دائمًا يتم التقليل والاستهانة بقدرة الأطفال على الحكم الأخلاقي، ظنًا منا أنهم غير ناضجين بالشكل الذي يمكنهم من معرفة الجوانب الأخلاقية والتصرفات التي تتسم بالحس الإنساني من عدمه. والحقيقة أن الأطفال لديهم القدرة على الحكم الأخلاقي على التصرفات الحميدة واستنكار التصرفات السيئة، وذلك تبعًا لأحدث دراسة قام بها علماء من جامعة «إيست أنغليا» (University of East Anglia) بالمملكة المتحدة، التي نشرت في شهر سبتمبر (أيلول) من العام الحالي.
أشارت الدراسة إلى أن البالغين حينما يقيمون الأفعال الأخلاقية لشخص ما، فإنهم يقومون بتحليل الدوافع أكثر من الأفعال الناتجة في النهاية، وأن الإساءة للغير عن عمد أسوأ كثيرًا من الإساءة بالصدفة. وكان الرأي السائد في أوساط علم النفس والطب النفسي أن الأطفال يحكمون على الدوافع الأخلاقية من التصرفات أكثر من الأفعال. وقد قام الباحثون بفحص دراسات أكدت سابقًا هذا الرأي بشدة، وأيضًا قاموا بتطبيق هذه الدراسات على البالغين لمعرفة إذا كانت ردود الأفعال سوف تختلف في البالغين من عدمه، مما يجعل الدراسات الخاصة بالأطفال ذات مصداقية.
وكانت المفاجأة أن كثيرًا من البالغين اعتمدوا في حكمهم الأخلاقي على الأفعال أيضًا، مما جعل الباحثين ينتقدون الطريقة التي تمت بها الدراسات التي أدت إلى نتائج غير دقيقة، وأن الخطأ كان في صياغة السؤال نفسه.
وقام الفريق بفحص الدراسات التي تم إجراؤها في الفترة من عام 1996 وحتى عام 2001، وقام بإعادة صياغة لسؤال معين من الأسئلة التي تم سؤالها للأطفال في تلك الدراسات، حيث كان السؤال يدور حول «هل الفعل جيد أم سيئ؟». وفى الدراسة الجديدة كان السؤال: «هل الشخص الذي قام بالعمل جيد أم سيئ؟»، وفى الدراسات السابقة تم اختيار واقعتين لسؤال الأطفال حولهما؛ أولاهما كانت الدوافع طيبة ولكن الأفعال الناتجة سيئة. والواقعة الثانية كانت الدوافع سيئة لكن الأفعال الناتجة كانت جيدة.
وقام الأطفال بالحكم على الواقعة التي حدثت فيها الأفعال الجيدة بأنها أخلاقية بغض النظر عن الدوافع. وفى التجربة الجديدة حينما تم إجراء نفس التجربة بنفس الأسئلة السابقة على البالغين، كانت إجابات البالغين نفس إجابات الأطفال.
وحينما تمت صياغة السؤال بشكل مختلف كانت إجابات الأطفال من 4 إلى 5 أعوام في أحكامهم متوازنة بدقة بين الدوافع والأفعال الناتجة، وبالنسبة للأطفال من عمر 5 وحتى عمر 6 أعوام كانت أحكامهم تميل أكثر إلى الدوافع، وبالنسبة للأطفال الأكبر عمرًا اتفقوا مع البالغين في التحول شبه التام، من الحكم على الأفعال في السؤال الأصلي في الدراسة السابقة، إلى الحكم على الدوافع في السؤال المعدل في الدراسة الجديدة
وصرح الباحثون بأن الجانب الأساسي في هذه الدراسة كان محاولة معرفة التصور الأخلاقي، إذ إن البالغين يكون حكمهم على الفعل السيئ أكثر إدانة إذا تم عن عمد، وأقل إدانة إذا تم سهوًا أو دون قصد. وتبعًا للاعتقاد القديم بأن الأطفال يكون حكمهم أكثر إدانة للفعل منه للدوافع، فهو أمر يشير إلى اختلاف البناء الأخلاقي (fundamental aspect) عند الأطفال، وهو الأمر الذي ثبت عدم صحته في الدراسة الجديدة، مما يعني أن الأطفال، خصوصًا في الفئة العمرية الأكثر من عمر 6 سنوات، لديهم الفطنة الكافية لمعرفة الدوافع الحقيقية والحكم الأخلاقي الصحيح.
وأوضح الباحثون أن الدراسة الجديدة تعتبر بالغة الأهمية، لأنها ناقشت الطريقة التي كانت تتم بها الأبحاث السابقة، والتي أدت إلى نتائج ليست دقيقة، وأن هذه الدراسات التي لا تزال موجودة وراسخة على أنها حقائق علمية، يجب أن يتم تغييرها، حتى يمكن الحكم بشكل محايد على النضج الأخلاقي عند الأطفال، طالما توحدت إجابتهم مع البالغين المدركين جيدًا للدوافع. وأشاروا إلى أنهم أجروا التجربة على 138 من أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و8 أعوام، و31 من البالغين، وتم سؤالهم حول 4 قصص يحدث فيها ضرر بالصدفة (نية جيدة وفعل رديء) وأيضًا محاولة مقصودة للضرر (نية سيئة وفعل جيد). وكانت القصص والصور والأسئلة متطابقة مع التجربة الأصلية، باستثناء أن كل مشارك في التجربة سواء من الأطفال والبالغين تم سؤاله سؤال التقبل (acceptability) نفس ذات السؤال، كما في التجربة الأصلية في قصتين من الأربع، بينما تمت إعادة صياغة السؤال في القصتين الأخريين.
وعلى سبيل المثال فإن سؤال التقبل كان:
* السؤال الأصلي من عينة: هل من الجيد أن يقوم أحمد بإعطاء محمد عنكبوتًا كبيرًا؟ وإلى أي مدى تقيم جودة أو رداءة هذا الفعل؟ هل هو حقًا جيد أم حقًا رديء هذا الفعل؟ أم أنه جيد فقط أو رديء فقط أو فعل عادي؟
* السؤال بعد الصياغة من عينة: هل أحمد شخص جيد أم سيئ أم عادي؟ إلى أي مدى هو جيد أو سيئ؟ وهل هو حقًا شخص جيد أم هو حقًا شخص سيئ؟ أو فقط جيد أو سيئ أو شخص عادي؟ وبعد إعادة صياغة السؤال كان حكم الأطفال على الدوافع وأخلاقيات الشخص بغض النظر عن فعله الذي قد يختلف مع دوافعه، بينما في السؤال القديم كانت صيغة السؤال موجهة في اتجاه الفعل ذاته وإلى أي مدى هو جيد أم سيئ. وعلى الرغم من أن التغيير في الصيغة كان طفيفًا للغاية، فإن نتائجه كانت كبيرة مما يغير من النظرة السابقة للعلماء.
* استشاري طب الأطفال
8:57 دقيقه
دراسة علمية: الأطفال لديهم فطنة كافية لمعرفة دوافع الأفعال السيئة
https://aawsat.com/home/article/750121/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%87%D9%85-%D9%81%D8%B7%D9%86%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B9%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A6%D8%A9
دراسة علمية: الأطفال لديهم فطنة كافية لمعرفة دوافع الأفعال السيئة
الحكم الأخلاقي ينضج لديهم مع ازدياد أعمارهم
- القاهرة: د. هاني رمزي عوض
- القاهرة: د. هاني رمزي عوض
دراسة علمية: الأطفال لديهم فطنة كافية لمعرفة دوافع الأفعال السيئة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

