسات مفتوحة ذات احتمالات ضعيفة. مع ذلك في عام 2008 تنافست زها حديد مع مائة معماري آخر على توسيع، وضمّ محطة إطفاء مميزة إلى مبنى إداري يتسع لـ500 موظف يتولون إدارة عمليات الميناء.
ويعد ميناء روتردام، الذي يقع على الجانب الآخر من نهر شخيلت، أكبر ميناء في أوروبا. وتعد العاصمة بروكسل، المكان الذي يزخر بأكبر مبان حكومية في بلجيكا والاتحاد الأوروبي. وتبذل مدينة أنتويرب المزيد من الجهد في مواجهة ذلك. قبل الانتهاء من تصميم زها حديد المكون من تسعة طوابق، عندما عرّف المسؤولون الوفود الأجنبية على ميناء تم تحديثه بأكبر المرافئ، وأعمق القنوات، وأحدث الوسائل التكنولوجية، كان عليهم القيام بذلك من المكاتب المطلة على ميناء أثري قديم يخدم القوارب الترفيهية. بحسب جوريس باولز، المهندس المعماري للمشروع، لقد أرادوا أن يكون مقرهم داخل مبنى يمثل الميناء المتطور.
كذلك أراد مخططو المناطق الحضرية حجز مساحة من أجل توسع المنطقة السكنية في أنتويرب. وقال باولز، البلجيكي الذي يعمل في مكتب زها حديد في لندن، متحدثًا من أنتويرب: «لقد أرادوا قطعة معمارية تربط الطرف الشمالي من المدينة النامية بالطرف الجنوبي من الميناء الآخذ في الاتساع».
لقد أدت زها حديد واجبها في المنافسة. ونظرًا للتصميم التاريخي للمبنى الموجود، الذي يعد نسخة من التكوين الهانزي الذي يعود إلى القرن السادس عشر، استعانت بمستشار في التراث نصحها بعمل قمة، كانت مصممة خصيصًا من أجل محطة الإطفاء، لكن لم يتم بناؤها أبدًا، لتبرر وجود قطعة «حادة» أعلى القاعدة المكونة من أربعة طوابق. يتذكر شوماخر أنه عندما رأت حديد خريطة، وصور للموقع، قالت إن النطاق الواسع للموقع، الذي به ميناء أنتويرب الذي يعد أكبر من المدينة نفسها بعشرة أمثال، يدعو إلى قطعة مميزة «تمتلك الميناء، لكنها تتعامل مع المدينة»، مشيرة إلى أن «أي شيء أقل من ذلك سوف يكون مختفيًا». وقال باولز: «كان الأمر المهم بالنسبة إلى زها هو وضع طبقات من البناء الجديد على البناء القديم» بحيث يمكن إدراك وملاحظة الاثنين من مسافة بعيدة، مع إتاحة مساحة على الأرض للجمهور. وأراد باتريك أن يعلو التكوين الجديد على محطة الإطفاء ويهبط على نقطة مفردة.
راجعت كل من زها حديد، وشوماخر التصميم، وقاما بتعديل عدة خيارات قدمها باولز استنادًا إلى المفهوم الأولي. كانت زها حديد منذ بداية مسارها المهني ترتفع بمبانيها متحدية الجاذبية، وكان الهواء هو بيئة تصميمها.
رفع المهندسون المعماريون التكوين ذي الأربعة طوابق، والـ60 ألف قدم مربع، للمكاتب الجديدة على عمود مائل منحوت به مخرج يستخدم عند نشوب حريق، ويلتقي مع الأرض مثل كعب حذاء لوبوتان، وعلى مصعد يرتفع من الباحة الأصلية. ومثلت مساحة طويلة فاصلة بين المباني القديمة والجديدة ممشى من أجل المشاهدة والاستقبال.
داخل الملحق، كانت كل الأرضيات مكاتب مفتوحة المستوى تحتوي على صفوف من المكاتب المرتبة على شكل خط مائل. وكانت تتيح الجدران مثلثة الشكل رؤية المدينة، ومصب نهر شخيلت بشكل مستدير. في محطة الإطفاء المشيدة من الطوب، استخلص المعماريون عقودًا من التراكمات ليصلوا إلى هيكل خارجي قاموا بترميمه بشكل كامل. وحوّل السطح الزجاجي الجديد الباحة إلى منطقة استقبال (تستخدم حاليًا لعرض أعمال زها حديد).
ما أثار تعبيرات الإعجاب، التي كثيرًا ما تسمع في ميدان زها حديد، هو قيام المعماريين بعمل اختلال في توازن الكتلة العلوية، أولا ببناء الجزء الإضافي البعيد عن المركز - من أجل إتاحة نفاذ أكبر قدر من الضوء إلى الباحة، ثم قاموا بلي، ومدّ شكلها، لتبدو كأنه تم تشويها بفعل قوى خفية.
تبدو الكتلة ككل مثل سفينة أسفل شراع، تتحكم بحركة قارب، يبدو على عكس المتوقع، وكأنه معلق على منصة جافة. أما باتجاه الأسفل، تشق الألواح المسطحة للجدران الجانبية المائلة، مساحة فسيفسائية من المثلثات، التي تعكس الضوء، مما ينعش الأسطح، ويضفي الحيوية على الشكل. تم قطع الأطراف، وشطبها أحيانًا بدافع إتاحة الرؤية، وأحيانًا أخرى بدافع عمل السلالم الداخلية. ويبدو التكوين ليلا كأنه مصباح حضري ضخم معلق ينافس القمر.
مثل كل مشروعات زها السابقة، خاصة خلال السنوات الأخيرة من حياتها، أنتجت شركة أنشأتها هي التصميم، حيث قال شوماخر: «من أجل تشجيع بقاء الفكرة الأفضل، كانت هناك حاجة إلى مكتب قادر على التفكير بنفسه بشكل مستقل». ورغم الشعبية التي كانت تحظى بها زها حديد كقوة متميزة في عالم التصميم، بل كنجمة، أنشأت مكتبا يمكن للأفكار أن تتدفق داخله بحرية دون تنظيم إداري هرمي بحسب ما قال باولز.
في إطار المبادئ العامة، التي وضعتها طوال 35 عاما من ممارستها للمهنة، كانت زها حديد، وشوماخر، ومعماريون آخرون مخضرمون، ويافعون يتبادلون الأفكار، ويناقشونها معًا، في حين يصوغ المعماريون الأصغر سنًا الاقتراحات التي تؤدي إلى المزيد من الرسوم. وقال باولز: «لم يكن هناك وصفة محددة للتصميم. لقد أرادت أن توسع نطاق الحدود».
وكانت زها حديد وشوماخر يتخذان القرار النهائي سويًا، حيث قال إنها عرضت مشاركة القيادة قبل وفاتها، لكنه رفض موضحًا: «كان من الأفضل إبقاء التركيز على زها، وتفادي انمحاء هويتنا في حال إضافة أسماء أخرى في النهاية». إذا كان هناك شيء قد تغير في عملية التصميم، فهو المكتب، الذي أدارته طوال سنوات كأتيليه شخصي غير رسمي؛ فعلى مدى السنوات العشرة الماضية، زاد عدد العاملين به من 40 إلى 400، وقال شوماخر: «كان من المستحيل أن نجعل مئات الأفراد يعملون من دون تنظيم إداري هرمي. لذا أعدنا هيكلة المكتب بنظام عنقودي تحت قيادة جماعية» مع إضافة آليات للتعامل في شؤون المساءلة المالية. وأشار إلى أنه رغم المحاولات العدوانية من بعض من أبرز الشركات في لندن لاجتذاب الكفاءات، لم يغادر أي أحد المكتب. وشوماخر حاليًا هو المالك الرئيسي لـ«زها حديد أركيتيكتس» رغم تأكيده عدم تحديد تفاصيل الملكية بعد.
منذ وفاة زها حديد، حصل المكتب على عدة أعمال ومشروعات، من بينها منطقة أعمال مركزية متعددة الاستخدامات في براغ، بها مكاتب، ومتاجر تجزئة تمتد على مساحة مليون قدم مربع، ومقرّ «سبيربانك تكنوبارك» في موسكو، الذي يقال إنه سيكون النسخة الروسية من منطقة وادي السليكون.
إلى جانب ذلك، هناك بعض المباني الضخمة، ومطار ضخم في بكين تحت الإنشاء. وقال شوماخر: «بسبب توسع النطاق، نحن نبحث عن محركات جديدة لمنح المباني هوية وشخصية، ومبادئ بنائية وبيئية تمنح المباني هيئة جديدة».
وأوضح كيف أن الجينات الوراثية لزها حديد سوف تصمد حتى على نطاق أكبر موجه تكنولوجيًا عادة ما يجانس التصميم، قائلا: «نريد إدخال أفكار فنية في مساحة تعبيرية. لقد آمنت زها بالبحث، وبطبيعة الحال، سوف يتغير اهتمامنا بالبحث. لقد نظرنا إلى الهياكل الخارجية في المملكة العربية السعودية، والتكوينات القابلة للشد في لندن، والأفكار الجديدة للهياكل الخارجية في ميامي، ونيويورك، وشيكاغو. ونحن ننظر في الأبنية الضخمة ذات الأفنية الداخلية التي شيدها جون بورتمان، المعماري من ولاية أتلانتا، داخل فنادقه».
الرياح تهب نحو الأمام، ورغم تأكيد شوماخر أنه يؤيد «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي»، من أجل تحرر المكاتب البريطانية من البيئة التنظيمية، التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، من المحتمل أن يفشل المكتب، الذي يوجد في لندن، في الفوز بالمنافسات التي ينظمها الاتحاد الأوروبي لإقامة المشروعات العامة الكبيرة. وأوضح قائلا: «قد يؤثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي علينا؛ فقد يؤدي إلى إقصائنا».
كذلك هناك أمر الأرباح، حيث قال: «حتى هذه اللحظة حققنا أرباحا فقط في عدد قليل من المشروعات، وكثيرًا ما نسدد تكاليف المشروع الأخير مع المشروع الجديد. يمكنك القيام بذلك إذا كنت تتمتع بوضع مستقر، أو آخذ في النمو والتقدم، ونحن نتقدم، لكن الانكماش يمثل مشكلة. لا يُسمح لنا بالانكماش».
وهناك أمر واحد متبق خاص بـ«زها حديد أركيتيكتس» وهو غياب زها حديد، فهل ستظل الشركة تمتع بقوة جاذبة للعملاء ذوي المكانة الرفيعة، والمؤسسات الكبرى، والمنظمات الثقافية دون وجود قائدة الشركة ذات الحضور الطاغي؟ قال شوماخر: «لمدة طويلة، كان الاضطراب والارتباك يسود القيادة، وعملية التصميم الجماعي، لذا لن يتغير هذا، لكني لست معروفًا في عالم مشروعات العملاء، والسؤال هو: هل سأتمتع بالمصداقية الكافية لجذب الأعمال ذات الأهمية الثقافية؟ بالنسبة لي، هذا هو التحدي الكبير في ظل غياب زها».
*خدمة: «نيويورك تايمز»
جرأة البناء المعماري في حياة زها حديد مستمرة بعد وفاتها
تركت وراءها 36 مشروعًا تحت الإنشاء أو في مرحلة الرسوم الأخيرة أو قيد الانتظار
محطة إطفاء من القرن الماضي تم تحويلها إلى مبنى للمكاتب لـ500 موظف في ميناء أنتويرب
جرأة البناء المعماري في حياة زها حديد مستمرة بعد وفاتها
محطة إطفاء من القرن الماضي تم تحويلها إلى مبنى للمكاتب لـ500 موظف في ميناء أنتويرب
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

